الحكامة والأداء لدى المؤسسات العمومية

الحكامة والأداء لدى المؤسسات العمومية
الإثنين 7 يوليوز 2025 - 14:04

منذ دجنبر 2024، اعتمد المغرب على منهجية جديدة لتدبير مساهمات الدولة، تحدد أهداف المساهمة العمومية وتوضح النماذج الاقتصادية للمؤسسات والمقاولات العمومية، بهدف إرساء تدبير ديناميكي للمحفظة العمومية. وبالموازاة مع ذلك، تم إدماج المؤسسات غير التجارية في القانون التنظيمي للمالية ابتداءً من سنة 2025، مع إخضاعها لقواعد الميزانية العامة للدولة نفسها، تعزيزاً للشفافية المالية وقصد تقوية الرقابة البرلمانية على تدبير الموارد المالية لهاته المؤسسات. وتندرج هذه الإجراءات، وغيرها، ضمن إصلاح منظومة الحكامة الخاصة بالمؤسسات والمقاولات العمومية التي نص عليها القانون الإطار رقم 50.21 الصادر بتاريخ 26 يوليوز 2021.

وفي السياق نفسه، سيتم تحويل المؤسسات العمومية ذات الطابع التجاري إلى شركات مساهمة تسيرها مجالس إدارة، بغية ملاءمة حكامتها مع المعايير الدولية. وفي سياق موازٍ، أطلقت الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة برنامجا يحمل اسم مبادرة تطوير الحكامة من أجل التنمية والتميز، يهدف إلى تعزيز أفضل ممارسات الحكامة داخل المؤسسات والمقاولات العمومية. غير أنه، ورغم كل هذه الإصلاحات، لا تزال المؤسسات والمقاولات العمومية تواجه اختلالات بنيوية وهيكلية تؤثر سلبا على أدائها الاقتصادي، ويمكن إجمال أهمها فيما يلي:

– ضعف منظومة الحكامة: تمثل في غياب القيادة الحقيقية وانعدام التناغم بين الهيئات التداولية والإدارة التنفيذية. من هنا، تبرز ضرورة توضيح التزامات الخدمة العمومية وتعزيز شفافية الإعانات (المباشرة وغير المباشرة) من خلال مؤشرات أداء رئيسية، تُمكِّن من قياس فعالية التدبير الاستراتيجي، لا سيما العائد على الاستثمار العمومي.

– انعدام الشفافية وضعف الأداء: أشارت تقارير متعددة للمجلس الأعلى للحسابات وغيرها إلى مجموعة من النقائص في تدبير المؤسسات العمومية، تتعلق بالحماية الاجتماعية، الاستثمار العمومي، الجبايات، وفوترة المداخيل، مما يعيق تنفيذ الأهداف المسطرة في إطار الإصلاحات الوطنية الكبرى.

– تعدد الكيانات وتداخل الاختصاصات: يعرف القطاع العمومي وشبه العمومي في المغرب كثافة مؤسساتية؛ إذ يتجاوز عدد المؤسسات العمومية 228، بالإضافة إلى 43 شركة مساهمة تمتلك الدولة حصة مباشرة فيها، تتحكم بدورها في 479 فرعا أو مشاركة. هذا التشتت يفضي إلى ازدواجية المهام وسوء توزيع الموارد العمومية.

– ضعف الأثر الاقتصادي للاستثمار العمومي على النسيج المقاولاتي الوطني: رغم برمجة 340 مليار درهم في قانون المالية لسنة 2025، إلا أن أغلب الصفقات العمومية وشبه العمومية تذهب لفائدة المقاولات الكبرى والمتوسطة، في حين لا يتم تفعيل مقتضيات قانون 2013 التي تخصص 20% من الصفقات لفائدة المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا، التي تشكل 95% من النسيج المقاولاتي الوطني.

أما على مستوى الوضعية المالية للمؤسسات العمومية، فإن حجم مديونيتها يقدر بـ 320 مليار درهم، أي ما يعادل 22% من الناتج الداخلي الخام، بسبب الاقتراضات المرتبطة بالمشاريع الكبرى (الطاقة، النقل، اللوجستيك…). حيث تجاوزت الإعانات العمومية المخصصة لهذه المؤسسات 50 مليار درهم في إطار قانون المالية لسنة 2025. أما بخصوص ديون الموردين، فقد بلغت المتأخرات حاليا حوالي 25 مليار درهم، مقارنة بـ 18 مليار سنة 2023، رغم القانون 69.21 الذي يحدد سقف التأخير في الأداء في 60 يوما.

إضافة إلى ذلك، فإن أكثر من 80 مؤسسة عمومية توجد في طور الحل أو التصفية، في إطار جهود ترشيد المحفظة العمومية للدولة. ويهدف هذا الورش إلى تعزيز فعالية التدخل العمومي وتحسين تدبير الموارد المالية والنقدية. في المقابل، تعرف حوالي 25 مؤسسة أخرى صعوبات مالية حادة، خاصة في قطاعات الطاقة والنقل السككي.

وفي هذا الإطار، اعتمد المغرب في ماي 2025 ميثاقا جديدا للحكامة، يتمحور حول النجاعة المؤسسية، والمراقبة الداخلية، وتقييم المخاطر، واحترام حقوق المساهمين، والاندماج الفعلي لمبدأ الاستدامة. ويأتي هذا الميثاق خلفا لمدونة الحكامة الجيدة للشركات التي صدرت سنة 2008، ويكرّس تحولا في النموذج التدبيري للمؤسسات العمومية نحو مقاربات مستلهمة من القطاع الخاص، بهدف تحسين مردودية الاستثمارات وتحقيق الأهداف الاقتصادية.

وتبقى ربحية المشاريع من خلال استرجاع الرساميل المستثمرة وتحسين العائد المالي أهم التحديات المطروحة أمام المقاولات والمؤسسات العمومية في أفق 2030. كما أن ترشيد نفقات التسيير والاستغلال (الاستهلاك المعقلن للموارد، والتحكم في كتلة الأجور، وترشيد أو إعادة تدوير الأصول…) يعد شرطا أساسياً لتحقيق فائض مالي يضمن استمرارية التوازنات المالية عبر السنوات.

بالتالي، فإن الاستقلالية المالية تمثل أولوية كبرى في السنوات القادمة؛ إذ تُمكن من ترسيخ الحكامة المالية وتحسين الأداء الاقتصادي للمؤسسات العمومية، كما تساهم في الحد من الاعتماد على الإعانات العمومية. على هذا الأساس، ينبغي أن يقتصر تدخل الدولة على التمويل عبر المساهمة في رأس المال، في المشاريع الاستراتيجية ذات الأهمية الوطنية، مع فرض آليات دورية للتقييم والمحاسبة حول استغلال وعائدات تلك الرساميل.

وفي السياق ذاته، تُعتبر المؤسسات العمومية رافعة اقتصادية مهمة، لكنها مطالبة بمواصلة تحسين تدبيرها للمساهمة في تقليص المديونية السيادية وتحقيق فعالية الميزانية العمومية وشبه العمومية. ولضمان نجاعة الاستثمارات في قطاعات حيوية مثل الطاقة والبنية التحتية والنقل، يتعين اعتماد منهجية صارمة في التحكم في النفقات وتوجيه العائدات بما يضمن استشراف النتائج واستدامة المشاريع.

ورغم التوقعات الإيجابية للفترة 2025-2027، التي تشير إلى تحقيق رقم معاملات سنوي يقارب 295 مليار درهم، وارتفاع صافي الأرباح من 18 مليار درهم سنة 2025 إلى 45 مليار درهم سنة 2027، بالإضافة إلى بلوغ القيمة المضافة سقف 148 مليار درهم، فإن مواصلة جهود إعادة هيكلة المحفظة العمومية تظل ضرورية. ويستوجب ذلك تسريع تنزيل برنامج الترشيد من خلال حل المؤسسات التي تعاني من عجز مزمن، ودمج بعض الكيانات المتشابهة لتحقيق التكامل القطاعي وتحسين الأداء المالي على المدى المتوسط والبعيد.

*رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الأربعاء 9 يوليوز 2025 - 22:13

    “عَشَرَةُ آلَاف سنة من العد المتواصل”

    أستاذ يوسف،
    بعد قراءتي لمقالكم الغني بالأرقام والتحليل حول الحكامة والأداء لدى المؤسسات العمومية. كوني رياضياً شغوفاً بالأرقام، استوقفني بشكل خاص الرقم المتعلق بمديونية المؤسسات العمومية، والذي بلغ 320 مليار درهم، هذا الرقم الهائل دفعني إلى محاولة تخيل حجمه بطريقة رياضية بسيطة.

    قمت بتحويل هذا الرقم إلى زمن العد، بحيث لو حاول شخص أن يعد من 1 إلى 320 مليار، بمعدل عدد واحد في كل ثانية، سيحتاج إلى 320 مليار ثانية. وعند تحويل هذه الثواني إلى سنوات (مع العلم أن السنة الواحدة تساوي 31,536,000 ثانية)، نجد أن العملية ستستغرق حوالي 10150 سنة من العد المتواصل دون توقف أو نوم أو طعام!

    هذه المقارنة البسيطة توضح بشكل مذهل مدى ضخامة الأرقام التي نتعامل معها في المالية العمومية، وتذكرنا بأن الأرقام الكبيرة ليست مجرد بيانات في التقارير، بل هي أعباء حقيقية تتجاوز أحياناً قدرتنا على التصور اليومي.

    “الأرقام الكبيرة لا تدهشنا فقط حين نراها مكتوبة، بل حين ندرك أن عبء كل رقم منها يُقاس بأعمار أجيال، وأن حسن التدبير هو وحده الكفيل بتحويل الثقل إلى فرصة.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء