الذكاء الاصطناعي والبحث التاريخي

الذكاء الاصطناعي والبحث التاريخي
الخميس 8 يناير 2026 - 12:21

يَذكر أستاذ تاريخ متخصص أنه قبل سنوات قليلة لم يكن مقبولا بالمطلق في الأبحاث التاريخية الاستناد إلى المواقع الإلكترونية ووضعها ضمن قائمة المصادر والمراجع، وذلك في غالب الظن للتشابك الحاصل في ذلك بين التاريخ والصحافة؛ كون الأول مجال يتميز بالصرامة من حيث المنهج، والمجال الثاني يركز على جوانب أخرى أكثر أهمية بالنسبة له، مثل: قُدسية الخَبر والسبق في الحصول عليه ونشره، والعناوين المثيرة والجذابة، واللغة المحرّكة للمشاعر، وظاهرة حصرية تناول الأنباء… هذا في حين أن كل ذلك يقع في جوانب كثيرة منه على عكس مجال التاريخ.

غير أن هذا التعارض من حيث المبدأ بين التاريخ والصحافة -وبالتحديد الصحافة الإلكترونية في وقتنا الحالي- بدأ يلين شيئا فشيئا مع مرور الوقت، وذلك بأن أصبح بالإمكان في الأبحاث التاريخية الرصينة اليوم إيجاد جانب ولو صغير مخصص للمواقع الإلكترونية في صفحة المصادر والمراجع.

فهل هو تحول عابر أم متجذر!؟

والإشكال المذكور أعلاه كاد أن يوقع خلطا كبيرا لدى المهتمين بمجال التاريخ -إن لم يكن وقع فعلا- بين الانفتاح على ما هو إلكتروني أو رفضه بالمطلق.

وتبدو هذه المسألة في أحيان كثيرة متشابهة في جوانب كثيرة منها مع ما طُرح على الفقهاء المغاربة في القرن 19م من أمور مستحدثة مثل تدخين التبغ واعتماد المطبعة في إنتاج الكتب. وبصفة عامة هنا تُطرح إشكالية؛ كيف يمكن التعامل مع كل ما هو جديد؟

وقد تتناسل الأسئلة من هذا السؤال بالاتجاه التالي: هل كل جديد مرفوض؟ هل إذا كان مفيدا نقبله؟ وفي أي صيغة بالضبط هو مقبول؟

ولأجل ذلك ومواكبة لكل ما يحدث اليوم في العالم من تحولات مهمة فيما يخص الجانب التكنولوجي، يبقى المهتم بمجال التاريخ ومواضيعه هو الآخر معني بنفض الغبار عن الأدوات التقليدية التي يشتغل بها منذ مدة طويلة، وأن يستعين بما قد يعوضها في طريق الحصول على نتائج أفضل، وذلك بالاعتماد على وسائل متجددة يصعب حصرها، لعل أبرزها في أيامنا هذه ما يتيحه الذكاء الاصطناعي من حلول لمشاكل عمّرت طويلا.

وجدير بالذكر أن ما سيُذكر لاحقا هو محض اجتهاد يمكن البناء عليه في إحداث تراكمات مهمة تساعد المهتمين بمجال التاريخ على الالتفات إلى أدوات قد تكون مفيدة في بلوغ الحقيقة النسبية، وهي نفسها -أي أدوات الذكاء الاصطناعي- قد تصبح متجاوزة في مرحلة من المراحل المقبلة.

إجراء بحث أولي سريع حول موضوع البحث

عُلِم لدى الجميع تقريبا منذ بداية تجربة الذكاء الاصطناعي أن طريقة اشتغاله تستند على اطلاعه الواسع والشامل على معظم ما هو منشور على الأنترنت، سواء تعلق الأمر بالمواقع الإلكترونية أو حتى بعض امتداداتها لما هو ورقي ولو على سبيل عناوين الكتب والمقالات. ولأجل ذلك فالانطلاقة التقليدية للمهتم بالتاريخ من المكتبة بالبحث في كل كتاب على حدة حول موضوعه باتت شيئا أكثر تعقيدا، خاصة في ظل توفر محركات بحث الذكاء الاصطناعي على صلاحيات هائلة في الاطلاع على مواضع ذكر موضوع معين في مقال أو كتاب معين.

ويمكن طبعا الانطلاق من ذلك وبعدها العودة للكتب والاستمرار في اتّباع مسارات مصادرها ومراجعها بشكل طبيعي.

قراءة الكلمات الصعبة في المخطوطات والكتب القديمة

يجد اليوم المهتم بعلم المخطوطات نفسه أمام كنز ثمين يتمثل في أداة واحدة قادرة على مده بسلسلة من الاقتراحات للكلمات الصعبة في المخطوطات حتى يطمئن لمعنى معين. وهذه الإمكانية كانت في وقت من الأوقات وفي ظروف أخرى سابقة تتطلب تنقلات هائلة منه لطلب المساعدة من أهل التخصص، لتنضاف بذلك هذه الميزة إلى حقيبته ويمكن الاستعانة بها إلى جانب متخصصين في قراءة الخطوط والمخطوط، وهذا يساعد أيضا محقّقي الكتب.

أدوات الإحصاء والتنظيم

كانت في الكتب التاريخية القديمة سُنّة محمودة تتمثل في فهرس للمحتويات مفصل، ونجد إلى جانبه فهرس خاص بالأعلام والأماكن وهو يشتمل على سلسلة من أسماء الشخصيات والمناطق الجغرافية المختلفة، وهي المسألة التي كانت تعفي الباحث في التاريخ من قراءة الكتاب كاملا بحثا عن أسماء معينة تهمه في بحثه. وهذا الجانب التنظيمي للأسماء المذكورة هو متاح اليوم بشكل سهل بمساعدة أدوات الذكاء الاصطناعي مع التأكيد طبعا على المراجعة دائما والتدقيق في أي تناول لما هو آلي.

الرقمنة

يبدو بأن أدوات الذكاء الاصطناعي من شأنها الدفع بالجهود التقليدية المبذولة في عملية رقمنة الوثائق والانتقال بها من الورقي إلى الفضاء الذي بات له اليوم النصيب الأكبر من الاهتمام، ألا وهو الفضاء الافتراضي. حتى أن رقمنة الوثائق والكتب والمخطوطات لا يساهم فقط في تسهيل عمل الباحث في التاريخ، بل على العموم المهتم بالعلوم الإنسانية والعلم بصفة عامة. فكما أن الكتب كانت دائما هي الوسيلة الذهبية لحفظ العلم لمدد طويلة قد تصل لقرون، فاليوم قد يحتفظ لنا الفضاء الافتراضي بمعلومات قديمة جدا، وحتى عند حذفها يترك لنا أثرها في الغالب، وهي ربما مسألة من شأنها إحداث بعض التوازن في الروايات التاريخية المستقبلية.

صور ومقاطع فيديو احترافية

بات اليوم توليد الصور ومقاطع الفيديو افتراضيا مسألة سارية المفعول، ويمكن أيضا اعتمادها في التاريخ في سياقات معينة للعرض، عبر استخدامها لأغراض علمية خالصة، مثل محاولة تجسيد بعض تفاصيل معركة معينة، مع ما يتطلب ذلك من شروط دقيقة وموضوعية. غير أن هذه المسألة تطرح بشدة إشكالية الحقيقة التاريخية ومدى إمكانية تزويرها أو توجيهها على الأقل، خاصة في ظل التأثير الكبير لكل ما هو سمعي-بصري اليوم على الناس.

التدقيق اللغوي

يعتمد الباحث في التاريخ مثل غيره من المشتغلين في العلوم الإنسانية الأخرى على حقل يركّز في جانب كبير منه على اللغة التي يخاطب بها القارئ، وكان في العصور التاريخية السابقة يتميز كاتب التاريخ بموسوعيته بحيث كان هو في الآن نفسه أديبا وفيلسوفا وقاضيا وفقيها… إلا أنه مع توالي السنوات أصبح كل تخصص أكثر تفرعا داخل بنيته. وبالتالي الحل الذي أصبح لدى المشتغل في التاريخ هو اللجوء إلى اللغوي في غالب الأحيان لتحسين الوعاء الذي يقدم فيه منتوجه.

واليوم تتيح أدوات الذكاء الاصطناعي مسألة مهمة جدا هي التدقيق اللغوي، وليكون الأمر أكثر رزانة وجدية، فالجانب الأكثر إلحاحا هنا هو معرفة الكلمات الخاطئة فقط ومواضع الخلل. ولا بأس في ذلك، فالسهو سمة بارزة لدى الإنسان وهو إلى جانب مسألة الجهل ببعض الأمور المعرفية من الصفات الثابتة لديه، خاصة إن تعلق الأمر باللغات فالمجال شاسع جدا والخطأ أيضا وارد جدا.

مختلفات

قد يستنجد المهتم بالتاريخ من خلال عمله ببعض آليات الاشتغال مثل تحويله معطيات غزيرة إلى جداول مركزة، أو الاشتغال على صور ومقاطع فيديو باعتبارها من الأمور الجديدة التي يمكن اعتمادها، وكلها آليات من شأن الذكاء الاصطناعي اليوم إكساب الباحث فيها وقتا ثمينا، سواء بإيضاح الصور والرفع من جودتها أو تحسين جودة صوت الفيديو أو توفير تقنيات دقيقة لإعداد خريطة احترافية… وغير ذلك.

ويمكن القول في النهاية أن الذكاء الاصطناعي اليوم هو ثورة حقيقية يصعب على كل إنسان عاقل إغفاله أو محاولة تهميشه، إلا أن الإشكال يبقى في حدود التعامل معه من حيث الفوائد والأضرار، خاصة وأن البوصلة المنطقية والفطرية تفيد بأن: الذكاء الاصطناعي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يعوض الذكاء البشري.

-مهتم بالتاريخ السياسي وقضايا المجتمع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 1

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي

صوت وصورة
''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:00

''Artisway''.. صناعة الذهب التقليدي بفاس

صوت وصورة
مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 18:09

مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية

صوت وصورة
خطوات لحماية القدرة الشرائية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 16:33 6

خطوات لحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
طاكسيات تزيد في التسعيرة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 15:22 11

طاكسيات تزيد في التسعيرة

صوت وصورة
أسعار الخضر تواصل الارتفاع
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 12:15 12

أسعار الخضر تواصل الارتفاع