نهائي الرباط أمام "الطاس"

نهائي الرباط أمام "الطاس"
الخميس 19 مارس 2026 - 00:09

حين يصبح الانسحاب أثقل من الصافرة

ليست كل المباريات تُحسم حين يطلق الحكم صافرته الأخيرة.

هناك لحظات تخرج فيها الكرة من منطقها الطبيعي، وتصبح المباراة نفسها موضوع نزاع، لا نتيجتها فقط. وملف نهائي الرباط واحد من هذه اللحظات التي لا تكفي فيها قراءة الأرقام لفهم ما جرى.

القضية أكبر من كأس.

ماذا يبقى من شرعية مباراة عندما يغادر أحد طرفيها الملعب في أكثر لحظاتها حساسية، واضعاً الحكم والمنظمين والخصم والجماهير أمام واقع لم تكن اللعبة مستعدة له؟ هذا هو السؤال الذي سيجلس أمامه قضاة لوزان، لا السؤال الذي تريد السنغال أن يجلسوا أمامه.

السنغال ستدخل لوزان بحجة واحدة: الحكم استأنف اللعب، والمباراة انتهت، والتتويج تم. وأي محاولة لتغيير ما جرى هي اعتداء على منطق الملعب.

هذا كلام مفهوم، لكنه يتجاوز السؤال الحقيقي، كأن ما وقع قبل الاستئناف لم يكن أكثر من توقف عابر.

والمفارقة أن المغرب لا يذهب إلى لوزان طاعناً في قرار، بل يدافع عن قرار مؤسسي أصدرته الجهة المختصة. السنغال هي التي اختارت نقل المعركة إلى الطاس، وهذا وحده يكشف أن النزاع لم يعد فقط حول ما جرى في الملعب، بل حول كيف يجب أن يُقرأ ما جرى.

لم يكن ما وقع توقفاً عابراً.

الانسحاب في نهائي قاري ليس احتجاجاً عادياً. إنه فعل يهز بنية المباراة من الداخل، وينقلها من فضاء التنافس إلى فضاء الأزمة. لم يعد الأمر في تلك اللحظة متعلقاً بصافرة أثارت غضب فريق، بل تحولت المباراة إلى مساحة ضغط مفتوح على الحكم، وعلى البلد المنظم، وعلى صورة البطولة كلها.

قد يقول قائل إن الحكم نفسه لم يرَ مبرراً لإيقاف المباراة. وهذا صحيح. غير أن سلطة الحكم لا تعني أن قراره نشأ في فراغ، بعيداً عن ثقل ما كان يجري حوله. الحكم الذي يستأنف لأن التنافس عاد غير الحكم الذي يستأنف لأن توقف المباراة كان سيُشعل ما هو أخطر.

وهنا بيت القصيد. ليس كل استئناف للعب استئنافاً للتنافس. قد تعود المباراة إلى زمنها، ولا تعود بالضرورة إلى معناها الأصلي.

لهذا السبب تبقى قراءة ما جرى بعد الدقيقة التسعين قراءة مبتورة إن لم تأخذ بالاعتبار ما سبقها. المهم ليس أنهم عادوا، بل في أي ظرف عادوا، وهل كانت شروط المنافسة بعد تلك اللحظة هي نفسها التي كانت قبلها.

وجد المغرب نفسه أمام وضع لم يكن له فيه خيار مريح. لم يكن يواجه خصماً غاضباً فقط، بل لحظة كانت قابلة للتدحرج نحو ما هو أخطر: اشتعال في المدرجات، وفوضى خارج الملعب، وتشويه لصورة دولة تراكم رهانات تنظيمية كبرى وتعرف أن صورة البلد في مثل هذه اللحظات جزء من المعركة نفسها.

ما جرى لم يكن احتجاجاً. كان ابتزازاً رياضياً استهدف اللحظة الأشد هشاشة في النهائي، وأجبر الجميع على خيارات لم يكن ينبغي أن تُفرض عليهم بهذه الطريقة.

المغرب لا يطلب من الطاس امتيازاً لأنه البلد المنظم، ولا يلتمس معاملة خاصة لأنه الطرف الذي وجد نفسه في قلب العاصفة. هو يرفض فقط أن يتحول عبء التنظيم إلى عقوبة عليه، ويرفض أن يُكافأ الطرف الذي وضع المباراة على حافة الفوضى، بينما يُطلب من المنظم وحده أن يتحمل كلفة احتواء اللحظة.

المغرب لا يذهب إلى الطاس دفاعاً عن لقب فقط، بل يذهب أيضاً دفاعاً عن مبدأ، وهو أن كرة القدم لا تُدار بمنطق الفوضى والانسحاب حين لا تعجبك مجريات المباراة، ثم العودة بعد ممارسة الضغط، والمطالبة بعد ذلك بأن يتعامل الجميع مع ما جرى كأن شيئاً لم يقع.

لو ساد هذا المنطق لتحولت المباريات الكبرى إلى رهائن في يد من يحسن توظيف الفوضى. وقد عرف المغرب في محطات سابقة قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، لكنه لم يجعل منها مبرراً للخروج عن منطق التنافس.

الشرعية الرياضية ليست مجرد رقم على لوحة النتائج. هي أيضاً سلامة الطريق الذي أفضى إلى ذلك الرقم، وحين ينكسر ذلك الطريق في لحظة حاسمة لا يكفي أن تمر الدقائق حتى يُقال إن كل شيء عاد إلى مساره.

والأخطر أن ما ستقرره المحكمة لن يخص نهائي الرباط وحده. فهي لن تفصل فقط في واقعة ماضية، بل ستضع سابقة للمستقبل: هل يصبح الانسحاب في لحظة الحسم ورقة ضغط يمكن تجاوز آثارها بالعودة بعد دقائق، أم يبقى فعلاً يترك أثراً لا تمحوه العودة الشكلية؟

الطاس لن تحكم في نزاع تقني. ستحكم في سؤال أصعب: هل يكفي أن تُستكمل المباراة زمنياً حتى تُعد سليمة في جوهرها؟

المغرب يدافع عن فكرة واحدة، وهي أن من ينسحب في لحظة الحسم لا يملك بعد ذلك أن يطالب الجميع بالتعامل مع ما تلا انسحابه كما لو أن شيئاً لم يقع.

ما سيصدر عن لوزان لن يكون حكماً في مباراة فقط، بل موقفاً من سؤال أكبر: هل تحكم الكرة قواعد، أم يحكمها من يعرف كيف يجعل الفوضى سلاحاً؟

ما وقع في الرباط لم يكن مجرد حادثة ملعب. كان اختباراً لما تعنيه كرة القدم حين تواجه من يراها مجرد ورقة ضغط.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • amaghrabi
    الخميس 19 مارس 2026 - 17:36

    صراحة مهمة القوانين هي تربية الناس على احترام القوانين وبالتالي فمن اخترق القانون يجب ان يعاقب ولا تسامح لان التسامح يودي الى تكرار نفس التجاوزات من طرف فرق اخرى وبالتالي هذه العقوبة تدخل في مجال تربية الاحقيقين لان الخروج من الملعب وبعد اكثر من ربع ساعة يعودون هي مهزلة والضحك على الكاف والاستهزاء بقوانينها وبالتالي المغرب يستحق هذا الكأس لان الخصم احتج على الحكم وبالتالي رفض قرار الحكم وخرج عن الميدان وهذه العقوبة منظقية لان الانسحاب ثابت وعدم احترام قوانين اللعبة ثابت واختراق قوانين اللعبة ثابت والكأس رجعت الى من يستحقها ولا مجال للسنغال ان تحتج على محمة كرة القدم لان كل شيئ واضح والحمد لله الكاس عادت الى اهلها فتصبح السنغال فاوت بكاس واحدة في تاريخها والمغرب فاز بكأسين في تاريخه والعزاء في الشيراتون

  • رشيد زايو
    الخميس 19 مارس 2026 - 18:23

    مقال منطقي، المبدأ أولاً.
    لقاءنا في المنديال …

  • MC
    الخميس 19 مارس 2026 - 19:41

    “Stability in a final is mental. If you break that stability by walking off, you have already lost the moral right to claim the trophy, regardless of the final score”

    “الاستقرار في النهائي هو استقرار ذهني. إذا كسرت ذلك الاستقرار بالمغادرة، فقد فقدت بالفعل الحق الأخلاقي في المطالبة بالكأس، بغض النظر عن النتيجة النهائية.”
    Clarence Seedorf
    (Former manager and player)

    أستاذ رشيد،
    أشاركك الرأي تماماً في أن جوهر كرة القدم يكمن في احترام القواعد لا في استغلال اللحظات الحرجة لفرض إرادة منسحب، فما حدث في الرباط هو اختبار حقيقي لسيادة القانون الرياضي فوق منطق “الابتزاز” الذي تفضلت بذكره، وأرى أن خضوع المؤسسات الدولية لمثل هذه السلوكيات سيفتح باباً لا يمكن إغلاقه أمام التلاعب بمصير البطولات الكبرى، لذا فإن الدفاع عن هذا المبدأ هو دفاع عن نزاهة اللعبة وتاريخها، ولتكن صرخة المغرب أمام “الطاس” درساً بأن البطولات تُحسم بالجهد والعرق داخل الميدان، لا بالانسحابات التكتيكية والمناورات القانونية المتأخرة.
    “العدالة الرياضية لا تمنح الكؤوس لمن يغادر الملعب، بل لمن يحترم قدسية الصافرة.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 4

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 7

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما