ليس أصدقَ من غرفةِ انتظارٍ بيضاء لتذكرنا بالحقيقة التي نتفاداها. في الاسبوع الاخير، انطلقت من المستشفيات والهوامش قبل الساحات شرارةُ غضبٍ شابّة قالت ما لم تقله البيانات: الشرعية اليوم تُقاس بالأثر لا بالخطابة، وبزمن الوصول إلى الخدمة لا بعدد الميكروفونات على المنصّة. هكذا خرج جيل Z من الخوادم الرقمية إلى الشوارع، من «الستوري» القصير إلى جملةٍ طويلةٍ اسمها الوطن.
كونهم غير مؤطرين هو في الحقيقة فشل لنا كنخب سياسية ومؤسسات، وهو فشل متوارث وممتد عبر عقود، قبل أن يكون نقطة ضعف لهم. من يردد هذه العبارة يريح لغته ويتعب الواقع، لانهم مؤطرون حتى النخاع ولكن بطريقة تجاوزت قوالبنا القديمة. اطارهم ليس الأحزاب ولا الجمعيات المدنية، بل شبكة افقية متشعبة. مقرهم ليس مكتباً مغلقاً او قاعة فخمة في فندق، بل خادم ديسكورد مفتوح في وجههم. هذا الجيل انفلت من ايديولوجيا تخدر الناس بقضايا بعيدة، وصار يؤطره الواقع العاري الذي يعيشوه وحده.
نصوصه المرجعية شظايا من الاحداث اليومية: تغريدة عن انقطاع ماء، بث لطابور حافلة لا تأتي، صورة كرسي مكسور في قسم مكتظ، فاتورة دواء تقصم جيباً فارغاً، رسالة ولي امر عن مدرسة بلا استاذ. من هذه الشظايا يصوغ ميزانه الاخلاقي الصارم: المسافة بين ما يقال على المنصة وما يعاش في البيت، بين الواجهة اللامعة والخدمة الغائبة. لذلك يرفض انصاف الحلول، لان الترقيع في نظره ليس جسراً مؤقتاً بل مصنع ازمات دائمة. وبرنامجه السياسي بسيط وواضح: ردم هذه المسافة بصدق وسرعة وقياس، وان يرى المواطن الاثر في حياته قبل ان يسمع الشعار في نشرة الاخبار.
لغة هذا الجيل مباشرة وصريحة: هل تغير يومي؟ لا يسأل كم انفقتم بل ماذا تغير. لا يهمه حجم المشروع بل اثره في غرفة الطوارئ وفي الفصل الدراسي وعند موقف الحافلة. في هذه البساطة تكمن حداثته الاخلاقية: محاسبة لا قدرية، تعايش يمارس لا يرفع شعارا، تركيز على الفكرة لا على المظهر. عينه على جوهر القضية، الكرامة والعدالة الاجتماعية، لا على لباس من يسير بجانبه ولا على اختياراته الشخصية. انه ينقل السياسة من سجال الهويات والاديولوجيا الى اختبار الخدمة.
ومن ينصف نفسه منا، نخبا واجهزة وفاعلين، يعرف اين اخطأنا: اسرعنا في الواجهة وابطأنا في الخدمة. اصغينا للتقارير اكثر مما اصغينا للواقع. تحدثنا بمؤشرات مركبة بينما كان الناس يسألون عن مؤشر واحد مفهوم: كم دقيقة تفصل بين الالم والعلاج. حين دخل جيل Z بلغتهم السريعة وحسابهم الصارم ارتبك قاموسنا القديم. سمينا غضبهم فوضى غير مؤطرة لنفلت من السؤال الاوضح: كيف نحوّل هذه الطاقة الى سياسة، وكيف نعيد تعريف الدولة لتعود الى معناها الاول، مؤسسة لخدمة الناس وتعالج معاناتهم.
ولكي لا نبقى في العموميات عن معيار الاثر، فهذا ليس رأياً مجرداً بل امرا نعيشه يوميا. لي صديق من الريف الشرقي يقترب من السبعين، قضى خمس سنوات يتنقل الى العاصمة مع زوجته التي انهكها السرطان. قبل اسابيع خضعت لعملية اخيرة. قبض الطبيب اجره ثم اختفى: لا متابعة ولا اتصال، كما هو الحال في دول تحترم مواطنيها، وقد تجده لا يذكر لا اسمها ولا حالتها، كأن لا محاسبة ستطاله ان ظهرت مضاعفات بعد ساعات او ايام. المصحة بدورها ابلغت صديقي بعد العملية انها انهت اتفاقها مع جهة التأمين التي كانت تغطي جزءاً من التكلفة، مع انه اجرى سابقاً عمليات في المكان نفسه وعلى النظام ذاته. لم يبلغوه مسبقاً، وُضع امام الامر الواقع ودفع مضطراً المبلغ كاملا، خرجت الزوجة للاستشفاء بلا متابعة. زرتها بعد اسبوع وكانت تتألم، حاولنا الاتصال بالطبيب فلم يجب. بعد اقل من ساعة على الزيارة جاء الاتصال: توفيت.
هذه القصة ليست هامشاً على المقال بل متنه. هذا بالضبط ما يطالب به جيل Z: ان تتحول قصص كهذه الى سياسات عامة، وان يصبح معيار النجاح بسيطاً ومهيباً في آن واحد: الم اقل اليوم من امس، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يجوز بما كان خلط موجة الغضب الاجتماعي التي يحركها جيل Z بسبب اختلالات الخدمة والاثر اليومي مع تحركات ايديولوجية منفصلة تستغل ملفات خارجية للتحريض ضد الوطن ومهاجمة مصالحه واستهداف شرايين اقتصاده؛ ومنها المسيرات الموجهة التي حاولت استهداف ميناء طنجة المتوسط. نحن امام سياقين مختلفين: جيل Z ينطلق من حب للوطن وغيرة عليه ويعتمد وقائع ملموسة قابلة للقياس ونعيشها كمغاربة، من سرير مفقود وقسم مكتظ ونقل متعطل، بينما يعمل ذلك المسار الايديولوجي بخطاب تعبوي عابر للسياق المحلي يحرض ضد الدولة ويضرب مصالحها لخدمة اجندات لا علاقة لها بمطالب الخدمات. الفصل بين الأمرين ضروري مبدئيا وسياسياً لحماية الشباب من الاستغلال ومحاولات الركوب على قضيتهم، وتركيز الاستجابة على ما يحدث فعلاً على الارض، حيث يفترض ان ترى النتائج قبل الشعارات.
ماذا نفعل الان؟ نحتاج اعادة ترتيب جاد للاولويات كي نردم الهوة بين مغربين: مغرب السرعتين، مغرب البراق ومغرب الحمار، مغرب يمضي الى الامام وآخر يُشد الى الخلف. القاعدة هي العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين الجهات والاقاليم، من دون حصر المطالب في قطاع بعينه. المطلوب مسار افقي يشمل المدرسة والقضاء والنقل والماء والطاقة والسكن والعمل والرعاية والبيئة والفضاء الرقمي والهوية والثقافة، بمنطق واحد واضح هو قياس الاثر على الحياة اليومية وايضا إلزام الإدارات والمدارس بتوفير واجهات وخدمات وموظفين يحترمون اللغة الأم ويتقنونها، بما يضمن حقّ المواطن في التلقّي بلغته في الاستقبال والإرشاد والخدمات الرقمية لا ان يحس انه اجنبي في وطنه.
ضمن هذا المسار، ردم الفجوة بين التعليم العمومي والخصوصي اولوية عادلة. نحتاج معياراً وطنياً موحداً للجودة والتعلم الاساسي، دعم المدرسة العمومية بموارد فعلية وهيئات تربوية كافية، مراقبة منصفة لرسوم وخدمات التعليم الخاص، وآليات انصاف للاسر حتى لا يتحول المال الى شرط للتعلم الجيد وتوارث النخب، الهدف ان يحصل تلميذ القرية والمدينة على الحق نفسه في التعلم الجيد، وان تعود الشهادة الى قيمتها الاجتماعية والاقتصادية.
في التنفيذ، نسترشد بالتوجيهات الملكية التي تؤكد باستمرار جوهر مطالب جيل Z في الكرامة ومحاربة الفساد والعدالة المجالية. دورنا هو الترجمة العملية لهذه التوجيهات في جداول زمنية واضحة ومؤشرات منشورة، حتى يرى الناس الاثر لا الوعود. لوحات بيانات اسبوعية توضح زمن الوصول الى الخدمة في المستعجلات والمحاكم والنقل، توفر الاسرة والادوية والمعلمين، جودة التعلم، سرعة الرخص والاستثمار، وما تحقق فعلاً في كل عمالة واقليم.
وفي الصلب تأتي المحاسبة بلا تردد. لا افلات من العقاب لمن اخطأ او قصّر. الفساد يستوجب السجن لا الاقالة او تدوير المناصب، والاموال المنهوبة يجب ان تعود في حالات الاختلاس مع تعويض الضرر العام، وحماية المبلغين وتوقيع المسؤولية الواضحة على من يتلاعب بالمال او الحق. حين تجتمع العدالة المجالية مع تنزيل التوجيهات ومع محاسبة صارمة واسترجاع للمال العام، تضيق الفجوة بين مغربين، ويصبح التقدم مشتركاً ويمكن قياسه كل شهر لا كل دورة انتخابية.
الاحتجاج حق مشروع، وصوت طبيعي في ديمقراطية تريد ان تنمو. لا ينبغي ان يُشيطن جيل Z ولا ان تُختطف مطالبهم. وفي المقابل، يجب التفريق الواضح بين هذا الصوت الاجتماعي وبين حملات ايديولوجية تحاول توجيه الشباب لاجنداتها العابرة للحدود، خصوصاً من يحاربون تنظيم كأس افريقيا والمونديال. فالرهان على هذه التظاهرات ليس ترفاً اعلامياً كما يروجون؛ انه استثمار وطني استراتيجي ينقل المغرب من مرحلة الى اخرى: بنية تحتية، وظائف، ثقة استثمارية، اشعاع دولي، واثر مباشر في جذب الرساميل والسياحة والابتكار. مكانة المغرب الدولية المتنامية ليست صدفة؛ هي ثمرة خيارات جسورة تعزز الثقة العالمية، وتنعكس حتى على ملف وحدتنا الترابية الذي واجه خصوماً انفقوا مليارات لتقويضه، فاذا بنا نطويه بأقل الاثمان السياسية. لهذا يكثر التشويش والتقارير المغلوطة لضرب المكانة، ولهذا بالذات يجب ان نحصن الداخل ونركز على ما يراه الناس ويلمسه كل يوم.
ولان الخوارزميات صارت لاعباً سياسياً، فالشفافية الرسمية يجب ان تسبق الاشاعة لا ان تلاحقها. يهزم الخبر الزائف بالعمل الميداني الحقيقي ومؤشرات ذالك: زمن الانتظار في المستعجلات، توافر الاسرة، اوقات وصول الاسعاف، كثافة الاقسام، منشورة بلغة يفهمها الجميع وتناقش في العلن. ومع مأسسة ورقمنة الاصغاء، مجالس محلية وقطاعية بصفة معترف بها يجلس فيها ميسرون شباب، محاضر جلسات بآجال ومؤشرات، حيث تتحول الطاقة الى سياسة، وتتحول الصرخة الى عقد اجتماعي محدّث.
ليس من العدل ان نطالب جيل Z بالرصانة وحدهم. الرصانة مطلوبة من السياسات العمومية ايضاً: الاعتراف بما تأخر، اعادة ترتيب المشاريع بشجاعة، وتذكر قاعدة بسيطة تنجي من البلاغة الفارغة: كل درهم عام يمر باختبار واحد.. كيف سيشعر به المواطن خلال ستة اشهر؟ ان عجزنا عن الجواب فالاولوية خاطئة. وان استطعنا، فليتقدم التنفيذ في الحال.
قد يقول قائل: ستهدأ الموجة ويعود كل شيء كما كان. هذا رهان على زمن لم يعد موجوداً، فجيل Z ليس خصماً للحكومة ولا بديلاً عنها؛ انه جهاز القياس الاكثر صدقاً لسياساتها. ان اصغينا واشتغلنا وقيمنا، تحولت صرختهم الى جسر متين بين الشبكة والمؤسسة. وان واصلنا الهروب الى الأمام، سيواصلون كتابة تقاريرهم بأنفسهم، على هيئة مقاطع قصيرة بالستوري والتدوين والتويت، افتراضية لكنها كافية لاسقاط خطاب كامل.
صرخة جيل Z ليست مجرد غضب عابر، بل تعريف جديد للسياسة: خدمة تُنجز، واحتقان ينخفض. من هنا يبدأ العقد الاجتماعي المقبل. ومن هنا فقط تستعيد الدولة هيبتها الطبيعية: هيبة الانجاز لا هيبة التبرير. لقد فتح هذا الجيل بابا رقميا لمتابعة وتقييم السياسة العامة. هذا زمنهم، واذا احسنا الاصغاء والعمل والقياس، سيكون زمننا جميعاً.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.