"قيس" الذي قد "يُشعل" تونس نارا

"قيس" الذي قد "يُشعل" تونس نارا
السبت 3 شتنبر 2022 - 11:19

السيد قيس سعيد، رئيس الجمهورية التونسية، بدعوته إلى “ندوة التنمية، اليابان-إفريقيا” واستقباله الخاص لرئيس منظمة البوليساريو الانفصالية، المعادية للمغرب… يكون قد اخترق حاجز الحياد، الذي الْتزمته، الدولة التونسية، منذ 1975، في المنازعة الجزائرية في مغربية الصحراء… واخترق، أيضا، حاجز الحذر من الزَّج بتونس في صراع، لن يعود عليها منه سوى استعداء أحد طرفيه، المغرب أو الجزائر، بكل تبعات ذلك الاستِعداء، المُحتملة دبلوماسيا وفعليا، على بلد محدود الإمكانيات، ومجالات مناورته ضيقة، وتحد منها، أكثر، إكراهات جيوسياسية، كونه وقع في كمَّاشة بين ليبيا والجزائر…؛ بين ليبيا القذافي “المشاكس” وليبيا الوضع الحالي “المرتعِش”، وبين الجزائر، ذات النظام العسكري المُقنَّع، بسلوكه السياسي الملتبِس… وقد وجدت تونس في المغرب وهي تعاني من وضعها ذلك، البلد، دولة وشعبا، الأقرب إليها، الأوضَح معها، الأفيد لها والصادق والمأمون في علاقته معها… والمستعد لحميتها، دبلوماسيا أمنيا وحتى عسكريا، لو كان اقتضى وضعها ذلك، كما أعلن ذلك، في خطاب له، المغفور له الملك الحسن الثاني…

وعلى نهج والده، عبَّر الملك محمد السادس، قبل سنوات قليلة ماضية، عن تضامُنه مع تونس في مواجهة حملات إرهابية، بمكوثه في تونس العاصمة حوالي شهر، وتجواله في أزقتها ومقاهيها، متحدِّيا الإرهابيين، وباعثا برسائل طمْأنة على سلامة الوضع في تونس للعالم…، رسائل بنفس أخوي، يُكرِّس قاعدة التقدير العميق لتونس، يُعبِّر عنها، عمليا الملك، رئيس الدولة المغربية… ولن أُطيل بسرد شواهد، متعددة، على مكانة تونس لدى المغاربة، المعبَّر عنها بالأفعال وليس بمجرد الأقوال…

لكل تلك العوامل، تَفهَّم المغرب الوضع الحساس لتونس وحاجتها، مغاربيا، إلى إحاطة نفسها بصداقات، حتى وهي متفاوتة الصدق ومتباينة النوايا… ولكنها “صداقات” تمنع استفزاز عدوات ضدها، هي ليست حِملا لها… ولم يمارس أي ضغط لاستمالتها إلى جانبه، في دفاعه عن وحدته الترابية، وعن حقه التاريخي في استرجاع صحرائه من الاستعمار الإسباني… كان المغرب يلْمَس في ساسة تونس وفي نخبتها، إقرارا له بحقه ذاك؛ غير أنه لم يُلح على رفع ذلك الإقرار إلى التعبير الملموس عنه… سياسيا، لا بآليات تعبير الدولة ولا بآليات الممارسة الحزبية، النقابية والجمعوية التونسية…

كل المغرب، بدولته وبأحزابه وبهيئاته الاجتماعية، تجنَّب إحراج تونس، وحافظ لها على كرامتها، وعلى حيادها، الذي يَقيها مخاطر استعداء النظام العسكري الجزائري، والذي لم يتوقف عن “تكشير” عدوانيته ضدها…

في المقابل، لم يتوقف النظام العسكري الجزائري عن الضغط على الدولة التونسية … عبر توظيف طول الحدود البرية بين البلدين، وبها ثقوب أمنية لا تملك القوات التونسية وسائل سَدِّها، أمام التسلل الإرهابي منها… بل وبسبب “تكاسل” الرصد الأمني والجزائري لها، عرفت تونس خلال السنوات الأخيرة هجمات إرهابية عديدة، هزت استقرارها… وكان ذلك “التكاسل” الجزائري ضغطا “عينيا” على تونس لإغرائها بحمايته لها واستمالتها إلى سياساته، ومركز سياساته هي معاداته للمغرب…، وأيضا انتهز النظام الجزائري هشاشة الوضع السياسي والاجتماعي لتونس بعد رجَّة “الخريف العربي”، في نسختها التونسية، التي توسَّلت بآمال شعبية عريضة في الديموقراطية والتقدم، ولكنها لم تُسْفر إلا على ترحيل الرئيس بنعلي إلى المنفى السعودي… بينما “رحلت” البلاد كلها إلى هذه الهشاشة السياسية فيها، المكشوفة والمُستفحِلة، لأزيد من عقد من السنوات…

وها قد أنتجت “الزبد” الشعبوي (الذي يذهب هباءً، ولا ينفع الناس) “لينبثق” منه السيّد قيس سعيد… والذي وجد فيه النظام العسكري الجزائري “حصان طروادة”، ليتحكم في تونس، وليُوجِّه دولتها لمراميه، وأولها استفزاز المغرب.

وجد النظام الجزائري فيه الرئيس الذي يسَّر له إرشائه بالهبات المالية، الطاقة، الغذاء والتنشيط السياحي، مقابل الارتِهان المُذِلّ لتونس لسياسات النظام الجزائري، المعادية للمغرب… وقد كانت أولى علامات الانضباط لتوجيهات الجنرالات امتناع تونس عن التصويت على قرار مجلس الأمن الأممي، في خريف السنة الماضية… ذلك التصويت الذي يُشبه المناورة بالذخيرة الباردة أو الميتة، لم يكن بإمكانه إحداث أثر… عدا عن الترويض على الامتثال لتوجيهات “الموجهين”… ذلك الامتثال الذي تحقَّق بدعوة الرئيس التونسي لرئيس البوليساريو، الانفصالية، لحضور الندوة التي ترعاها اليابان، للتعاون مع إفريقيا، خدمة لمآرب جزائرية، وضد إرادة الراعي الياباني، كما أعلنت الخارجية اليابانية.

الوضع في تونس يَنْشُد التخفيف من تأزمه… عبر من يفتح فيه ممرات إلى الاستقرار … ومن الأولويات السياسية تجفيف منابع تأجيج الصِّراعات الداخلية، عبر تأمين حدود البَلد، سياسيا، بعلاقات صداقة وتعاون حقيقية، مع الجيران، المُشاطئين وأيضا المشتركين مع تونس في النسب الجغرافي… والحال أن السيد قيس سعيد بما أقدم عليه ضد المغرب لغَّم استقرار البلد مرتين… مرة بخسارته للمغرب، صديقا خالصا دائما، والحريص على النفعية المتبادلة من منطلق الاحترام المتبادل… ومرة حين انساق وراء الائْتِمار لجنرالات الحكم الجزائري، بمقابل عيني، قصير المدى ومحدود الصلاحية، والذي فرض عليه “الجزية” السياسية، بمشاكسة المغرب، ولو ضد مصالح تونس. بما يُفقده استقلال القرار السياسي التونسي، ويرهن استقرار تونس لرضا جنرالات الحكم الجزائري، ويفرض عليه، مواصلة دفع تلك “الجزية”، والامتثال الدائم لهم…

ليس لي أن أتدخل في الشأن الداخلي التونسي… الشعب التونسي، له قِواه وهيئاته السياسية، النقابية والثقافية التي تخوض، برأيها وبفعلها، في تدبير الشأن العام التونسي… ولكني أَلْحظ أن السيد قيس سعيد أنتج بقراراته السياسية جبهة واسعة وعريضة، معارِضة لقراراته… جبهة متنوعة الرؤى والحساسيات، السياسية، والفكرية… وحتى أن بعض مكوناتها متناحرة مع بعضها الآخر، في المنشأ وفي المسار… إلى أن أوجد لها السيد سعيد “منصة” التلاقي بينها، عبر معارضته… ودفع الوضع السياسي، في البلاد، إلى التدهور في أزمته، وساعد على “تخصيب” بواعث التهوُّر فيه… بما يُتيح استنتاج أن السيد قيس سعيد، والذي هو من المنتوجات الشعبوية لانحراف “ثورة الياسمين ” عن أصلها، إلى مآلها الآن، حالة فوضى، يُراد لها أن تدوم كذلك، لا تُنتج غير المزيد من الفوضى… المُخطَّط لها في ما سمي تضليلا “ربيعا عربيا”…

السيد سعيد وصل إلى رئاسة تونس محمولا بآهات وغضب اليأس الشعبي… الصادق والمُفتعل، لكي يُكرّس ذلك اليأس… المُصطنع… ويجعل منه سياسية وثقافة، يتناسل منها المزيد من اليأس، وهو الطاقة المُنتجة للمزيد من الفوضى… وقد امتد بسياسته تلك إلى خارج تونس… “يزود” معارضته بالبعد الخارجي بأسئلة إضافية حول صداقات تونس المغاربية. وهي أسئلة جزء من استشراف المستقبل… من حيث أولوياتها ومضارّها وفوائدها… أسئلة ستُضبِّب أفق الاستقرار السياسي الداخلي التونسي أكثر… كما يصلنا اليوم من ردود فعل تونسية، من أحزاب وجمعيات ومن شخصيات وازنة سياسية وإعلامية، ما بين مُستغربة لتصرف السيد قيس سعيّد المُستفز والمُتنكِّر للأخوة مع المغرب، برصيدها التاريخي وبآفاقها المستقبلية… وبإقدامه على استفزاز المغرب. يسعى السيد سعيد إلى تغذية تأزم العلاقات المغاربية بالمزيد من التوتر… لإضافة مُثبطات أخرى في المسار المغاربي، المُفَرمَل أصلا بالمشاكسة الجزائرية ضد المغرب، عبر التشجيع على تصعيد منسوب العدوانية في السلوك السياسي لجنرالات الحكم الجزائري…

وإذا ما ذهب غرور الجنرالات إلى أقصاه، بتـصعيد عدوانها ضد المغرب، فإن الضحية الأولى لذلك ستكون هي تونس، والتي يكون رئيسها قد قادها إلى تضاؤل حجمها السياسي في مُراد جنرالات الجزائر، بفقدانها للصلاحية لديهم… وانصرافها لما هو أهم… لأن فائدة جنرالات الجزائر من جرأة السيد قيس سعيد ضد المغرب محدودة المفعول والأثر، وفي الإعلام وحسْب. أما في المسار الدبلوماسي للمُنازعة الجزائرية لمغربية الصحراء، فلا وقع لها، اليوم قبل الغد…

وبمثل هذه السُّلوكات السياسية، القاصرة والمُغيِّبة لمصلحة تونس… سيجد السيد قيس سعيد أمام الشعب التونسي… “يغني” له، من أوبريت، أحمد شوقي، ” قيس وليلى”…” هل جئتَ تطلب نارا…أم جئتَ تُشعل البيت نارا”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • غزاوي
    الأربعاء 7 شتنبر 2022 - 22:16

    مجرد تساؤل.
    1- لماذا الزعل والتكالب من وعلى تونس !!!؟؟؟
    جاء في المقال ما نصه:
    “(قيس سعيد) يكون قد اخترق حاجز الحياد، الذي الْتزمته، الدولة التونسية، منذ 1975” انتهى الاقتباس.
    أظن أن الملك هو الذي طلب الوضوح فجاءه من تونس بشكل لا يقبل أي تأويل.
    جاء في المقال ما نصه:
    “على بلد (تونس) محدود الإمكانيات، ومجالات مناورته ضيقة” انتهى الاقتباس.
    هذا توهم الكاتب، لكنه لو يعلم أن تونس ستصيب المغرب في مقتل لو تعترف بالجمهورية العربية الصحراوية، ولن تخسر شيئا. حينئذ تصبح كل الدول المغربية تعترف بالجمهورية الصحراوية.
    مجرد تساؤل.
    2- هل نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير !!!؟؟؟
    جاء في المقال ما نصه:
    ” وعلى نهج والده، عبَّر الملك محمد السادس، قبل سنوات قليلة ماضية، عن تضامُنه مع تونس في مواجهة حملات إرهابية، بمكوثه في تونس العاصمة حوالي شهر، وتجواله في أزقتها ومقاهيها، متحدِّيا الإرهابيين” انتهى الاقتباس
    الكاتب يمن على تونس بهذه الزيارة التي لا تغني ولا تسمن من جوع لتنحاز لصالحه وتتخلى عن ثلاثة ملايين جزائري يزورون تونس وغاز وكهرباء ومال الجزائر.

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟

صوت وصورة
"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 21:48 2

"رايان إير" تعلن توسعا قياسيا بالمغرب

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 19:01 1

أبعاد استراتيجية | قرار مجلس الأمن

صوت وصورة
الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 18:49 3

الدفتيريا تثير مخاوف ساكنة سلا

صوت وصورة
وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 17:32 16

وهبي: سنحارب الإثراء غير المشروع

صوت وصورة
السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 16:37 4

السكك الحديدية تفتح آفاق التشغيل