لماذا الحروب لا تنتهي؟

لماذا الحروب لا تنتهي؟
الأحد 7 يونيو 2026 - 17:08

قد يلاحظ الجميع ولو لوهلة أن الملل لا يوجد في الأخبار العالمية وأن الصراعات لا تنتهي بين الأفراد والجماعات والدول، وأن عدّاد القتلى لا يتوقف أبدا مهما يكن. فيحق للجميع إذن الانتباه إلى ما يبدو من الدوافع التي تقع خلف هذه العجلة التي لا تتوقف عن الدوران.

فما هي أكثر 3 أسباب من الممكن رصدها والتي تجعل استمرار الحروب بالعالم مسألة شبه طبيعية؟

1ـــــ نظرية مالتوس – المؤامرة الجاهزة

يعتقد الكثير من الناس بصحة نظرية الإنجليزي توماس مالتوس (توفي 1834م)، والقائل بعدم تساوي التزايد بين أعداد السكان والموارد الغذائية في العالم. حيث “إن عدد السكان يزداد، عندما لا يتم ضبطه، بمعدل هندسي. وأن الموارد تتزايد بمعدل حسابي (…) على سبيل المثال، سيتزايد النوع البشري بمعدل 1،2،4،8،16،32،64،128،256،512 إلخ. والموارد حسب التالي 1،2،3،4،5،6،7،8،9،10 إلخ. *

ويُسهب بعدها “مالتوس” في شرح أنه لا يمكن للموارد التي يستهلكها الإنسان أن تتساوى مع أعداد الولادات، بل على العكس تماما، الهوة تزداد أكثر فأكثر. وبالتالي، فيجب إيجاد حل؛ إما بالرفع من حجم إنتاج الموارد لتصل لمستويات تزايد أعداد البشر -وهذا غير ممكن في نظره- وإما يجب خفض أعداد الناس في العالم لتكفيهم الموارد.

ليأتي في النهاية من يربط الأمور ببعضها البعض، ويقول بأن الطرح الثاني القاضي بخفض أعداد الناس، لا يكون إلا بالحروب التي لا تنتهي والتي يموت فيها الكثير من الناس دفعة واحدة، ويكون بذلك الجزء قد عمل لأجل إنقاذ الكل.

بمعنى آخر، الحروب بالنسبة لهذا الطرح ليست ترفا ولا شيئا عابرا ولا تافها، بل إنها ضرورة لخلق التوازن وجعل النوع البشري يستمر.

لكن، رغم ما قد يبدو من المنطق في بعض الجوانب من هذه النظرية، خاصة في مسألة أن الموارد لا تكفي الجميع، فإن الأمر أكثر تعقيدا، حيث إنه لا جواب لحدود الساعة حول عدة أسئلة، يبقى من أهمها؛ إذا كان الغذاء لا يكفي جميع سكان الأرض، لماذا نجد مناطق في العالم يُرمى فيها الطعام وتُنظّم فيها مهرجانات لتبذيره (مثل مهرجان الطماطم في إسبانيا) بينما مناطق في إفريقيا تموت جوعا؟ هل جرّبنا أن نحوّل الأغذية التي تضيع إلى المناطق التي تحتاجها لنحكم؟

أيضا، إذا وسّعنا مفهوم الموارد ليشمل المال، أليس الأمر أكثر فداحة، وذلك إذا علمنا أن أغنى %1 فقط من سكان العالم يمتلكون ثورة تفوق ما يملكه %95 من أفقر سكان العالم؟**

2ـــــ الطبيعة الإنسانية – الطريق إلى الهلاك

يبدو أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال وقف الصراعات عبر العالم أبدا؛ فالإنسان لوحده ويتصارع مع نفسه كل يوم، ويحاول أن يُغلّب جانب الخير فيه على جانب الشر، وداخل الإنسان الواحد شلال من التناقضات، وأولها وجود العقل والقلب في جسده، ولكل منهما دور حيوي في اتخاذ القرارات الحاسمة بالنسبة له.

زيادة على أن الاختلاف بين الناس بعضهم البعض في حده الأدنى يبقى أمرا مقبولا، فالإخوة العاديون يختلفون كثيرا رغم قربهم من بعضهم البعض، بل الأدهى هو كون الإخوة التوأم اللذان يتقاسمان كل شيء يختلفان كذلك بشكل روتيني.

إلا أن الأخطر في هذا السياق، هو أن الصراع والنزاع بين الأفراد والجماعات والدول قد يرتقي في أيّة لحظة إلى استعمال ما توصل له الإنسان نفسه من آليات التدمير المتطورة، خاصة المعتمِد منها على التكنولوجيا عالية الدقة.

لذلك فأي يكن القائل «لا أعرف بأي أسلحة ستُخاض الحرب العالمية الثالثة، لكن الحرب العالمية الرابعة ستُخاض بالعصي والحجارة» فقد حاز حيزا مُهمّا من بعد النظر، وذلك بأن الحرب العالمية الثالثة ستكون مدمرة حتما وستعود بالإنسان سنوات إلى الوراء. وأنها قادمة ولا يمكن تجنبها ومقدماتها ظاهرة للجميع.

3ـــــ السلطة – الشر المطلق

يصعب إنكار فكرة رغبة الإنسان بالتأثير في الآخرين، فتكاد تكون هذه هي السمة الغالبة بين عدد مهم من الناس. فحتى من لا يريد مثلا سلطة سياسية ولا منصبا في الحكم والوزارة والحكومة، يريد على الأقل سلطة في امتلاك موارد اقتصادية. والكثير من رجال الأعمال يفضلون التحكم في كل شيء بعيدا عن ضجيج المناصب الحكومية.

والذي يتنازل عن السلطة في عمله، لا يقبل التنازل عنها حتى في بيته والعكس صحيح. وهناك من يريد فرض سلطة معرفية، وهناك من يريد سلطة ولو شكلية. وأيضا هناك الكثير من الناس اليوم يرفضون سلطة القنوات التلفزية ويفرضون سلطة متابعة ما يريدون في الهاتف حصرا وهو بدوره ـــــ أي الهاتف ـــــ يفرض عليهم نوعا من السلطة… فالجميع إذن يعيشون في إطار تدافع مشروع ومفهوم.

المهم أن هوس الإنسان بالتحكم والسيطرة يبدو شيئا عاديا وهو بالدرجة الأولى إنساني وقد يكون فطري. لكن الأمر غير العادي في المسألة هو عندما تنتقل هذه الأمور إلى مجال السياسة والتنازع بين الدول، فالمسألة تصبح أكثر تعقيدا. فالصراع مثلا في السابق بين أمريكا والاتحاد السوفياتي تسبب في نزيف دماء كبير في دول عديدة لا علاقة لها بالقضية، وايضا فالأقرب للصواب أنه إذا انتقلت المواجهة بين أمريكا والصين يوما ما إلى ما هو عسكري، فالجميع سيدفع الثمن أيضا.

غير أنه يجب الإقرار بأن جميع من يتفوق بالعالم ويحصل على السلطة، دائما ما يرغب في التوسع وبالتالي الحروب؛ والمسلمون أنفسهم عندما كانوا متفوقين أرادوا نشر الإسلام، والأوروبيين عندما تفوقوا أرادوا نشر الديمقراطية والحرية؛ فهي إذن حلقة يصعب الخروج منها.

لذلك يبدو من كل ما سبق أن الحروب في العالم ليست مسألة اختيارية، وأن الإنسان لا يجلس ليفكر هل سيخوض حربا أم لا!؟ بل تكاد تكون المسألة إجبارية نابعة من طبيعة الإنسان أولا. غير أنه حتى المسائل التي الإنسان مُجبر على فعلها، ألا يفعلها بأقل الأضرار على الأقل ويُلطّفها؟
يُلطّفها بماذا؟!

ربما بالقانون!

ـــــ مراجع:

* توماس مالتوس، نظرية السكان مبحث في مبدأ السكان وتأثيره في مستقبل تطور المجتمع، ترجمة: فادي الطويل، دار الفرقد للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، دمشق، 2016م، ص15ــــــ28.

** Oxfam International, « Les 1% les plus nantis possèdent plus de richesses que 95% de l’humanité, alerte Oxfam, alors que « l’ombre de l’oligarchie mondiale plane sur l’Assemblée générale des Nations Unies », communiqué de presse, 2024, disponible sur : https://www.oxfam.org/fr/communiques-presse/les-1-les-plus-nantis-possedent-plus-de-richesses-que-95-de-lhumanite-alerte (consulté le 03 juin 2026).

– مهتم بالتاريخ السياسي وقضايا المجتمع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الإثنين 8 يونيو 2026 - 19:43

    “One has the horrible feeling now that war settles nothing; that to win a war is as disastrous as to lose one”
    ” لدى المرء الآن شعور مرعب بأن الحرب لا تحل شيئًا، وأن ربح الحرب كارثي بقدر خسارته”
    Agatha Christie
    (1890-1976)
    (العبارة تعكس تأمل كريستي بعد تجربة الحربين العالميتين)

    “War was always here. Before man was, war waited for him. The ultimate trade awaiting its ultimate practitioner”
    “الحرب كانت دائمًا هنا. قبل وجود الإنسان، كانت الحرب تنتظره. التجارة القصوى التي تنتظر ممارسها الأقصى”
    Cormac McCarthy
    (1933-2023)

    أيها الكاتب،
    أتفق معك أن الحروب قد تكون نابعة من طبيعة الإنسان، لكن الإكراه لا يعني الإجبار، فالإنسان قادر على كبح غرائزه بالعقل والأخلاق، و”تلطيف” الحروب ليس بتقليل أضرارها بل بمنع أسبابها الجذرية: توزيع الموارد بعدل، وتربية الأجيال على الحوار لا الصراع، والاعتراف بأن السلطة الحقيقية ليست في السيطرة بل في خدمة الآخرين. فبدلاً من أن نسأل كيف نجعل الحرب أقل ضرراً، نسأل لماذا نقبل بها أصلاً؟

    “السلام ليس غياب الحرب، بل حضور العدل والخيار الذي يسبق كل رصاصة.”

    ALHOCEIMA

  • Yahya
    الخميس 11 يونيو 2026 - 03:49

    لأن الرأسمالية مرحلة قصوى للإمبريالية، كما قال لينين.

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 19:02

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي

صوت وصورة
مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 18:09

مقر جديد يعزز خدمات الشركة الجهوية

صوت وصورة
خطوات لحماية القدرة الشرائية
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 16:33

خطوات لحماية القدرة الشرائية

صوت وصورة
طاكسيات تزيد في التسعيرة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 15:22

طاكسيات تزيد في التسعيرة

صوت وصورة
أسعار الخضر تواصل الارتفاع
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 12:15

أسعار الخضر تواصل الارتفاع

صوت وصورة
الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 10:42

الاستشارة الفلاحية تواكب الزيتون