الديمقراطية التشاركية

الديمقراطية التشاركية
الخميس 5 دجنبر 2024 - 07:52

اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لم يعد إشراك المواطنات والمواطنين والمجتمع المدني في عمليات إعداد وإنجاز ومراقبة المشاريع والبرامج والأعمال والأنشطة الاقتصادية والاجتماعية التي تتعلق بترابهم المحلي والجهوي والوطني اختيارًا؛ بل أصبح ضرورة سياسية تشكّل جوهر الديمقراطية التشاركية في الدول التي تحترم مواطنيها.

علاقة بهذا الموضوع، كتب “كليمون بيتيجين”، الحاصل على دكتوراه في الحضارة الأمريكية بجامعة السوربون، في مقالة متميزة صدرت له بصحيفة لوموند ديبلوماتيك بعنوان: “التحمس للكفاح المحلي: تسييس الغضب اليومي”. برز في الولايات المتحدة، قبل زهاء 80 سنة، نمط من النضالية على مستوى الأحياء، يستمد روحه مما يسمى طريقة “ألينسكي”، في إحالة على اسم منظّر “تنظيم المجتمع”. وفي فرنسا، ما فتئ الاهتمام يتزايد في السنوات الأخيرة بـ”سول ألينسكي” (1909-1972) وعطاءاته الفكرية؛ حيث تم ترجمة أهم مؤلفاته أو إعادة ترجمتها، وتنظيم ندوات وتأليف كتب جامعية حول إنتاجاته.

حسب “كليمون بيتيجين”، فإن نموذج “التنظيم المجتمعي” الذي نظّر له “سول ألينسكي” ووضعه حيز التطبيق يشكّل منهجية جد متقنة لتقديم تظلمات وشكاوى السكان، بهدف إبراز مطالبهم الملموسة. ويشرف على هذه العملية مهنيون مختصون يتم اختيارهم وفق شروط محدّدة. هؤلاء المهنيون، بعد الانتهاء من توثيق تظلمات السكان وشكاواهم ومطالبهم، يقومون ببلورة استراتيجية تدخل لدى الجهات المعنية، ويخططون للاجتماعات التحضيرية، ويعدّون تصورات للأعمال الجماعية المبدعة والتقنيات المتميزة.

وفق ألينسكي، يقول كاتب المقال، فإن هذه المنهجية تمكّن من إعداد البرامج بصفة جماعية. ويتضمّن كل برنامج “جملة المبادئ والأهداف والممارسات التي توافق عليها الشعب”، موضحًا أنه لا يجب أن تكون مفصّلة بشكل كبير. وكتب ألينسكي قائلًا: “قبل كل شيء، البرنامج الديمقراطي الحقيقي هو شعب يهتم بالديمقراطية”.

يوضّح “كليمون بيتيجين” أنه ضمن هذا الأفق، لا تشكّل المشاركة المواطنية وسيلة فقط لتنفيذ إجراءات سياسية، وإنما تعدّ في حقيقة الأمر غاية في حد ذاتها. ومن بين أهداف هذا “النمط التشاركي”: الدفاع عن المشاكل الاجتماعية للسكان انطلاقًا من المصالح المشتركة، وبناء سلطة شعبية قادرة على الضغط على المنتخبين للدفاع عن هذه المصالح، وهو ما يُعرف بـ”المشاركة المواطنية”.

ما الذي نستفيده مما تقدّم؟

البحث في هذا الموضوع يكشف أن الرئيس السابق للولايات المتحدة الأمريكية “باراك أوباما” استوحى أفكاره حول الديمقراطية التشاركية من “ألينسكي”، المعروف بـ”منظّر المجتمع”. وتفيد القراءة المتمعّنة في منهجه أن تفعيل آلية الديمقراطية التشاركية وتحويلها إلى واقع معاش يمكّن السكان من تدبير شؤونهم، ويمكّن ذوي القرار السياسي من تدبير الأزمات الاجتماعية والاقتصادية في حينها. هذه الآلية تفرض تفعيل الدور التشاركي (التفاعلي) للشباب في تدبير الشأن الاجتماعي، كما تتطلب الإصغاء لنبض المجتمع.

ليس من باب اللغو القول إن دستور 2011 والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية بالمغرب تتضمّن القواعد والمساطر والآليات اللازمة لتنزيل الديمقراطية التشاركية. وبالتالي، يشكّل التنزيل السليم لهذه الآلية التدبيرية جوهر الأخلاق السياسية، حيث يتطابق الخطاب السياسي مع الممارسة السياسية. السياسي الحقيقي يحوّل كلماته إلى إنجازات يلمسها المواطنون والمواطنات، من وظائف وتطبيب وتعليم وتشغيل وسكن يحفظ كرامة الإنسان، ويحيلها إلى ممارسات ديمقراطية يومية يلمسها المواطنون في الإدارة والمستشفى وفي باقي المرافق العمومية.

خلاصة القول

الديمقراطية التشاركية ضرورة سياسية، ليس فقط على المستويين الجهوي والمحلي، وإنما على المستوى الوطني برمّته، في الظروف الراهنة للمغرب. السبب واضح: نجاح أي نموذج تنموي رهين بالدراسة العلمية لمتطلبات وحاجيات المواطنات والمواطنين على المستويات المحلي والجهوي والوطني، في الجبال والصحاري والسهول والأحياء الهامشية. وهو رهين أكثر بالقدرة على تحويل هذه المتطلبات الشعبية إلى سياسات عمومية محلية وجهوية ووطنية تجعل العدالة الاجتماعية والمجالية عنوانها الرئيسي.

اعتماد آلية الديمقراطية التشاركية يمكّن من تحقيق ثلاثة أمور هامة للغاية:

  1. التشارك بين الفاعلين: إنجاز السياسات العمومية، خصوصًا على المستوى الترابي (الجهات، العمالات، الأقاليم، الجماعات)، يتطلّب التشارك بين الأطراف المعنية، حيث يكون لكل طرف حقوق والتزامات موثّقة. التشارك تعاقد، وليس مجرد إشراك أو مشاركة.
  2. تقوية روح الانتماء للوطن: تفعيل الديمقراطية التشاركية يعزز إحساس المواطنين بالانتماء.
  3. إدارة الأزمات في حينها: الديمقراطية التشاركية تمنح ذوي القرار السياسي أدوات فعّالة لتدبير الأزمات الاقتصادية والاجتماعية فور ظهورها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل