الأثر والغياب

الأثر والغياب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:45

في ذكرى الكاتب والكاليجرافي الحسن حيضرة

في سيرة المحو والكتابة، ثمة أوجاع لا تستقر في موضعها من الروح، ولا تكف عن إعادة ترتيب علاقتنا بالحياة. إنها تلك الأثقال التي تتراكم في تجاويف الذاكرة، فتضيق بها منافذ النفس، ويغدو الحزن ضرباً من الإقامة القسرية داخل زمن انقضى جسدياً، وظل مفتوحاً في الوجدان.

غير أن الذاكرة، حين تستعيد قدرتها على التذكر، لا تسترجع الراحلين من قبضة الفناء، وإنما تنتشل حضورهم من العدم الرمزي، وتمنح أثرهم فرصة أخرى للعبور في وعينا. وبين هذا وذاك، تستيقظ الكتابة من سباتها، وتستعيد مسام القلم قابليتها للتنفس، كأنها تتهيأ لإعادة تطويع المحبة، وترميم ما تصدع في علاقتنا بأولئك الذين صاروا، على نحو موجع، بقايا عبور في سفينة دنيانا.

ولعلني، كلما عدت إلى مجموعة الفنان والخطاط الكبير، صديقي الراحل ىَ الحسن حيضرة، “أنا أكتب إذاً أنا أمحو”، وجدتني أخرج من حدود اللحظة التي أقرأ فيها، إلى زمن آخر تتداخل فيه الذاكرة بالحسرة، والكتابة باستعادة ما استعصى على الغياب. لا أراوح مكاني ولا زمن حضوري؛ كأن صفحات الكتاب تفتح في داخلي ممراً خفياً، أنعتق عبره من بين فكي رحى الحزن وأنينه، لأعيد النظر في معنى الكتابة حين تصبح امتحاناً للوجود، وفي معنى المحو حين يتجاوز فعل النسيان إلى تطهير الذاكرة من وطأة ما لا تستطيع احتماله.

لقد كان عنوان الكتاب، في ذاته، أشبه بعتبة فلسفية تستدرج القارئ إلى مفارقة عميقة: أأكتب كي أحفظ ما يتبدد، أم أمحو كي أتحرر مما يثقل الذاكرة؟ أليست الكتابة، في أحد وجوهها، مقاومة للفناء، فيما يظل المحو ضرورة داخلية لإعادة ترتيب علاقتنا بالأشياء؟.. كأنني أستحضر جاك دريدا، وهو يفكك العلاقة بين الأثر والغياب، ليذكرنا بأن الكتابة لا تستعيد حضوراً مكتملاً، وإنما تترك أثراً يشير إلى ما غاب، ويؤجل اكتمال المعنى. فالراحل لا يعود إلينا كما كان، وإنما تتبقى منه علامات متناثرة: جملة، إيماءة، صورة، نبرة صوت، أو أثر خطي يواصل الكلام بعد انقطاع صاحبه.

ومن جهة أخرى، تستوقفني فكرة الذاكرة عند بول ريكور، حيث يتشابك التذكر والنسيان في بناء الهوية والسرد، ويصبح استحضار الماضي فعلاً تأويلياً يعيد تشكيل علاقتنا بما عشناه. فالذاكرة لا تعمل كخزان محايد للوقائع؛ إنها تنقب في طبقات التجربة، وتعيد منح الأحداث دلالاتها كلما تغير موقعنا منها. ولعل هذا ما يحدث لي كلما فتحت كتاب حيضرة، حيث لا أقرأ نصوصاً أغلقت عليها صفحاتها، وإنما أعاين حياة تتجدد داخل الأثر، وأصغي إلى صوت يواصل انبثاقه من وراء الصمت.

ومع ذلك، تظل هناك صورة عصية على التأويل، صورة لا تستطيع اللغة أن تستوعب كامل فداحتها. أعود إلى آخر عهد لي بالراحل، حين كان ملقى على سرير الموت، وقد أحاطت بجسده أنابيب الأدوية والأجهزة الطبية، وتوزعت على تفاصيله علامات الإنهاك والغياب الوشيك. كان الجسد، الذي طالما حمل حساسية الفنان واندفاع الخطاط وشغف الكائن بالجمال، يبدو كأنه ينسحب ببطء من ملكية صاحبه. في تلك اللحظة، لم تكن المسافة بين الحياة والموت مسافة زمنية فحسب؛ كانت انكشافاً قاسياً لهشاشة الوجود، ولعجز اللغة أمام جسد يتهيأ لمغادرة العالم.

أتذكر ذلك المشهد، فأستعيد قول هايدغر إن الإنسان كائن نحو الموت؛ غير أن الموت، حين يقترب من صديق، يفقد تجريده الفلسفي ويصير واقعة حميمة، تضعنا وجهاً لوجه أمام محدودية وجودنا. لا يعود السؤال متعلقاً بمصير الجسد وحده، وإنما بما يتركه الإنسان وراءه من علامات، وبما إذا كانت المحبة قادرة على ابتكار زمن آخر للراحلين. وربما هنا تحديداً تتدخل الكتابة، لا لتخفف من حقيقة الموت، وإنما لتمنع الغياب من الاستيلاء الكامل على المعنى.

وحين أستعيد إلقاءاته الشعرية، أتخيل صفحات الكتاب وقد انفتحت على صوته حياً، بنبرته التي كانت تمنح الكلمات إيقاعها الخاص، وبذلك الحضور الذي لا تفصله الكتابة عن صاحبها. كأنني أسمعه يدعوني إلى التفاعل والاستحضار والتلبس، لا باعتبارها استعادة لذكرى ساكنة، وإنما بوصفها مشاركة وجدانية في حياة لم تنقطع آثارها. تقترب هذه التجربة من تصور والتر بنيامين عن الذاكرة، حين يصبح استدعاء الماضي إنقاذاً لشظاياه من التبدد، ومنحاً لما لم يكتمل فرصة أخرى للظهور.

أما ذلك البعد الصوفي الذي يتخلل مؤانسات الكتاب، فيقودني إلى منطقة أكثر رهافة في فهم العلاقة بين المحو والبقاء. فالمحو في التجربة الصوفية لا يعني إعدام الأثر، وإنما تهذيب الأنا من استبدادها، وإخلاء القلب من كثافة التملك، حتى تتسع الرؤية لما يتجاوز حدود الجسد. عند ابن عربي، تتعدد وجوه التجلي، وتظل الحقيقة أوسع من الصورة التي تستقر في إدراكنا؛ وعند النفري، تتخذ المعرفة هيئة انكشاف يربك المألوف ويعيد الإنسان إلى حدود دهشته الأولى. ولعل في كتاب حيضرة شيئاً من هذه الروح، إذ الكتابة تنصت إلى ما وراء المرئي، وخطاً يلامس تخوم الصمت، ومحوًا يفتح في الذاكرة مكاناً للصفاء.

إنني، كلما أعدت قراءة “أنا أكتب إذاً أنا أمحو”، أكتشف أن الكتاب لم يعد وثيقة فنية أو أدبية تخص صاحبه وحده، وإنما صار مساحة للقاء المؤجل بين ذاكرة القارئ وأثر الفنان. إنه يوقظ في داخلي ذلك السؤال الذي لا تكف الكتابة عن طرحه: كيف نحفظ الذين أحببناهم من غير أن نحولهم إلى صور جامدة؟ وكيف نواصل محبتهم من غير أن نسجن أنفسنا في لحظة رحيلهم؟

ربما تكون الإجابة في أن نترك للكتابة حقها في المحو، وللذاكرة حقها في الاستبقاء؛ أن نمحو قسوة المشهد الأخير، دون أن نمحو حقيقة الفقد، وأن نحتفظ من الراحل بما يليق بحياته، لا بما يضاعف عذاب غيابه. فالحسن حيضرة، بالنسبة إليّ، لم يعد محصوراً في تلك الصورة الأخيرة على سرير الموت؛ إنه حاضر في ارتعاشة خط، وفي انحناءة حرف، وفي إيقاع قصيدة، وفي كتاب يفتح أبوابه كلما أوشكت الذاكرة على الإغلاق.

هكذا أكتب عنه، وأمحو شيئاً من وحشة الغياب، ثم أعود إليه من جديد. كأن الكتابة، في أعمق أسرارها، عهدٌ نبرمه مع الذين رحلوا، في أن نترك أجسادهم لسكينة التراب، ونحفظ لأرواحهم حقها في العبور داخلنا. فبعض الأصدقاء لا يغادرون تماماً؛ إنهم يغيرون موضع إقامتهم، من مقاعد الحياة إلى أعماق الذاكرة، ومن صوت الحضور إلى سر الكتابة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 3

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 6

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما