عبارة ملكية للوطن

عبارة ملكية للوطن
صورة: و.م.ع
السبت 29 غشت 2026 - 20:41

في خضمّ ما بدأ يتشكّل من خطاب انتخابي، لفت انتباهي أن بعض زعماء الأحزاب والمرشحين أخذوا يستندون إلى العبارة التي قالها جلالة الملك محمد السادس في خطاب العرش بتاريخ 29 يوليوز 2025: “فلا مكان اليوم ولا غدًا، لمغرب يسير بسرعتين”.

ولا يثير استحضار هذه العبارة أيَّ استغراب، لأنها تختزل واحدًا من أعقد التحديات التي يواجهها المغرب اليوم.

غير أنها تتجاوز في تقديري الشعار الانتخابي، وتتخطى حدود البرامج الحزبية، وتَمتدُّ أبْعَدَ من زمن الاسْتحقاقات نفسها؛ فهي تضع قاعدة وطنية واضحة: لا معنى لتنمية تترك جزءًا من الوطن في الخلف، ولا قيمة لتقدُّمٍ تقوده بعض المجالات وحدها بينما تنتظر مجالات أخرى دورها في التنمية والإنصاف.

من هنا، لا أرى في هذه العبارة سندًا لحزب أو مرشح، وإنما أعتبرها معيارًا وطنيًا ينبغي أن نقيس به البرامج والاختيارات والوعود.

والسؤال الحقيقي ليس من يكرر العبارة أكثر، وإنما من يملك تصورًا جادًا لإنهاء مغرب السُّرعتين، ومن يستطيع أن ينقل العدالة المجالية من مستوى الخطاب إلى واقع الناس.

لذلك أقف عند هذه العبارة لأنها تفتح نقاشًا يتجاوز الانتخابات، وتدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقة المركز بالأطراف، وفي معنى الإنصاف، وفي المغرب الذي نريد أن نبنيه، بكل جهاته ومجالاته.

مَغربُ المُستقبل لا يُبنَى بنصْف جُغرافيا

أجمع المحللون السياسيون على أن هذه العبارة الملكية شكّلت لحظةً استثنائية في بلورة رؤية تتجاوز ظرفية المناسبة، لتلامس جوهر مشروع وطني متكامل. في عبارة موجزة وعميقة، اختزل جلالة الملك محمد السادس إحدى أعقد الإشكاليات التي تعترض مسار البناء التنموي: التفاوت والتّمييز المجَالِيَان.

فهي عبارة تنتمي إلى زمن الاستبصار لا إلى زمن التبرير، لأنها تزعزع البُنى الذهنية التي ألفت التعايش مع مغرب مندمج في دوائر الاقتصاد العالمي، ومغرب آخر ما يزال عالقًا على هامش التنمية والخريطة.

وهي، في الآن نفسه، دعوة صريحة إلى إعادة ترتيب البيت الوطني وفق منطق العدل والإنصاف، لا بمنطق النجاعة وحدها.

لم أرَ من يتوقّف طويلًا عند السؤال الجارح الذي تخفيه الجملة بين كلماتها: كم من مغربي ما يزال يعيش خارج إيقاع الوطن، في زمن بطيء، وفي انتظار طال حتى فقد طابعه المؤقت؟ لا يكتفِي هذا السؤال بكشف فجوة تنموية، وإنما يضع منطق التفاوت نفسه موضع مساءلة أخلاقية ووطنية.

من هنا تكتسبُ العبارة قوَّتها: فهي لا تصفُ واقعًا قائمًا، وإنما تحذّر من استمراره، وتدعو في الآن نفسه إلى إعادة بناء الوطن على قاعدة الإنصاف، حتى لا يواصل بعض المغاربة العيش في قلب الحركية الوطنية، بينما يبقى آخرون عالقين في هوامشها.

ما أثارني حقًّا هو الطريقة التي تعامل بها هذا المرشح أو تلك المرشحة مع العبارة، إذ جرى استهلاكها بالسرعة نفسها التي تُستهلك بها الأخبار العاجلة، من غير التوقّف عند ما تختزنه من دلالات وما تفتحه من أسئلة: بسرعة، ودون تفكُّر، كأننا لا نعيشُ العبارة يوميًا.

هذه ليست جملة سياسية، إنها عبارة وجودية: سؤال عن معنى الوطن، ومعنى السير معًا، ومعنى ألا يتركَ أحدٌ خلفَهُ أحدًا. لذلك، تؤكد العبارة الملكية ضرورة بناء مغرب موحّد يقوم على العدالة المجالية، ويمنح المواطنين الحقوق والفرص نفسها في المدن والقرى وفي المركز والمناطق البعيدة. فالتفاوت في التعليم والصحة والاستثمار يضعف الثّقة والانتماء ويُهدِّد التماسك الاجتماعي.

لأجل ذلك، يحتاجُ المغربُ، أمَام استحقاقاته الكُبرى، إلى تنمية متوازنة تضمن تقدّم جميع مَناطقه بسُرعات مُتناغمة ومُتقاربة.

انتَهى زمنُ المفَاضَلة

لا تتحقَّقُ التنمية الحقيقية إلا حين يشعر الطفل في القرية النائية أنه يملك الحقوق والفرص نفسها التي يملكها نظيرهُ في المدينة؛ فمغرب المستقبل لا يقوى إلا بإنصاف مجالاته بعد طول تهميش، لأن العدالة المجالية شرط للنهضة والاستقرار والانتماء.

من هنا تكتسبُ العبارة الملكية قوَّتها؛ إذ تشخّص خللًا يتجاوز تفاوت الجغرافيا إلى تفاوت الثقة والطموح والإحساس بالقيمَة. وحين يعود المرشَّحون اليوم إلى العبارة الملكية فإنهم يضعون أنفسهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون، أمام امتحان أكبر من الحَمْلة الانتخابية نفسها.

لا تَمنحُ هذه العبارة أحدًا رصيدًا سياسيًا لمجرد تكرارها، ولا تُصْنع المصداقية بكثرة الاستشهاد بها، فقيمتها الحقيقية تبدأ حين تتحول إلى التزام قابلٍ للقيَاس: ماذا سيفعل كل مُرشَّح من أجل القرية المنسيّة، والمدينة الهامشية، والمدرسة المتأخِّرة، والمستشفى البَعيد، والشَّابّ الذي ينتظر نصيبَه من المسْتقبل؟ من هذا المنظور، يتجَلَّى الفرق بين مَنْ يستعيرُ العِبارة ومن يستَحقُّها.

ستنتهي الحَملة الانتخابية، وتسقط الشِّعارات من الجُدران، وتتغير الوُجوه داخل المؤسَّسات، ومع ذلك، سيظلّ السؤال الذي أطلقته العبارة الملكية قائمًا فوق الجميع، يلاحق الخطاب والممارسة معًا، ويقيس صدقية كل مشروع بقدرته على تحويل الإنصاف من وعدٍ معلن إلى واقعٍ ملموس:

من سيجعل المغرب يسير فعلًا بسُرعة واحدة؟ عندها لن تُحاكِمَنا صناديقُ الاقتراع وحْدها، وإنّما ستُحاكمنا الجُغرافيا نفْسُها.

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • Md bihi
    السبت 29 غشت 2026 - 21:07

    جميع الأحزاب عاطيينها غير للنقيل و يركبون على الأوراش الملكية لينسُبَ من هم في الأغلبية إذا تحققّ بعض منها لأنفسهم و يتبرّؤون من المتعثرة منها بعد نهب تمويلها متّهمين أشباحا غيرَ مرئيةٍ. يستطيع المغرب أن يسير فعلا بسرعة واحدة متوازية بدل سرعتيْ تي جي ڤي و السلحفاة إذا طبّق قانون متابعة و محاسبة لصوص المال العام عدى ذلك، لن يتغيّر شيئ و ستبقى الأمور على حالها.

  • عبد السلام
    السبت 29 غشت 2026 - 21:20

    الله يهديك السي لحجمري… السرعتان اللتان يتكلمان عنها المترشحون لا علاقة لها بالتي جاءت في الخطاب الملكي… المرشح الذي يغير انتماءه بين عشية وضحاها. …

  • العابر
    السبت 29 غشت 2026 - 21:27

    اقحام اقوال الملك و كلامه او مواقفه في الحياة السياسية اليومية و ليس الآن فقط هو بالنسبة للمواطنين تعبير عن عجز النخبة السياسية عن ابتكار و انتاج أفكار تترجم ما يثيره جلالة الملك لا الاختباء وراء الملك.
    مللنا سماع جلالة الملك نصره الله…الرؤية المتبصرة لملكنا اعزه الله….نعم هو كذلك لكن انتم كسياسيين منتخبون مؤتمنون على ترجمة خطب الملك إلى إجراءات و برامج لا إلى ترديدها بمناسبة و بغير مناسبة.
    متى تعون أن المواطنين تجاوزوكم في فهم متطلبات البلد و يروا فيكم عصى تمنع عجلة التنمية من الدوران….متى تعودوا إلى ضماءركم و تمفوا عن استحمار الناس…..لا بد أن تدركوا أنه حتى خطاباتكم هي حجج و أدلة على عدم صدقية كل كلامكم.
    و الناس عايقا غير نتوما مسيطرين على المشهد……نوضو تخدمو أو غبرو

  • عبد اللطيف الشاطي من آيت ملول
    السبت 29 غشت 2026 - 21:44

    قراءة رصينة وتعليق في محلّه للأستاذ لحجمري. جوهر المسألة أن التوجيهات الملكية لا ينبغي أن تتحول إلى ورقة انتخابية أو وسيلة للمزايدة السياسية، وإنما إلى مرجعية للعمل الجاد ومقياس لمدى صدقية البرامج والالتزامات. فالقيمة الحقيقية لهذه التوجيهات تظهر في حسن تنزيلها وخدمة المصلحة الوطنية، لا في توظيفها الظرفي خلال الحملات الانتخابية
    تعليق في محله ووقته المناسب
    شكرا هسبريس

  • مغربي من المغرب
    السبت 29 غشت 2026 - 21:55

    فهمنا من العبارة ان الحكومة الحالية والتي سبقتها كانتا تنظران للمغرب بنظرتين : واحدة تراه سلحفاة والأخرى تراه أسدا .
    اامشكل ليس في مجرد اانظرة : التي تراهةأسدا لها فهم ديناميكي متقدم ، والأخرى التي تراه سلحفاة تعتبره مجرد منظر استاتيكي يعجب هواة السكون والهدوء .

  • مغربي
    السبت 29 غشت 2026 - 23:15

    متى سيتوقف النصابون المسؤولون عن ركوب على إنجازات الملك ! متى سيتوقفون على إعطاء انفسهم صبغة انهم يشاركون في تطوير المغرب ! متى سيتوقفون سرقة إنجازات الملك ؟ اسمعوا ايها اللصوص نحن المغاربة نعلم انه لا احد قلبه على المغرب غير ولي الامر لا احد أضاع صحته و عمره في خدمة المغرب غير ولي الامر ” محمد بن الحسن بن محمد ” والله لو اتيتم بالشمس من مغربها لن يصدقكم احد ! ونحن نعلم اننا نحن المغاربة لا نملك شئ غير الملك ، ونعلم لو انكم استطعتم سبيلا لسرقتم حتى الملك منا نحن الشعب !

  • سمير الليل
    السبت 29 غشت 2026 - 23:42

    لا مكان في مغرب اليوم للفاسدين وللفارقشية ولناهبي المال العام وللفاشلين….

  • حسن عمر
    الأحد 30 غشت 2026 - 06:14

    كما هي العادة عادت ريما لعادتها القديمة لن يتغير أي شيئ الوجوه هي هي و الشعارات نفسها و المشلكة الحقيقية يعرف معظم الناس أين تكمن بالضبط و اضيف التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي أضاف لتركامات الفساد أضعاف مضاعفة من الكوارث التي ظهرت على أرض الواقع

  • متتبع
    الأحد 13 شتنبر 2026 - 14:37

    ” واحنا کلنا نسيرو مركبنا والقلب ما فيه خديعة ..
    واحنا قلنا نمشيوا كاملين فسربة وحدة ولي قليل جهدو منديره وزيعة.
    وحنا قلنااااوحنا قلنااااااااااا” مجموعة لمشاهب.
    متى يفقه المرشحون ومتى تفقة الطبقة السياسية حاجيات المغرب.؟ سئمن من الوعود ومن نفس الوجوه.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 16

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة