نهاية الاستبداد ’المتهور‘

نهاية الاستبداد ’المتهور‘
الثلاثاء 23 غشت 2011 - 03:13

هكذا إذن هي عجلة التاريخ. حينما يأتي أوان دورانها لا ترحم أحدا علا شأنه أم هوى. فهاهو القذافي يُنهي نظامه بعناده الأرعن. ظل إلى آخر لحظة يتوهم أن له أتباعا بالملايين وأن هذه الملايين ستزحف على “الجرذان” لإبادتها “شبر شبر”. والجرذان هم أبناء شعبه الذي كتم أنفاسه لأكثر من 40 عاما. هذا هو منطق حكام الاستبداد ’المتهور‘ الذين يحولون شعوبهم إلى مجرد جرذان وعبيد ورعايا وأتباع. لا يوجد في قاموس المستبدين – المتنورين منهم والمتهورين – مكان لشيء اسمه المواطنة أو الديمقراطية أوالحرية فكيف بالكرامة. خطاباتهم المكرورة والمجرورة حد الشرخ أسست على مدى عقود – إذا ما اقتصرنا على فترة ما بعد الاستقلالات – لثقافة القطيع ووضعوا لأنفسهم مكانا محوريا وسط ذاك القطيع المدجن. يحكى عن الراحل بورقيبة (مع وجود الفارق طبعا) أنه عندما كان “يقود” الحركة الوطنية التونسية من القاهرة، سقط ذات يوم في الحمام، وحينما نهض بلا كسور أو رضوض علق بتلقائية: سقطت تونس والحمد لله على سلامتها!

شعارات ليبيا قبل الثورة رفعت من قدر القذافي إلى مستوى التأليه الأعمى. كذلك فعلت آلة التطبيل العراقية التي خلقت “القائد الضرورة” وجعلت له تسعة وتسعين صفة توازي أسماء الله الحسنى. أما جوقة الكذابين المحيطة بالأسد في دمشق فلا يدري أحد إلى أين تقود الشعب السوري.

اختفى صاحب “النظرية الثالثة” منذ أشهر ولم يعد له أثر سوى رسائله الصوتية. والآن وصل “الجرذان” إلى باب العزيزية، مقر حكمه. هذا العقيد أتى به انقلاب عسكري في الفاتح من سبتمبر 1969 إلى سدة الحكم بلا شريك ليعطل الدولة في معناها السياسي والمؤسساتي، ويروج لنظرية بئيسة بائسة ومضحكة. وعوض أن يفتح مراكز التكوين العلمي والتشجيع على الإبداع والبحث وتوفير العمل والسكن لليبيين، أهدر أموالهم في مشاريع بهلوانية مخجلة وشجع على ’هستيريا‘ النفاق الجماعي. أنشأ مراكز لدراسة كتابه “الأخضر” وجند لها ’علماء‘ و ’مفكرين‘ من كل المشارب والأجناس، بل نقش النقاشون كلماته على المرمر الطبيعي الصافي ثم أمر بإيداع لوحه المنقوش في قيعان البحار كي يستفيد من عبقريته إنسان ما بعد الإنسان الحالي!

“رسول الصحراء” – وهذا أحد ألقابه التي زاحم بها النبي محمد (ص) – أنتج أحد أبشع الأنظمة التي حكمت المنطقة العربية والإسلامية، ولم يكن يتوانى من تصفية حتى أصغر معارضيه فكيف بمن كان يشم فيه رائحة المنافس المحتمل. ألغى ذكاء شعبه بالكامل، وأطلق على مخالفيه صفة “الكلاب الضالة”، وهو ما يعني في قاموس نظام العقيد الدموي والعنصري صدور الحكم بالإعدام بلا تردد. وقد نفذ الإعدام فعلا في كثير من النشطاء السياسيين والصحافيين والمبدعين بجريرة انتمائهم لفصيلة “الكلاب الضالة”.

تحصينات “ملك الملوك” حول العاصمة طرابلس تهاوت كحبات الرمل. وإذا كانت هناك جيوب ما تزال تحاول تعطيل سير عجلة التاريخ نحو مستقرها، فإن زمن الاستبداد في الطريق إلى الزوال؛ الآن في ليبيا وغدا في سوريا واليمن. إن انتصار الليبيين على الظلم والاستبداد في وطنهم ليبيا هو انتصار للحرية والكرامة في كل مكان وانتصار لإرادة التغيير التي انطلقت شرارتها من ركن منسي في الجنوب التونسي. من كان يجرؤ على مخالفة العقيد الليبي؟ من كان يتخيل أن السوريين سيرفعون صوتهم في حضرة ’الأسد‘؟

نهاية الاستبداد في المنطقة ينبغي أن يؤسس لنظام الدولة المدنية الذي يعيد السيادة للمواطن، يرسي قواعد التداول والاختلاف والمحاسبة. وهذا هو التحدي الآخر الذي ينبغي على الليبيين تجاوزه بحكمة وتبصر. مشروع إعادة تأسيس الدولة الحديثة في ليبيا لن يكون سهلا وقد تعترضه عقبات لعل أهمها تيارات متطرفة تشيطن كل ما له علاقة بالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. الديمقراطية ليست صدقة بل هي حق أساسي وبدونها لا يكون المواطن حرا ولا صالحا. ما أحوجنا الآن لمقولة سيدنا عمر حينما وبخ أحد ولاته قائلا: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”!

*. صحفي بإذاعة هولندا العالمية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • مهندس
    الأربعاء 24 غشت 2011 - 00:06

    سوريا كان شعارهم: الله سوريا و الأسد بس. و اليوم أظهر الأسد وجهه: لا إله إلا بشار. احتى هو دخل الشعب بأنه شاب و يعمل, لكن فضح الله وجهه قبل أن يتمكن. هدا هو الخطأ لما لا يتم تداول السلطة حتى أنا الحاكم يظن أن البلاد كلها ملك له و لأسرته. لهدا لابد من الديمقراطية و حكم الشعب. أي حاكم لا يقبل اليمقراطية فهو فاقد لشرعيته. لماد لم يترك الرسول (ص) من بعده أبنائه أو عمر أو أبي بكر. لأنهم كانوا يفضلون غيرهم على أنفسهم.

  • مغربي ريفي
    الأربعاء 24 غشت 2011 - 16:02

    الديمقراطية ليست صدقة بل هي حق أساسي وبدونها لا يكون المواطن حرا ولا صالحا

    شكرا لك سيدي

  • مواطن مغربي
    الجمعة 26 غشت 2011 - 02:09

    عجبا، كيف لا يفهم المجتعون في القمة العربية أن التاريخ لا يرحم وأن سنة الله جارية في أرضه وملكوته بأن من يسفك الدماء يغرق فيها

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 3

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 6

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما