النبوغ المغربي ما بعد عبد الله كنون

النبوغ المغربي ما بعد عبد الله كنون
الجمعة 14 يوليوز 2023 - 16:31

أثار التتويج المغربي على مستوى القارة الإفريقية في الرياضيات، وتقديم السيارة ذات العلامة المغربية، وبروز علماء مغاربة ذكورا وإناثا في مجالات علمية جد دقيقة، حديثا لا حدود لشطآن بحر إنجازاته، وامتدادا لتاريخ من التواجد الحضاري والعطاء الثقافي، اللذان كانا موضوع تحقيقات ومدونات، هي اليوم شاهدة على نبوغ أمة حية، يطالها الغفو، لكن حتما لن تنطفئ جذوة لهيب جمرة عبقرية أبنائها.

العلامة عبد الله كنون مرافعا عن أدبائنا وعلمائنا:

في هذا السياق، لا يمكن لدارس أن يغفل العمل الفذ، والإنجاز الأعظم الذي قام به العلامة سيدي عبد الله كنون في بداية القرن العشرين (1928). والذي حاز شهادات السابقين واللاحقين من الفاعلين في الحقلين الأدبي والعلمي، لما أحدثه هذا المنجز من تمكين للأدب المغربي ورجاله في العالم العربي، الذي انحصر إشعاع أدبه إبانه في مشرقه. فكان سيدي عبد الله مرافعا مقتدرا، أماط الكثير من الستائر، حالت دون بروزه أمام العيان، وتداوله على أكبر نطاق ومجال تحرك الإنسان.

إن ما قام به العلامة كنون، لا يقل أهمية عن ما قام به رواد الحركة الوطنية من عمل سياسي وكفاح وطني، فالنضال الأدبي كما النضال السياسي ساهما معا في إثبات الذات الوطنية والإنسية المغربية. أما توثيق ذلك بغرض حفظه ونشره والتعريف به، لهو عمل وطني، ومقاومة ناعمة للتيارات الوافدة من الشرق والغرب، التي تكاد رياحها أن تقتلع أركان خيمة هويتنا. هذا الشرق الذي احتكر تمثيلية الثقافة العربية، ناكرة جميل وإسهام عرب الغرب، وما راكموه من منجزات، عُدت مشرقية المنبع، كان لها الفضل في إيقاظ شعوب الضفة الشمالية للمتوسط من سباتها، الذي اعترف الكثير من مفكريه بشمسه الإحيائية التي سطعت عليهم وهم رقود. كما مثل هذا الغرب الإسلامي الجبهة الأمامية في صد وإنزال كبرياء الغرب من عليائه، والاعتراف بتواضعه أمام ذكاء مغربي، تئن رفوف المكتبات العالمية بما حوت من تراث ألهم ويلهم الأجيال المتلاحقة شرقا وغربا، وفي شتى الحقول المعرفية. لكنه تراث ظل يُحسب للمشارقة دون سواهم، أما الأدباء والعلماء المغاربة، فالتهميش والإهمال مصير إبداعهم. امتد هذا إلى المناهج الدراسية، فكان الكتاب المدرسي يُنسخ جملة وتفصيلا عن نظيره المشرقي. فجاء “النبوغ المغربي” ليعيد الاعتبار المغتصب والمكانة المستحقة لرجال ونساء لهم باع طويل في الإبداع العلمي والإمتاع الأدبي. ونافح عن عطاء امتد لقرون عديدة، واستمر كذلك لسنوات مديدة.

النبوغ المغربي كتاب مفتوح في حاجة إلى إغناء:

إن قارئ “النبوغ المغربي” ليتساءل: لو قدر للعلامة كنون العيش في يوم الناس هذا، كم سيبلغ عدد أبوابه وفصوله ومن ثمة أجزائه؟ فالميادين التي ارتادها العقل المغربي، تعدت المجالين الأدبي والديني، إلى آفاق أرحب أكثر ثراء وتنوعا. فتفوق المغاربة في العلوم الدقيقة بمختلف فروعها، وما يرتبط بها من تطبيقات تكنولوجية ومختبرية، اخترقت كل القارات، وحازت قصب السبق في العديد من المنافسات القارية والعالمية. فالأسماء المغربية المدونة في الموسوعة العلمية العالمية لا ينحصر عددها، وعطاء أساتذتنا في أعرق الجامعات الدولية لا يتوقف مددها. وقد برزت الحاجة إلى العالم المغربي أثناء الجائحة أشد ما تكون، فمساهمتهم في دفع مخاطرها لا تخطئه عين متتبع منصف، محليا وعالميا.

إن الحديث عن النبوغ الأدبي والعلمي، لا يستقيم إلا في حضور المدرسة، المشتل الأول بعد الأسرة في رعاية المواهب وتخريج الكفاءات. فمهما كان النقد والتجريح الذي يطال المدرسة العمومية، فقد كانت ومازالت رحما ولودا، تُطعم مختلف المجالات بما هي في حاجة إليه من أطر، والتي يحلق الكثير منها خارجا، حين يكون الحلم أوسع من جغرافية البلد. فالأستاذ مساهم في ما نبغ فيه المتعلم، مهما تواضع مستواه الأكاديمي، وزاده المعرفي، أمام خبرته البيداغوجية وإخلاصه المهني وحرصه في شد الطفل واليافع إلى حياض الأدب ونور العلم. بعدما تسلمه الأسرة زمام قيادة ابنها إلى مدارج العلا، وتثق في قدرة المدرسة على مساعدة الطفل في تحقيق ما يصبو إليه. ولنا في التراث الشعبي الكثير مما يندرج في هذا المعنى، ويبرز التوافق بين الآباء والمعلمين في الحرص على مصلحة المتعلم، بعيدا عن أساليب الدلال، والحط من قيمة المدرس، والمبالغة في الحديث عن انسداد آفاق الدراسة.

ولا يقل دور المدرسة عن دور المؤسسات البحثية، والمراكز العلمية، التي بمثابة مجتمع أهلي علمي، يغطي تكوينه مجالات لم تجد لها بين أسوار المدرسة مكانا. وخصوصا في المجالات التكنولوجية كالروبوتيك والبرمجة، والمجالات الفنية بما ينشئ بعضا ممن شغفوا بالعطاء ونكران الذات من ورشات وملتقيات علمية هنا وهناك، عملت على تخريج نوابغ كانت لهم الكلمة الأولى في عدة مسابقات يعجز المرء عن عدها، الشيء الذي يجعل الضرورة قائمة، والحاجة أكيدة لنهوض فئة تجعل من مهمتها جمع ما تفرق من منجزات، حفظا لذاكرة الرأسمال الرمزي من السطو والنسيان، وقوة دفع للأجيال اللاحقة على متابعة المسير.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
خصاص المقررات المدرسية
الخميس 17 شتنبر 2026 - 10:30

خصاص المقررات المدرسية

صوت وصورة
التزامات "البام" لساكنة طنجة
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 23:40 5

التزامات "البام" لساكنة طنجة

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 21:00 1

لقاء خاص | عبد الجبار الراشدي

صوت وصورة
أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:56 7

أخنوش: تافراوت صنعت بدايتي

صوت وصورة
لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 19:08 15

لقجع: وضع وجدة يجب أن يتغير

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع
الأربعاء 16 شتنبر 2026 - 18:07 2

الطريق إلى الانتخابات 2026 | جمال براجع