أنثروبولوجيا الذاكرة المشتركة

أنثروبولوجيا الذاكرة المشتركة
الأحد 1 نونبر 2026 - 00:56

حين تتصدّع الجماعة داخل صورتها عن ذاتها

كثيراً ما تستدعينا أصداء الذاكرة المشتركة، تلك الذاكرة الجمعية التي تتجاوز حدود التذكّر الفردي لتستقر في طبقات التاريخ والتراث والرموز، وفيما راكمته الجماعات البشرية من تجارب الألم والمقاومة والأمل. إنها النسيج الخفي الذي يمنح الانتماء معناه، ويصل الذوات المتباعدة بسيرة إنسانية تتوارثها الأجيال، وتعيد صياغتها كلما تبدّلت شروط الوجود. غير أن الذاكرة وهي تستعيد ماضيها، لا تستعيده بوصفه زمنا منقضيا فحسب؛ إنها تستحضر أيضا صورة الجماعة عن نفسها، وتختبر قدرتها على صون ما تبقى من روابطها في مواجهة التآكل الذي يصيب المعنى حين تنفصل القيم عن شروط ممارستها.

لقد نبّه موريس هالبفاكس، في دراساته حول الذاكرة الجمعية، إلى أن التذكّر نفسه يتشكل داخل أطر اجتماعية تمنح التجربة الفردية إمكان استعادة معناها. فنحن نتذكر عبر اللغة والرموز والطقوس والعلاقات التي نتقاسمها مع الآخرين، وتستمد الذكريات كثيرا من قدرتها على الاستمرار من الجماعة التي تحتضنها. لكن هذه الحقيقة تنطوي على مفارقة عميقة، فالجماعة التي تمنح الذاكرة شروط البقاء تستطيع في الوقت نفسه أن تستولي عليها، وأن تحوّلها إلى ملكية رمزية مغلقة، تتحدث باسم الماضي كي تفرض تعريفاً واحداً للحاضر والمستقبل.

من ثمة يبدأ التصدّع في صميم المشترك. حين تنسحق الذات الفردية داخل الكتلة الجماعية، أو حين تتضخم الأنا الجمعية إلى حدّ تأليه صورتها عن نفسها، يفقد الانتماء قدرته على إنتاج التفاهم، ويغدو الاختلاف تهديدا ينبغي احتواؤه أو إقصاؤه. وتستبدل الجماعة حوارها الداخلي بتكرار يقينياتها، فيما تتحول الذاكرة من فضاء لتبادل التجارب إلى أداة لاحتكار الحقيقة وتوزيع الشرعية. ولعلّ ما يكشفه هذا التحول أن الذاكرة لا تتعرض للانهيار حين تُنسى وقائعها فقط، وإنما قد تتآكل أيضاً حين تتحول إلى يقين متصلّب، عاجز عن الإصغاء إلى ما يزعزع صورته المكتملة.

وأرى أن التفكير في هشاشة العالم المشترك يتأسس بين البشر، لا يوجد خارج تعددهم، وإنما ينشأ من قدرتهم على الظهور أمام بعضهم بعضاً، والكلام والفعل والاختلاف داخل فضاء إنساني واحد. فالمشترك لا يعني التطابق، ولا يتطلب محو الفوارق بين الذوات؛ إنه يحتاج إلى عالم يستطيع المختلفون أن يلتقوا فيه من دون أن يتنازلوا عن حريتهم في التفكير. وحين تتغلب النرجسية الجماعية على هذه الإمكانية، يتراجع العالم الذي يجمعنا لمصلحة صور متنافسة عنه، ويصبح كل طرف أسير روايته الخاصة، كأن الحقيقة لا يمكن أن تتسع إلا لصوت واحد.

وهذا بول ريكور، يمنحنا في تأمله العلاقة بين الذاكرة والتاريخ والنسيان، مدخلاً آخر لفهم هذه المعضلة. فالذاكرة مسؤولية أخلاقية أيضاً، لأنها تستدعي الاعتراف بتجارب الآخرين، وتقاوم تحويل الماضي إلى سردية انتقائية تُبقي بعض الآلام حاضرة وتدفع آلاماً أخرى إلى الهامش. ومن ثمّ، فإن صيانة الذاكرة المشتركة تقتضي مقاومة احتكارها، وتحريرها من النزوع إلى الانتقام الرمزي، ومن كل محاولة لاستعمالها في تثبيت التفوق أو إعادة إنتاج الانقسامات. فالاعتراف بالماضي لا يكتمل إلا حين يصبح ممكناً أن نرى فيه تعدد التجارب، وتفاوت المواقع، واختلاف المعاني التي يمنحها الناس لما عاشوه.

لكن المعضلة تزداد تعقيدا حين تتغير آليات النظر إلى العالم، وتتسارع تحولات العصر على نحو يجعل أدوات الفهم الموروثة أقل قدرة على استيعاب الوقائع الجديدة. فالمجتمعات لا تتغير في بنياتها الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية وحدها؛ إنها تتغير أيضاً في طرائق تذكّرها، وفي أنماط تداول رواياتها، وفي علاقتها بالرموز التي صنعت هويتها. وقد بيّن بيير نورا، من خلال مفهوم “أماكن الذاكرة”، كيف تتكثف الذاكرة في علامات وفضاءات وطقوس تستعيد الجماعات عبرها إحساسها بالاستمرارية، خصوصا عندما تضعف الأطر الحية التي كانت تنقل الماضي بصورة تلقائية. غير أن هذه العلامات نفسها قد تفقد قدرتها على وصل الأجيال إذا جرى تحنيطها داخل طقوس تكرارية لا تسمح بإعادة تأويلها.

إن استدامة الذاكرة بهذا المعنى، لا تتوقف على حراسة آثارها ورموزها فحسب، وإنما تتطلب إعادة وصلها بأسئلة الحاضر. فكل ذاكرة ترفض مراجعة لغتها، وتتعامل مع ماضيها باعتباره حقيقة مكتفية بذاتها، تخاطر بالتحول إلى عبء على الأجيال التي يُفترض أن تحملها. وكل جماعة تجعل الوفاء للماضي مرادفا للطاعة العمياء لروايتها عنه، تضعف قدرتها على فهم التحولات التي تعيد تشكيل وعي أبنائها، وتفقد بالتدريج إمكان بناء تعاقد إنساني يتسع لاختلافهم.

ولعلّ أنطونيو غرامشي يساعدنا من زاوية أخرى، على إدراك أن الذاكرة لا تنفصل عن الصراع على المعنى والتمثيل؛ فالثقافة مجال تتشكل داخله الهيمنة، وتتنازع فيه القوى الاجتماعية تعريف المشترك وحدود المقبول. ولذلك، فإن السؤال عن الذاكرة الجمعية لا يتعلق بما تتذكره الجماعة وحده، وإنما بمن يمتلك حق رواية هذا الماضي، وبالأصوات التي تُمنح شرعية الكلام، وتلك التي تُدفع إلى الصمت. فالذاكرة التي لا تسمح بتعدد رواياتها قد تتحول إلى صيغة من الهيمنة الرمزية، تعيد إنتاج التراتب داخل الجماعة نفسها، وتستبعد من تعريفها كل من لا ينسجم مع صورتها الرسمية عن ذاتها.

و تبدو الحاجة ملحّة إلى نقطة التقاء لا تقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على تحويله إلى شرط لإغناء المشترك. نقطة ضوء تتراجع فيها الرغبة في الانتصار للذات لمصلحة القدرة على الإصغاء، وتتسع فيها المسافة بين الانتماء والتعصب، وبين الوفاء للذاكرة والاستحواذ عليها. فالمجتمع الذي ينجح في صيانة ذاكرته هو الذي يستطيع أن يضعها موضع مساءلة من دون أن ينكرها، وأن يعترف بجراحها من دون أن يحوّلها إلى قدر أبدي، وأن يستعيد ماضيه من غير أن يرهن مستقبله له.

إن الخطر الحقيقي الذي يتهدد الذاكرة المشتركة يكمن في ذلك الانفصال الصامت بين ما نعلنه من قيم وما نمارسه في علاقاتنا اليومية، بين خطاب التضامن وآليات الإقصاء، وبين الاحتفاء بالماضي والعجز عن إنتاج معنى إنساني للحاضر. ووفق ذلك تبدأ الذاكرة بفقدان وظيفتها التأسيسية؛ إذ تستمر رموزها في التداول، بينما يتآكل مضمونها الأخلاقي، وتبقى الجماعة متشبثة بصورتها عن وحدتها، في الوقت الذي تتنازع فيه المصالح والهويات المغلقة ما كان يجمعها.

إن أنثروبولوجيا الذاكرة المشتركة تقودنا في نهاية المطاف، إلى مساءلة الإنسان الذي يسكن الجماعة بقدر ما يسكنها. كيف نحفظ ما ورثناه من غير أن نحوله إلى قيد؟ وكيف نصون الذاكرة من النسيان ومن الاستعمال الإقصائي معاً؟ وكيف نمنح الأجيال الجديدة حق إعادة قراءة الماضي، من دون أن نقطع صلتها بالتجارب التي صنعت عالمها؟

ربما يبدأ الجواب من إدراك أن المشترك ليس ميراثاً مضمون البقاء، وإنما علاقة تُبنى باستمرار، وتحتاج إلى عدالة في الاعتراف، وشجاعة في النقد، واستعداد دائم لتوسيع حدود الانتماء. فالذاكرة التي لا تتجدد تختنق داخل صورتها، والجماعة التي تخشى اختلاف أفرادها تفقد قدرتها على فهم نفسها. أما الذاكرة الحية، فهي التي تظل مفتوحة على التعدد، وتستمد قوتها من قدرتها على تحويل الألم إلى معرفة، والاختلاف إلى حوار، والتاريخ إلى مسؤولية تجاه المستقبل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39 11

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58 11

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34 5

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45 2

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57 2

مبادرة "رفاه الحيوان"

صوت وصورة
الصحراء والدبلوماسية الملكية
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:07 2

الصحراء والدبلوماسية الملكية