سؤال ينبغي أن نطرحه قبل أن نأمر
كثيرا ما نخاطب التلميذ “اجتهد” “ضاعف جهودك” عبارات نكرّرها في الاجتماعات وفي دفاتر المراسلة وفي بيانات النقط وفي لقاءات الآباء وكأنّ الاجتهاد أو مضاعفة الجهد زرّ في يد التلميذ يتحكّم فيه وقت ما شاء، يكفيه أن يضغط عليه ليحقّق ما يشاء، وإذا لم يستجب للأمر سرعان ما نحكم عليه بالتّهاون أو التّكاسل أو اللّامبالاة أو عدم الرغبة…لكنّ التجربة الميدانيّة تعلّمنا أن الكلمة لوحدها لا تكفي لتغيير سلوك تراكمت أسبابه لسنوات، الأجدر أن نعكس السّؤال ونقول: “لماذا لا يجتهد هذا التلميذ؟” فالأمر بالاجتهاد ما هو إلاّ وصف للنّتيجة، عكس طرح السّؤال عن السّبب فهو بداية للتّشخيص، وكما يعرف الجميع لا علاج بدون تشخيص.
يعتبر الاجتهاد في مجال التفكير التربويّ المعاصر ثمرة شروط تتوفّر أو لا تتوفّر، إن توفّرت أنتجت تلميذا مجدّا ومجتهدا وإن لم تتوفر أنتجت تلميذا متكاسلا ومتهاونا، فالاجتهاد ليس صفة ثابتة يولد بها بعض التلاميذ دون غيرهم، وحتى عندما يمتنع التّلميذ عن بذل المجهود، فقلّما يكون هذا الامتناع رفضا، بل هو في الغالب استجابة لوضعية معيّنة يعيشها، ويمكن أن نرجع الأسباب وراء ذلك إلى ما يلي:
أسباب تعود إلى التّلميذ نفسه والصورة الّتي يحملها عن ذاته والّتي تعتبر من أقوى الأسباب الّتي تقتل الجهد هو الاقتناع بأنّه عديم الجدوى، وأنّ الاجتهاد هو من نصيب الآخر فقط أمّا هو فلا، من هنا تنحطّ نفسية التلميذ. ومن بين الأسباب كذلك مخلّفات السنوات الماضية إذ لا يمكن لأحد أن يجتهد في بناء فوق أساس مهدوم فالتّلميذ الّذي لم يتمكن من التمييز بين الاسم والفعل وبين التدرّب على القراءة السّليمة والطلاقة سيعاني في كلّ المواد وكذلك التّلميذ الّذي لم يتقن درس الكسور في الابتدائي سيجد درس الجبر في المرحلة الإعدادية لغزا من الألغاز الّتي يصعب حلّها، ومع تراكم الفجوات يصبح الدّرس الجديد غريبا عليه. ومن الأسباب أيضا ما يعود إلى المدرسة والقسم، علينا أن نسأل أنفسنا أوّلا ونحاول الإجابة بكلّ صدق: هل الدّرس الّذي نقدّمه له ذو معنى في نظر التّلميذ؟ هل يرى صلة بينه وبين حياته أو مستقبله؟ فإذا كان القسم لا يمنح للتّلميذ شيئا من ذلك فأكيد أنّه سينسحب. ولعلّ من أبرز الأسباب كذلك ما يرتبط بالأسرة فقد يعود التّلميذ إلى بيت لا يوفّرله مكانا هادئا للمراجعة، أو إلى أسرة مثقلة بهموم العيش لا تجد وقتا لمتابعته، أو إلى محيط لا يرى في الدّراسة طريقا مجديا إلى المستقبل، وقد تكون وراء الأمر مشكلات لا ينتبه إليها بسهولة كضعف في النظر أو السمع، أو صعوبات في التعلّم أو اضطراب في الانتباه وهي أمور تستدعي استشارة المختصين ولا تعالج بالنّصائح أو الأوامر أو اللّوم…
من هنا يتضح أنّه لا يكفي أن نسأل التّلميذ عن أسباب عدم اجتهاده، ثمّ نتركه دون مساعدة، ينبغي أن يقودنا فهم الحالة إلى خطوات عمليّة.
يمكن أن نبدأ بالاتفاق معه على هدف صغير وواضح، مثل مراجعة درس واحد خلال مدّة محدّدة، ثمّ نساعده على اختيار الطّريقة المناسبة للمراجعة وتنظيم وقته مع متابعة ما أنجزه، ومناقشة الصّعوبات الّتي تواجهه، كما نعمل على تشجيعه على تحمّل مسؤولية تقدّمه تدريجيا.
ومن المهمّ أن نميز بين تقديم المساعدة والقيام بالعمل بدل المتعلّم، فغايتنا ليست أن نبقى نذكّره في كلّ مرّة بما عليه فعله، بل أن نساعده على اكتساب المهارات والعادات الّتي تمكنّه من المبادرة والاستمرار. وهنا يمكن للكوتشينغ المدرسي أن يقدّم مدخلا للمواكبة من خلال الحوار الهادف، وتحديد الأهداف، وبناء خطّة عمل وتتبّع التّقدّم وكما أقول دائما فهو يظل مدخلا مساعدا فقط لا بديلا عن التّدريس الجيّد أو الدّعم المتخصّص عندما تستدعي الحالة ذلك.
وكخاتمة إنّ مطالبة التّلميذ بالاجتهاد أمر مشروع، فالتعلّم يحتاج إلى الجهد والمثابرة وتحمّل المسؤولية، لكنّ مسؤوليتنا التّربويّة لا تتوقّف عند تحديد ما ننتظره منه، بل تمتدّ إلى مساعدته على فهم ما يعوقه، وتعلم كيفية تجاوز الصّعوبات الّتي تواجهه. فقد لا يكون التحدّي الحقيقي هو إقناع التّلميذ بضرورة الاجتهاد، بل مساعدته على اكتشاف كيف يجتهد؟ ولماذا يجتهد؟ وكيف يستمرّ عندما يصبح التعلّم صعبا، فالتّربيّة تهدف في النّهاية إلى أن يصبح التّلميذ هو صاحب القرار في تعلّمه، لكنّ الطريق إلى ذلك يمرّ عبر فهمه أوّلا، وعلى هذا الأساس نواصل في المقالات القادمة إن شاء الله فحص جوانب أخرى من هذه الظاهرة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.