دور الحكامة

دور الحكامة
الأحد 30 يناير 2022 - 22:28

الحكامة مقاربة ورؤيا وفلسفة جديدة للتغيير، لها مضمون اقتصادي واجتماعي وسياسي باعتبارها النهج الأكثر نجاعة لتدبير الشأن العام والمجتمعي. إنها نمط جديد لتدبير السلطة والتنظيم السياسي والاجتماعي وهي رؤيا جديدة للدولة والمجتمع وللعلاقات الرابطة بينهما، وهي بذلك أيضا مقاربة جديدة لتدبير التغيير في المرفق العمومي والخصوصي، والمجتمع المدني، تروم إعادة صياغة العلاقة بين كل المتدخلين على أساس التعاقد والتشارك والتوافق، فكيف ذلك؟

إن الهدف وراء تبني السلطة للحكامة في إدارة موارد الدولة الاقتصادية والاجتماعية هو بالأساس تحقيق التنمية، فالحق في التنمية أصبح حقا من حقوق الإنسان معترفا به من طرف لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة منذ 1977. لذلك فعلى نظام الحكامة أن يستحضر في تدبير السلطة والتنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي صيانة حريات الناس وتوسيع اختياراتهم، وهنا نتذكر كتاب “التنمية حرية Development as Freedom” لعالم الاقتصاد “أمارتيا صن” الفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد، والذي يعتبر بأن الدول يجب أن تقطع مع القياس التقليدي للتنمية من خلال مؤشرات الدخل الفردي والداخلي العام، وأن يتم الانكباب على قياس تنمية المجتمعات من خلال مستويات انفتاحهم على منظومة الحقوق والحريات كما هي متعارف عليها كونيا، داعيا إلى ضرورة تكسير الأغلال التي تقف وراء صيانة الحقوق والحريات.

فكرة “أمارتيا صن” هذه بطبيعة الحال لن تتم إلا عبر حكامة جيدة ذات بعد استراتيجي تعبئ الطاقات والموارد وترشد استثمارها بالشكل الذي يرقى بالحقوق والحريات لا بكبحها.

من جهة ثانية، يجب أن تنبني الحكامة كنمط جديد لتدبير السلطة على الإشراك والإدماج، وذلك لن يتأتى في نظري دون اعتماد المقاربة التشاركية في اتخاذ القرارات ذات البعد الاستراتيجي وفي إنجاز المشاريع التنموية الكبرى. والمقاربة التشاركية أسسها أربعة، وهي التشخيص التشاركي والإعداد التوافقي والتنفيذ التعاقدي والتقييم التشاركي.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن بلادنا قد اعتمدت الديمقراطية التشاركية إلى جانب الديمقراطية التمثيلية في الدستور الجديد لسنة 2011، كما تم إحداث عدة مؤسسات وهيئات دستورية في باب خاص أطلق عليه اسم “هيئات الحكامة الجيدة والتقنين” وفي أبواب أخرى، تبتغي الإشراك والانفتاح على كافة الفعاليات الرسمية منها وغير الرسمية، كجمعيات المجتمع المدني، والأساتذة الباحثين وأرباب العمل وممثلي العمال ومختلف الفاعلين والمتدخلين…

ولعل المنهجية التي تم اعتمادها من طرف اللجنة الخاصة بمدونة الأسرة واللجنة الاستشارية للجهوية الموسعة ولجنة مراجعة الدستور، وأخيرا اللجنة الخاصة المكلفة بإعداد النموذج التنموي الأخير لخير دليل على انفتاح المغرب على آليات الحكامة الجديدة واعتماد الديمقراطية التشاركية في بلورة التصورات الكبرى التي تهم المجتمع ككل.

كما أن بلادنا اعتمدت في الآونة الأخيرة نظامي اللا مركزية الإدارية واللا تركيز الإداري، كما فوضت الدولة المركز صلاحيات عدة للسلطات الإقليمية والمحلية على مستوى كافة التراب الوطني، كما أقرت نظام الجهوية المتقدمة بما رافقه من مفاهيم جديدة دخلت الحقلين النظري والميداني على حد سواء لبلادنا من قبيل العدالة المجالية، العدالة الترابية…

ناهيك عن الطرح الذي تقدمت به المملكة فيما يخص حل مشكل الأقاليم الجنوبية والمتعلق بمقترح الحكم الذاتي، بما يعكسه من حكامة في حل النزاع الذي عمر لعقود وكذا في استشراف مستقبل الدولة وترابها ومؤسساتها.

هذه كلها آليات تدفع في اتجاه تعاقد الدولة المركز مع السلطات الأخرى على مستوى التراب، في إطار الشراكة والتعاون وكذلك التوافق، فالإكراهات التي تواجه تنزيل العديد من المشاريع تفرض حكامة إنجازها اعتماد التوافق كمنهجية بغية تحقيق الهدف المشترك ألا وهو التنمية.

كما أن سياسة التشبيك وتجسير الجهود في إنجاز سياسات عامة وعمومية بين قطاعات حكومية متعددة من جهة، أو بينها وبين مؤسسات أخرى قد تكون عمومية أو خصوصية، منتخبة أو معينة، في إطار ما يسمى باللجان البين قطاعية أو اللجان المشتركة تحقق كلها مبتغاها كآليات مستحدثة تستلهم روح الحكامة في الإعداد والتخطيط والتنفيذ وكذا في التقويم، في إطار تنسيق تشاركي وتقاسم منسجم للأدوار.

إن التعاقد بين الدولة المركز والجماعات والإدارات الترابية سيكون ناجعا بتأهيل المؤسسات الأخيرة ودعم قدراتها حتى ينسجما في تحقيق التنمية المنشودة. إذ أن الحرص على التنمية المحلية بمختلف التراب الوطني هو ما سيعطينا بشكل طبيعي تنمية شاملة مراعية لخصوصيات كل منطقة على حدة، ودامجة لمبادرات الفاعلين وفعاليات المجتمع المدني المحلي.

فالتنمية قرار والحكامة في تنفيذ المشاريع التنموية هي قرار أيضا، وتتحمل فيه الدولة المركز المسؤولية الأولى، فهي البدء وهي المنتهى. لذلك وجب على مختلف المؤسسات التي تتحمل المسؤولية على المستوى المركزي تبني المقاربة التشاركية والسعي وراء إشراك مختلف المتدخلين والفاعلين الآخرين، والعمل على إدماج قدراتهم والاستثمار في طاقاتهم، لأن بناء التنمية وبناء الوطن هو مشروع جماعي لا يمكن أن تناط مسؤوليته لجهة دون الأخرى. ولعل هذا ما يعكس نبل الصورة الجديدة التي انبنى وقام عليها الدستور الجديد بدمج الديمقراطية التشاركية إلى جانب الديمقراطية التمثيلية في شكل نظام الحكم بالمغرب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • Lamya
    الإثنين 31 يناير 2022 - 09:33

    صراحة انا درست علم الحكامة في اطار ادارة المقاولات حيث تتعلم كيف تتعامل مع العمال و المستخدمين للرفع من الانتاجية و ايضا لحل الخلافات ذاخل المقاولة و لذلك عليك ان تتوفر على قدرات تتمكن من خلالها للتعامل مع البشر او الموارد البشرية, منها مثلا ان تكون لك قيم انسانية او حس انساني و تحترم القانون بالاضافة الى قدرات على التسيير المحكم لبلوغ اعلى انتاجية ممكنة مثلا عبر منهجية لتحفيز العمال و الموظفين على العطاء اكثر.

  • Lamya
    الإثنين 31 يناير 2022 - 09:58

    اما الحكامة على مستوى الدولة فهي اكثر تعقيدا و يدخل فيه اولا سيادة القانون على جميع الاصعدة او مراقبة تطبيق القانون او حماية الدستور و بالنسبة للمواطنين الحق في التنمية يعني اساسا في التطبيب و التعليم و الشغل و الحماية الاجتماعية..

  • Lamya
    الإثنين 31 يناير 2022 - 11:04

    لانه اذا لم تكن هناك سيادة للقانون, ناخذ مثلا قانون الشغل, فاذا كانت المقاولات لا تحترم قانون الشغل و تغولت على الشغيلة, فهذا يضيع حقوق هذه الاخيرة, و بالتالي يعرقل تنمية فئة عريضة من المجتمع, لصالح فئة اخرى, التي هي اصلا الاقوى و بالتالي تبقى الشغيلة بدون حماية. و هذا ليس في صالح الدولة الاجتماعية, سواءا اجتماعيا او اقتصاديا او سياسيا, بكل بساطة لان التنمية البشرية لن تتحقق
    في شموليتها, اما اذا قالت الدولة: انا مع المقاولات فقط لانه تذر ارباحا جبائية مثلا و الشغيلة لا تهمني. مثلما تهمني نجاح المقاولات الكبرى, فهذا تفكير اكل عليه الذهر و شرب.

  • Lamya
    الإثنين 31 يناير 2022 - 11:53

    ناخذ مثال, اين وصلت حقوق الشغيلة و الموظفين في اوروبا, فالموظف او العامل له الحق ايضا في العطلة و الترفيه و الاحتفال بالاعياد, فتخصص المقاولات منح خاصة لقضاء العطل و الترفيه و منحة خاصة باعياد الميلاد…
    في حين تجد في المغرب مثلا موظف او عامل لا يكفيه مرتبه لرمضان او شراء كبش العيد, فيضطر للاقتراض من البنك لشراء كبش العيد او مستلزمات شهر رمضان, فتصبح الشغيلة مفلسة و لا تستطيع الادخار, مما يؤثر على الادخار العام. بينما المقاولات الاوروبية تساعد مستخدميها على الادخار و تقدم لهم عروضا خاصة لهذا الغرض.

  • Lamya
    الإثنين 31 يناير 2022 - 13:51

    اما بالنسبة لكيفية خلق فرص شغل للمواطنين فسبحان الله الاعمال الاجتماعية و حماية الحقوق تؤدي اوطوماتيكيا لخلق مقاولات جديدة و برفع القدرة الشرائية و تشجيع الاقبال على المنتوجات المحلية
    مثال اعطاء منح للعطلة و الترفيه و الاعياد يؤدي الى خلق مناصب شغل في السياحة الداخلية مثلا وفي كل مستلزمات العيد مثلا يتم الاقبال على شراء الاكباش بشكل منتظم والاقبال على شراء المواد الخاصة بالاحتفالات, فالرفع من القدرة الشرائية مهم لترويج الحركة الاقتصادية برفع الاستهلاك او الطلب الداخلي و للسلم الاجتماعي و عدم الاعتماد كلية على التصدير
    او مثلا فرض ملابس العمال الوقائية يخلق مقاولات جديدة متخصصة في هذا المجال.

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 5

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 13

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية