دروس من حياة المرزوقي وفرانكل

دروس من حياة المرزوقي وفرانكل
السبت 16 نونبر 2024 - 11:32

منذ سنين طويلة وأنا أحرص على متابعة أغلب البرامج الجادة التي تتيحها لنا وسائل التواصل الاجتماعي، ومن ضمنها برامج كانت بمثابة دروس لي في الحياة وفي السياسة وفي البحث عن معنى الوجود. إلا أنني توقفت كثيرا عند برامج استضافت الكاتب أحمد المرزوقي، المعتقل السابق في سجن تازمامارت، وصاحب كتاب “الزنزانة 10″؛ وكان آخرها برنامج “في ضفاف الفنجان” الذي يقدمه الصحافي اللامع يونس مسكين.

ثلاث ساعات ونصف الساعة من الحديث والسرد مرت بسرعة البرق، وتركت في مخيلتي زوبعة ذهنية أكاد لا أستفيق منها. كيف استطاع السارد ومن كان معه الصبر والتحمل طيلة قرابة العقدين من الزمن في مثل تلك الظروف؟ هل يستطيع الكائن البشري العيش في غرفة مظلمة بدون ضوء ولا أشعة شمس طيلة تلك المدة؟ كيف يقدر الإنسان على العيش باللباس نفسه والوجبة الغذائية نفسها وفي الحيز المكاني نفسه طيلة سنوات؟ ما الدافع الذي جعل أبطال الرواية يتحملون كل ما قاسوه ويتكيفون مع حياة لا تغيير فيها ولا رحابة ولا ألوانا ولا أضواء بقدر ما هي ممتلئة بالضيق والروائح الكريهة والطعام البئيس؟.

تتوالد هذه الأسئلة وأخرى داخل مخيلتي بتوالي لحظات السرد وأنا أركز بكل طاقتي على حركات المرزوقي وابتسامته التي لا تغادر محياه، وهو يسرد علينا عشرات القصص التي عاشها عن قرب في سجن تازمامارت وما قبل الاعتقال وما بعده؛ فأجد نفسي وكأني أستمع لبطل ملحمي خرج علينا من إحدى قصص أساطير اليونان القدامى… كيف يكسو وجهه البياض ويمتلئ قلبه بالصفاء والسماحة ويتمسك بالابتسام والأمل والتفاؤل بعد كل ما وقع له؟ كيف مازال يحمل هم وطن تخلى عنه في عز شبابه وذاق منه الويلات؟ كيف مازال وفيا لمن خذلوه وتسببوا في إهانته؟.

إن شخص أحمد المرزوقي يجب أن يدرس في الجامعات، بشكل علمي دقيق، ويجب أن تسلط على حياته الأضواء، كيف لا وقد استطاع تغيير المعتقدات وتحطيم العديد من المسلمات التي وصل إليها العلم قبل أن نتعرف على قصته؛ فقدرته على العيش في الظلام، وعلى حفظ القرآن الكريم بدون كتاب، وعلى التكيف وسط بيئة لا تمت للإنسانية بصلة، وعلى خلق آليات التواصل مع زملائه، وبث الأمل فيهم، والتمسك بروح الدعابة وحس الفكاهة وقوة الإيمان… كل هذه المعجزات أبطلت ما وصل العلم إليه، وقلبت المسلمات القديمة رأسا على عقب، بل هي شبيهة بنظرية كوبرنيك حول دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس عكس ما كان شائعا حينها، وشبيهة بنظرية فرويد حول قدرة الشعور والنفس البشرية على التأثير في العقل وتوجيه تفكيره واتخاذ القرارات بدلا منه بدل العكس.

لقد تحمل المرزوقي كل تلك الأعباء والعناء وقدم لنا حياة تستحق الوقوف عندها، حياة لا تشبه بقية الحيوات بتاتا، حياة تقربنا من زمن الحياة البدائية التي لم يكن فيها الإنسان هو الإنسان؛ حياة بطعم الموت، وكان بهذا مثل طائر الفينيق الذي انبعث من رماده، ليشهد ويوثق بشهادته جزءا بئيسا من تاريخ المغرب الحديث، ويكشف لنا عن الشر الكامن فينا، ليرينا أنفسنا في المرآة، وليعلمنا كيف تكون القدرة الإنسانية على الصبر والتحمل والتمسك بالأمل رغم البؤس والحزن والظلام. ويا لها من فرصة تستوجب منا الوقوف عليها بتمحيص كبير كي نعالج عبرها ذواتنا المريضة بالأنانية والنكران والاحتقار والغرور والخذلان.

إن قصة المرزوقي تشبه إلى حد كبير حكاية الدكتور النمساوي فيكتور إميل فرانكل، الذي قضى بدوره ثلاث سنوات من حياته معتقلا في أحد معسكرات الاعتقال النازية خلال الحرب العالمية الثانية، فكل منهما خاض معركته من أجل البقاء، ومن أجل النجاة، وكلاهما تذوقا مرارة العذاب والقسوة وعاشا الجوع والبرد والخوف من الموت في كل لحظة.

وإن ساعد التكوين العلمي فرانكل في استثمار تواجده في المعتقل لدراسة شريحة المعتقلين وتسليط الضوء على حالاتهم العقلية والنفسية، وبناء مدرسة علمية جديدة قائمة على نظرية العلاج بالمعنى، التي اعتبرت منذ ستينيات القرن الماضي كثالث مدرسة للعلاج النفسي، ساهمت إلى حد كبير في تأسيس والتأصيل لعلم النفس الحديث، فإن الحاجة ملحة اليوم إلى دراسة كتاب المرزوقي وتعميق البحث في شهاداته، ليس فقط بخلفية سياسية وأخلاقية، ولكن لأغراض علمية كذلك، قد تفيد في تطوير العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية على حد سواء.

إن المفارقة التي يعيشها الكثير من الناس حوالينا اليوم هي أنهم لا يستطيعون إيجاد معنى لحياتهم، رغم أن الظروف وفرت لهم الكثير من المتطلبات وسبل العيش الكريم، فتراهم يكثرون من العبث ويقبلون على التفاهة وينغمسون في الأفكار العدمية ويتماشون مع السلوكات الهدامة… ما يقتضي من أولي الأمر منا ومن مجتمع المثقفين والباحثين والسياسيين ومن كافة مكونات النخبة الوطنية بحث سبل الاستثمار في نظرية العلاج بالمعنى، النظرية التي صاغها فرانكل وتبناها المرزوقي – بوعي أو بدونه – فقاوما المعاناة والمأساة، واستطاعا العيش في أسوأ الظروف التي يمكن أن يعيش فيها الإنسان العادي، فلم يستطع السجن النيل من إنسانيتهما، ولم يمنعهما من الانشغال بإيجاد أسباب يحييان من أجلها، ولا باكتشاف سبل تمكنهما من التواصل مع الذات ومع الآخرين؛ وإنهما ولعمري عبرتان يمكن الاحتذاء بهما كمثلين للبحث عن المعنى في قلب الأزمة، لبلورة المعنى في عز المعاناة، حيث يستطيع الإنسان أن يوقظ في نفسه الإحساس بمسؤوليته تجاه ذاته وتجاه ربه وتجاه الآخرين وتجاه الحياة. فالمعاناة، كيفما كانت، ومهما اختلفت أسبابها، ومهما صغرت أو كبرت حدتها، تتوقف عن أن تكون معاناة في اللحظة التي تكتسب فيها معنى. لذلك فإن التجربتين تحيلان على أن الإنسان لا ينبغي أن يسأل عن معنى لحياته، بقدر ما يجب أن يخلق هو معنى يرضيه لحياته.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 5

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 13

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية