الأستاذ ليس شمّاعة

الأستاذ ليس شمّاعة
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 01:23

ثمة مفارقة تستوقف كل من يتابع النقاش حول التعليم في المغرب: كلما تعثرت المدرسة، بحث كثيرون عن مسؤول قريب يمكن الإشارة إليه، وغالبًا ما يكون الأستاذ أول من توجَّه إليه أصابع الاتهام. الجميع يتحدث عن الأزمة، والجميع يملك تشخيصًا جاهزًا ووصفة للعلاج، حتى ليبدو أن فهم المنظومة التربوية لا يحتاج إلى أكثر من أن يكون المرء قد جلس يومًا على مقعد في فصل دراسي. وسط هذا الصخب، يضيع السؤال الأهم: هل نتحدث حقًا عن أعطاب المدرسة، أم نبحث عن شماعة نعلّق عليها إخفاقاتنا الجماعية؟

صار الأستاذ، في بعض الفضاءات، الهدف الأسهل لمن أراد التعبير عن غضبه أو تصفية حساب قديم. لا يحتاج الأمر إلى تقرير أو أرقام أو معرفة بالمقررات وطرائق التدريس؛ تكفي حكاية عن معلم قاسٍ من زمن مضى، أو واقعة لم تُعرف ملابساتها، أو تعثر ابن في مادة دراسية، ليصدر الحكم على عشرات الآلاف من المدرسين دفعة واحدة، كأنهم نسخة واحدة مكررة، وكأن الفوارق بين مؤسسة في قلب المدينة وأخرى في أعالي الجبل، وبين قسم يضم أربعين تلميذًا وآخر يضم ثمانية، تفاصيل لا قيمة لها إلا في نظر من يحاولون الدفاع عن أنفسهم.

والأغرب أن ترى من لا يعرف عن المدرسة اليوم إلا ما يسمعه في المقهى أو يقرؤه على صفحات التواصل الاجتماعي، يتحدث بنبرة من قضى عمره في الأقسام الدراسية. قد يكون قد ابتعد عن المدرسة منذ عقود، أو لا يعرف واقعها الراهن إلا من خلال تجربة ابنه، أو ما زالت عالقة في ذهنه صورة المعلم كما عرفها طفلًا. ومع ذلك، يصدر أحكامًا نهائية على مهنة بأكملها، متجاهلًا أن المدرسة تغيرت، وأن المناهج والانتظارات الاجتماعية وظروف التدريس لم تعد كما كانت، وأن فهم واقع تربوي متحول يحتاج إلى معرفة تتجاوز الذكريات والانطباعات الشخصية.

لا أحد يطالب بمنح الأستاذ حصانة، فالانتماء إلى مهنة التدريس لا يجعل صاحبها فوق المساءلة، وفي الجسم التعليمي، ككل جسم مهني، من يخطئ ويستحق المحاسبة، ومن يسيء إلى المهنة بسلوكه. لكن النقد الجاد له شروطه: أن ينطلق من واقعة محددة، وأن يميز بين تقصير شخصي وخلل بنيوي، وأن يستند إلى معطيات قابلة للفحص. أما تحويل حالات فردية إلى إدانة جماعية، وجعل الأستاذ متهمًا دائمًا مهما تشعبت أسباب المشكلة وتوزعت المسؤوليات، فليس نقدًا بقدر ما هو اختزال مخلّ لواقع معقد.

ثمة فرق كبير بين أن تنتقد أستاذًا ثبت تقصيره، وأن تتخذ من المدرسين جميعًا خصمًا تفرغ فيه ضيقك كلما اصطدمت بتعقيدات الحياة المدرسية. وهناك فرق آخر بين أب يبحث بصدق عن حل لمشكلة ابنه، وآخر يحوّل كل تعثر دراسي إلى معركة مع المدرسين، من دون أن يسأل عن استعداد ابنه، وعلاقته بالقراءة والمراجعة، ومدى انضباطه، وما يحتاج إليه من دعم ومواكبة داخل البيت وخارجه.

وفي هذا النقاش منطقة محرجة قلّما يُلتفت إليها. ليس كل من يهاجم الأستاذ غيورًا بالضرورة على جودة التعليم، وليس كل من يرفع صوته مطالبًا بالإصلاح يبحث فعلًا عن مدرسة أفضل. فقد تختلط لدى بعض المنتقدين دوافع النقد المشروع بمرارات شخصية قديمة، أو أحكام مسبقة، أو خصومات لم يستطيعوا تجاوزها. وقد يتحول خلاف سابق مع أستاذ إلى موقف عدائي من مهنة بأكملها، أو يصبح الدفاع المعلن عن المدرسة غطاءً لضيق من المكانة الاجتماعية للمدرس وحقوقه المهنية. وربما تسللت مشاعر الحسد والحقد إلى بعض هذه المواقف، فصار النيل من الأستاذ غاية في حد ذاته، بينما لا يتجاوز الحديث عن إصلاح التعليم كونه ذريعة لتبرير ذلك.

لا يمكن تعميم هذه الدوافع على كل المنتقدين، ولا يصح أن نحاكم النيات من دون دليل، لكن من الضروري التمييز بين من ينتقد ممارسة محددة انطلاقًا من وقائع وحجج، ومن يطلق أحكامًا عدائية لا تترك مجالًا للإنصاف أو الاعتراف بالاختلاف. فهناك خطابات تكشف نبرتها الإقصائية أكثر مما تكشفه حججها، وتوحي بأن صاحبها لا يبحث عن إصلاح المدرسة بقدر ما يبحث عن خصم يحملّه مسؤولية غضبه.

وتبلغ المفارقة ذروتها لدى بعض الأسر حين ينجح الابن، فيُنسب نجاحه إلى ذكائه واجتهاده، وحين يتعثر يُستدعى الأستاذ إلى قفص الاتهام. يُحتفى بالمتفوق باعتباره موهبة استثنائية، ويُقرأ تعثر غيره باعتباره دليلًا على فشل المدرس. والحقيقة أن التعثر الدراسي ظاهرة متعددة الأسباب؛ فقد يرتبط بصعوبات التعلم، أو بظروف نفسية واجتماعية، أو بضعف المواكبة الأسرية، أو باختلالات داخل المدرسة نفسها، وغالبًا ما تتداخل عدة عوامل في إنتاجه. واختزال هذه الظاهرة في سبب واحد لا يخدم المتعلم، فضلًا عن أن يتحول إلى مبرر لإهانة من يتولون تدريسه.

التلاميذ ليسوا سواء في قدراتهم واستعداداتهم وظروفهم، وتعثر أحدهم لا يعني أنه قليل الذكاء، كما أن الذكاء وحده لا يصنع النجاح من دون اجتهاد ومواكبة وانضباط. على المدرسة أن تبحث عن سبل دعم المتعثرين، وعلى الأسرة أن تضطلع بدورها في المتابعة والتوجيه، وعلى المؤسسات أن توفر شروط التعلم الجيد. أما إلقاء اللوم في اتجاه واحد، فلا يحل مشكلة ولا ينقذ تلميذًا، وإنما يزرع خصومة بين أطراف يفترض أن تتعاون من أجل مصلحة المتعلم.

ويزيد الأمر تعقيدًا أن الأستاذ يُعامل أحيانًا كأنه موظف فقد حقه في التعب، وفي المطالبة بتحسين ظروف عمله، وفي الدفاع عن كرامته المهنية. يُنتظر منه أن يكون مربيًا ومرشدًا نفسيًا ومصلحًا اجتماعيًا، وأن يعالج وحده آثار الفقر والتفكك الأسري والعنف وضعف التحصيل، ثم يُلام حين تعجز إمكاناته عن مواجهة مشكلات تتجاوز سلطته. فإن طالب بحقوقه، قيل إنه مقصر؛ وإن احتج على ظروف عمله، اتُّهم بأنه لا يفكر في مصلحة التلميذ؛ وإن دافع عن صورته الاعتبارية، عُدّ ذلك رفضًا للنقد.

فأي منطق هذا الذي يجعل الحق نقيض الواجب؟ وأي إصلاح يمكن أن يقوم على إضعاف الثقة في المدرس بدل تقوية شروط نجاحه، مع إخضاعه لمساءلة واضحة وعادلة؟ إن المطالبة بحقوق الأستاذ لا تعني إعفاءه من مسؤولياته، كما أن مساءلته لا تعني إنكار حقوقه. فالمهنية الحقيقية تقوم على التوازن بين الواجبات والحقوق، لا على مطالبة طرف بأداء كل الأدوار وتحميله وحده تبعات إخفاقات منظومة كاملة.

والمدرسة المغربية ليست ملكًا للأساتذة وحدهم ولا للأسر وحدها، كما أنها لا تُصلح بقرارات إدارية معزولة أو بخطابات شعبوية تستثمر موجات الغضب. إنها مؤسسة مجتمعية تتقاطع فيها مسؤوليات الدولة والحكومة والوزارة والإدارة التربوية والأطر التعليمية والأسر والجماعات الترابية، ولكل طرف نصيبه من المسؤولية بحسب موقعه وصلاحياته. ومن يريد مساءلة الأستاذ، فليسأل بالجدية نفسها عن الاكتظاظ، والموارد التعليمية، وجودة التكوين، واستقرار المناهج، وظروف التمدرس في المناطق النائية، والحكامة، وآليات التقييم والمحاسبة، ومدى ملاءمة القرارات المتخذة لواقع المؤسسات.

كيف نطلب من الأستاذ نتائج أفضل من دون أن نفحص الشروط التي يعمل في ظلها؟ وكيف نحاسبه على مخرجات منظومة كاملة ونعفي السياسات العمومية من التقييم؟ وكيف نختزل إصلاح المدرسة في مراقبة المدرس، بينما تظل قضايا الإنصاف المجالي وتكافؤ الفرص وجودة التعلمات في حاجة إلى حلول ملموسة؟ إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتحديد المسؤوليات بدقة، وتقييم السياسات والاختيارات، والتمييز بين ما يدخل ضمن صلاحيات الأستاذ وما يتجاوزها، بدل اختزال أزمة متعددة الأبعاد في صورة موظف يقف أمام السبورة.

وليس مطلوبًا من المجتمع أن يصمت عن المدرسة، وإنما أن يتوقف عن الخلط بين مساءلة الأستاذ وإدانته، وبين الدفاع عن المتعلم واتخاذ المدرس عدوًا، وبين الغيرة على التعليم وتصفية الحسابات باسمه. فمن حق الآباء أن يسألوا، ومن حق التلاميذ أن يطالبوا بتعليم جيد، ومن حق المجتمع أن يناقش السياسات التربوية وينتقدها. لكن هذه الحقوق لا تمنح أحدًا مبررًا للتشهير أو الإهانة أو إصدار أحكام جماعية لا تستند إلى دليل.

إن أخطر ما قد يصيب النقاش التربوي أن تصبح كراهية الأستاذ موقفًا اجتماعيًا مقبولًا، وأن يُعدّ التشهير به شجاعة، وأن يُنظر إلى كل دفاع عن كرامته باعتباره تهربًا من المسؤولية. حين يُختزل المدرس في صورة نمطية سلبية، تضيع الفوارق بين المجتهد والمقصر، وبين من يؤدي رسالته بإخلاص ومن يسيء إليها، ويغدو الحكم المسبق أقوى من الحقيقة، والانطباع أسرع من التحليل. والأسوأ أن هذه النظرة لا تسيء إلى الأستاذ وحده، بل تضعف الثقة في المدرسة نفسها، وتعمق الهوة بين الأسرة والمدرس، وهما الطرفان اللذان لا يمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح من دون تعاونهما.

لهذا آن الأوان لإعادة ترتيب النقاش. من كانت لديه معرفة موثوقة، أو تجربة ذات صلة، أو معطيات تقبل الفحص، فليقدم حججه ومقترحاته، وليساهم في مساءلة المسؤولين عن قراراتهم. ومن لحقه ضرر حقيقي، فليطالب بإنصافه عبر القنوات المناسبة. أما تحويل الخصومات الشخصية والأحقاد القديمة وخيبات التوقعات إلى أحكام عامة على نساء التعليم ورجاله، فليس نقدًا، وإنما ظلم يرتدي قناع الغيرة على المصلحة العامة.

ومن حق المجتمع أن يسائل المدرسة، لكن من حق المدرسة أيضًا أن تطلب الإنصاف. وإذا كان الأستاذ مطالبًا بمراجعة ممارساته وتطوير أدائه، فإن منتقديه مطالبون بدورهم بمراجعة أحكامهم، والتحرر من الصور النمطية، والتمييز بين النقد الذي يبني والعداء الذي يبحث عن ضحية. أما من لا يملك عن واقع التعليم الراهن سوى ذكريات قديمة وانطباعات عابرة، فالأجدر به أن يتريث قبل إصدار الأحكام، وأن يصغي إلى أهل الميدان قبل توزيع الاتهامات. فليس كل صمت عجزًا، وليس كل كلام معرفة، ولا تصبح الحقيقة أقرب لمجرد أن الصوت أعلى.

المدرسة المغربية في حاجة إلى نقاش شجاع، لكنها في حاجة أيضًا إلى نقاش عادل؛ نقاش لا يقدّس الأستاذ ولا يشيطنه، ولا يعفيه من المحاسبة ولا يجعله كبش فداء، ولا يترك للمرارات الشخصية أن تتنكر في ثوب الرأي التربوي. فإصلاح التعليم لا يتحقق بالبحث عن عدو نحمّله كل إخفاقاتنا، ولا بتوزيع الاتهامات على فئة يسهل استهدافها، وإنما بمواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة، بما تتطلبه من معرفة ومسؤولية وجرأة على مساءلة الجميع، لا المدرس وحده.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك
الأحد 1 نونبر 2026 - 21:00

حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39 11

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58 11

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34 5

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45 2

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57 2

مبادرة "رفاه الحيوان"