إلى صديقي بيدالله وحامي الدين

إلى صديقي بيدالله وحامي الدين
الثلاثاء 24 يوليوز 2018 - 17:12

إلى صديقي بيدالله وحامي الدين

“هل سار النبل في السياسة أقل والنوايا أكثر”

استفزتني كثيرا تلك الاتهامات المتبادلة، بين ما صدر عن الصديق والزميل عبدالعالي حامي الدين، وفيما كتبه كرد فعل الأخ والصديق الدكتور محمد الشيخ بيدالله.

وإذا سمحا لي الصديقان العزيزان أن أدخل في خضم هذا النقاش، وأنا أعاين تنافرهما الفكري الذي أدى إلى الرجوع لسجالات اعتقدت صادقا أن مواضيعها قد تجاوزناها فكريا وزمنيا وسياسيا، أؤكد أن الخلاف في كنهه ما كان يجب أن يكون خلافا حول الثوابت، بل هو خلاف داخل الثوابت، والخلاف داخل الثوابت بما فيها الملكية يأخذ في بعض الأحيان منحنيات حادة، تارة تكون كرد فعل، وتارة أخرى تنفلت حين نكون تحت ضغط الأصدقاء والأقربون.

وفي جميع الأحوال، فإن الاتهام المتبادل حول حقيقة الولاء للملكية أو للوطن، هو نقاش من المفروض أن نكون قد أنهينا منه، وأن تبادل الاتهام به لا يعبر فقط عن إخفاق فكري، ولكن كذلك عنوان لغياب الحوار بين المكونات السياسية التي من المفروض أن تكون النموذج وتكون القاطرة، فتجاوز النقاش الذي يهم الولاء للملكية أو للوطن هو تعبير عن خطوة نحو الأمام، تنم على تحصين وحدة الدولة ووحدة النظام، وأن حسم موضوعهما سيسمح بتركيز تفكيرنا على المستقبل بدل هدر الجهد في تكرار قضايا كنا نعتقد أنها أصبحت من الماضي.

وإذا كان النقاش الداخلي للأحزاب يسمح ببعض التجاوزات اللغوية نظرا لطبيعته الداخلية والسرية، فإنه في آخر المطاف يظل نقاشا محدودا في المكان وفي الموضوع وفي المتحلقين حوله، يصرح أثنائه صاحبه وهو واثق فيمن يسمعه، ولم يكن يعتقد أن هذه الحرية التي منحها لنفسه في فضاء الحوار ستتحول لوسيلة طعن من الخلف، بل كذلك ما كان على المخالفين سياسيا مع المعني بالأمر أن يزيدوا في درجة غرس السكين الفكري في ظهر الشخص المقصود، خاصة وأن الملكية نفسها أبانت على قدرة كبيرة في استيعاب أفكار مختلفة حولها وحول تطورها، وكان قبولها بدستور 2011 العنوان العريض لذلك الحوار، وكما كان استمرهذا الحوار بينها وبين مكونات الشعب المغربي من خلال خطابات جلالة الملك أو مواقف الأحزاب في مؤتمراتها، أو بعض من تصريحات قياداتها، ثم مواقف مكوناتها داخل البرلمان.

وسواء أطلقنا على هذه العلاقة بين الأحزاب والقصر حوارا أو تفاوضا، فإن شرعية هذا النوع من الحوار لا يملكها أحدا لوحده ليعطي لنفسه الحق في التفكير الدستوري بعيدا عن الآخرين، فالملكية للجميع، وحتى استعمال كلمة “التفاوض” في اعتقادي لم يكن مقصودا بشكلها المعروف بجلوس الند للند، ولكن ذلك الحوار المبني على الاحترام الواجب للملكية وتوقير مكانتها، وهذا منطق وقناعات ممثلي الأمة، وأما تصورها كموضوع يعيق التطور، لا يمكن التعامل معه كحالة تلبس إجرامي، فهذا نقاش قديم جديد، إذ أن بعض من السياسيين يعتقدون أن الملكية بشكلها التنفيذي تشكل عائقا سياسيا أمام التطور السياسي، ومن تم فالحل هو ملكية برلمانية، والتي نجدها منصوص عليها داخل الفصل الأول من الدستور، وبتحولها إلى ملكية برلمانية في رأيهم ستصبح دافعة للعملية السياسية بشكلها الجيد، غير أن هذا النقاش لا يمس الملكية في شرعيتها، لأنه نقاش مجتمعي ديمقراطي قد يعرف مدا وجزرا حسب الأوضاع السياسية.

في الحقيقة إذا كنا ملكيين، فإن هذا النقاش لا يخيفنا ولا يهزنا في شيء، ما دام يتم في إطار النقاش الدستوري، وما دامت الملكية تملك القدرة على الحوار وفي الوقت المطلوب، ومن تم لا يمكن أن نحول هذا النقاش إلى صك للاتهام، بل بالعكس فالنقاش في ظل الملكية موضوع لا يوجد من يحد منه، خاصة حينما تنصهر بداخل الملكية شرعية تاريخية ومشروعية دستورية، وربما في ذلك تكمن قدرتها على استيعاب أي نقاش.

وفي الواجهة الأخرى نقبل برأي من يدافع عن الملكية، ولكن دون كيل الاتهامات وتنقية الأوصاف، لأنها تعبر عن نوع من الجزر الفكري، ثم ليس من الضروري أن نبحث عن تهمة مضادة للرد بذلك الشكل العنيف لدرجة الطعن في وطنية من نختلف معهم حتى وإن انزلقوا في هجومات اتهامية.

في رأيي، ربما هناك انزلاق في ممارسة اللغة، لأنها تنم عن تقابل مضاد يثير نوع من الأسى الفكري، فالولاء للملكية هو نفسه ولاء للوطن، والعكس صحيح، فلماذا سنطعن في وطنية أحد لمجرد تكييف الخطأ؟ ولماذا بالضرورة يكون الرد بدوره مبني على نفس العقلية الاتهامية؟.

إن هذا النقاش يعيدنا إلى مرحلة فعلا نريد أن نتجاوزها، لبناء ديمقراطية الحوار بدل ديمقراطية النعوت وتبادل الاتهامات، خاصة عندما تتمدد الاتهامات إلى الأحزاب و الانتماءات و التجارب السياسية.

فالشعب المغربي لم تعد تهمه هذه الاتهامات المضادة، لاسيما ونحن نواجه وضعا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا يقتضي نوعا من الحوار الهادئ والرصين، واحترام استقلالية الأحزاب وحقها في الحوار الداخلي دون توظيفه أو استغلاله من أي كان، أو حتى التعامل معه بعقلية محاكم التفتيش.

أريد أن أختم، وأنا ذلك الوطني الملكي صديق الاثنين، أن النضج والتطور السياسي الذي نعيشه الآن لم يعد قابلا لحضور مثل هذه المواجهات التراجيدية سياسيا وفكريا، وأن النقاش كيفما كان شكله، وكيفما كان موضوعه، لا يجب أن يخيف أحدا، ولا يمكنه أن يستفز أحدا، لذلك فعضوان قياديان في حزبيهما، وداخل نفس المؤسسة الدستورية ومن خلالها يمثلان الأمة، لا يحق لهما أبدا أن يدخلا في هذا النوع من الإتهامات، دعني أقول لكما: هل في السياسة … سار النبل أقل والنوايا أكثر؟.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • sami
    الثلاثاء 24 يوليوز 2018 - 20:57

    كلام حامي الدين مقصود في هذا الوقت بالذات بالنظر الى ما يعيشه البلد من اوضاع اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة اضافة الى التطورات المتسارعة في المنطقة العربية..اعتقد ان الهدف من كلامه ضرب عصفورين او اكثر بحجر واحدة: اولا تبرئة ذمة رفيقه الاستاذ بنكيران من المسؤولية في تردي اوضاع الشعب نتيجة القرارات الصعبة المتخذة في حكومته الاولى, وثانيا اتهام او تصوير البيجيدي انه ضد النظام, ثالثا اثارة الجدال بين الاحزاب وتقزيم دورها في افق اعلان نهاية الاحزاب والسياسة وعودة التقنوقراط..تفسير كلام الاستاذ حامي الدين لا يخطر على بال السياسي ولا القانوني..واقصد نظرية "الاختراق" التي تعرض لها البيجيدي خصوصا لتمرير اجندة ما.. ودون الدخول في التفاضيل فعلى العدالة والتنمية تنقية صفوفه من المندسين..اما موقف بيد الله فهو رد عادي ولا يستند الى اية خلفية …ما يمكن استنتاجه ان السياسة ليست دائما مجالا شفافا او مجالا للاسترزاق بدون اخذ الحيطة من امواج او بحر السياسة الهائج الذي يهم مستقبل الامة والبلاد في علاقته بسياسة العالم ككل..ولفهم كلام حامي الدين يجب ربطه بما يجري محليا او عربيا وعالميا.. والسلام

  • ع الجوهري
    الثلاثاء 24 يوليوز 2018 - 22:26

    ما قاله حامي الدين 90 في المأئة من جميع أطياف المغرب يريدون قوله لكن لكل منهم سببه على عدم البوح بما في صدره فقد جربنا جميع الخلطات ومنها حتى السحرية ولم تنفع والأرقام تتراجع والإحتقان يتوسع هل سننتظر حتى تعم الفوضى والله أعتقد أن جلالة الملك نفسه يفكر في نفس ما قاله حامي الدين فالحمل أصبح ثقيلا ويجب إفراغ الحمولة لكن كيف ومع من ومتى this is the question وهو ويجبسؤال مشروعة والإجابة عليهتكون بالنقاش الٱكاديمي ولما لا لمناظرة على التلفزيون أمام الملأ عوض السب والقذف والتخوين كما فعل الحاج الله يعطينا بركتو وشكرا

  • FOUAD
    الثلاثاء 24 يوليوز 2018 - 22:27

    حامي الدين لم يقل شيئا جديدا بل قال منذ زمان ان الملكية "تاكل" اختصاصات رئيس الحكومة و اذكر انه اعتبر معاقبة القصر "لجمركيين" قرار "غير دستوري" !
    حامي الدين وضعت في طريقه عقبات الاستوزار و رئاسة فريق المستشارين لسبب واحد معروف !
    Mon salam

  • MOHAMMED MEKNOUNI
    الثلاثاء 24 يوليوز 2018 - 22:28

    يقول صاحب المقال (( وأن النقاش كيفما كان شكله، وكيفما كان موضوعه، لا يجب أن يخيف أحدا، ولا يمكنه أن يستفز أحدا ..))
    آسي وهبي ، هناك تعابير قدحية نوقشت من طرف أعضاء الحزب الذي يترأس الحكومة والذي نظرا لعدم كفاءة أطره نتج إعاقة وتعثر المشاريع وهذه مشكلتهم الذين يحاولون من خلالها تيرير أسلوبهم الطائش.
    ولو كانت نواياهم صادقة لأوقفوا على التو التعبير المتفوه به في حق المؤسسة الملكية وإنهم لم يفعلوا
    فيتحملون المسؤولية .
    أما الأستاذ بيد الله ، فكان له الفضل في تنوير المواطن المغربي ويشكر على ما قام به عكس الآخرين الذين بلعوا ألسنتهم .

  • M. KACEMI
    الأربعاء 25 يوليوز 2018 - 01:19

    أؤكد أن الخلاف في كنهه ما كان يجب أن يكون خلافا حول الثوابت، بل هو خلاف داخل الثوابت"

    لا أعتقد الأستاذ وهبي أنك ستجد من يخالفك الرأي في كلامك هذا إلا من التهمته إيديولوجيته الماضوية يمينا أو يسارا. إلا أن الإشكال في اعتقادي وحسب فهمي يكمن في أن بعض الكتابات، وفي إطار الصراع السياسي على الأرحج، تعمدت تفسير كلام حامي الدين على أساس أنه يقع خارج الثوات بينما منطوق كلامه يقول وبوضوح كاف أنه يتكلم داخلها, فالرجل تكلم عن" الشكل الحالي للملكية"، أي عن ما هو قابل للتغيير، تماما كما كان الحال مند أن كانت الملكية في المغرب ،تماشيا مع التحولات الكبرى التي تفرض المواكبة وعدم التخلف عن العصر,
    والخقيقة أن ما أثارني شخصيا أكثر من غيره في الموضوع/ النازلة مرتبط بمسألة النبل التي راقني كثيرا استهلال مقالك بها. فالصراع السياسي- الحزبي ورغم مشروعيته لا ينبغي في جميع الأحوال أن يتجاوز سقف الحقيقة.
    مع التحية للجميع

  • حسن المباركي
    الأربعاء 25 يوليوز 2018 - 12:34

    الله يرحم الأيام الي كان فيها الخوانجية ديال المغرب بغاو لقاء وزير الداخلية من أجل التعاون ضد اليسار، ويتمنمون تأسيس حزب. ودابا قاليك إصلاح الملكية.

  • الشرق
    الأربعاء 25 يوليوز 2018 - 20:26

    لا يليق ان نلعب على الحبلين، فإما ان نختار اليمين او نختار الشمال اما ادا سرنا وسط الطريق وكما يقول المثل الصيني نتعرض لاعتداء و هجوم من يأتي من اليمين ومن يأتي من الشمال ليس هناك منطقة وسطى بين الجنة والنار ، ولو ان المصالح تدفع بالبعض الى السير في وسط الطريق

  • محمد بلحسن
    الأربعاء 25 يوليوز 2018 - 21:03

    نصيحة للمواطن الساذج مثلي: حذار من وضع شكايات أو التعبير على مظالم يستغلها بعض المنتمون لحزبي PJD و PAM لتقاسم المصالح و الامتيازات بلا حشمة بلا حياء. اعلاميا, هم أعداء. خفية, هم شركاء في نهب المال العام.
    مثال: حاول أن تنتمي لـ PAM للتبليغ عن جرائم مالية في الصفقات العمومية و سترى أن المعلومات الدقيقة التي تقدمها تستغل بالتنسيق مع بعض المنتمين لـ PJD الذي يترأس السلطة التنفيذية لقضاء مصالح و امتيازات لا يشعر بها إلا المظلوم الذي كان يعتقد أن الخلافات بين الزبين حقيقة لا غبار عليها.
    سأربط الاتصال بالمحامي عبد اللطيف وهبي لعله يقبل بمؤازرتي للتخلص من مظالم متنوعة و متعددة عن طريق القضاء خصوصا و نحن نعيش, منذ يوم 7 أكتوبر 2017, استقلالية النيابة العامة.
    لم أجدد إنخراطي بحزب PAM في بداية السنة الجارية لأنني شعرت بالاحباط.
    أبحث عن شخص قادر على تبيان براءة الـ PJD من التهم التي عبرت عليها أعلاه.
    شكرا هسبريس.

  • الطالب الباحث
    الخميس 26 يوليوز 2018 - 01:58

    Je vais citer un paragraphe dans un ouvrage de Monsieur Yahya Yahyaoui (MONDIALISATION; et srategies de communication ) .Dit dans ce paragraphe : ' On observe et (c'est ma sixieme idée force) que la technique en generral (et la TIC en particulier) ne détermine pas la societé ; pas plus que la secieté ne définit le cours du changement technique qu'il s'agit bel et bien; d'un ensemble complexe d'interaction entre les deux et dont il faudrait par ailleurs. interpeller la nature. les mécanismes et les prolongements '

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور