في سنة 1986 افتَتح وزيرُ الثقافة آنذاك السيد محمد بنعيسى بحضوره الشخصي فضاءَ الخزانة البلدية بمدينة سوق الأربعاء في إطار مشروعٍ وطني بين الوزارة والجماعات المحلية بالمغرب، وصارت تلك البنايةُ الأنيقةُ الصغيرة وعاءً رمزيا لبعض الأنشطة والفعاليات الثقافية والفَنية. بَعدها وفي مَطلع الألفية الجديدة (2002) ظهر مشروعٌ وطني بدعم من الاتحاد الأوروبي يهدف إلى إحداث مَراكز ودُورِ ثقافة بعُموم المُدن والمَراكز القروية، وقد سعى بعضُ المُثَقَّفين من سوق الأربعاء، على رأسِهم الأستاذ والصديق المصطفى كليتي بصفتِه عضوا في اتحاد كُتّاب المغرب، ثم رئيسا لفرعِه الإقليمي بالقنيطرة، إلى الضغط الرمزي كي تستفيد سوق الأربعاء وهو ما كان مُمكِنا بقوة، لكن رئاسة المجلس الجماعي آنذاك على عهد الرئيس الأسبَق لم تَتَفاعل مع هذا السياق الوطني ولم تَسْعَ إلى بحث الموضوع والانخراط فيه، وهذا النُّكوصُ ليس غريبا عنه !!. فَضاعت على المدينة والأجيال تلك الفُرصة.
مع التوقيع على المُخطَّط الاستراتيجي للتنمية المُندمِجة والمُستدامة بإقليم القنيطرة، في أبريل 2015، تَضمّن المُخطَّطُ إحداثَ مركزٍ ثقافي بمعايير ومُواصَفات جيّدة: قاعةُ عُروض كُبرى بكَراسٍ وَثِيرة ثابتة، فضاءٌ للطفل، قاعةٌ مُتعدَّدة الوسائط، فضاءٌ للعَرض الفني التشكيلي، مكتبةٌ، ساحةٌ خارجية، وغيرها من المُكوِّنات. كان ذلك في عهد ” التحالف الرُّباعي “، وظلَّ المشروعُ في قاعة الانتظار الإداري، بينما ظلَّ المجتمع المدني يُمارِس ما استطاع إليه سبيلاً من الأنشطة بوسائل بائِدة مُزْرِية تَضْطَرُّ الإنسانَ إلى اليأس والعَدمية، كأن قوةً خارِقة تُحَرِّك كلَّ شيء كي لا يتحرَّك أيُّ شيء بخصوص تنفيذ هذا الورش القيمي الرمزي في مدينةِ الأعطاب. دخل الملفُّ إلى دَورَتَين في أواخر عهد المجلس السابق، ولم يَخرج إلى الوجود. وفي سنة 2019، شاءت الأقدارُ أن أَجتمع مع وزير الثقافة السابق السيد محمد الأعرج حول مائدةِ عشاء بإقامةِ السيد عامل مدينة إفران، طلبتُ منه بأسماء الموتى والأحياء أن يُحَرِّكَ هذا المشروعَ على المُستوى المركزي، واقترحتُ عليه أن يَحمل اسمَ محمد زفزاف، كما اقترحتُ عليه إيفادَ لجنةٍ من مُديرية التراث إلى منطقة الدعادع بخصوص المدينة الرومانية ” فوبيسيانا “، وعَزّزْنا هذا المَطلب بمُراسلةٍ مُستعجلة مُشترَكة بين جمعية زفزاف وجمعية فُنون برئاسة الصديق إدريس ماطو. قَطَع الوزيرُ على نفسِه وعدا بذلك. وللحق، فإنه بعد حوالي 10 أيام فقط جاء وفدٌ مُتخصِّصٌ من مديرية التراث والمآثر لمُعايَنَة موقع المدينة الأثرية وبَحْثِ ما يُمكن عملُه، وطلبتُ من المجلس الجماعي بصفَتِه جهةً رسمية أن يُنَسِّقَ مع السلطة المحلية، وأن يُراسِلَ الوزارةَ لاقتراحِ تسميةِ محمد زفزاف. وللحقيقة، فقد تَحمّس السيد الباشا آنذاك سعيد مبرومي للاقتراح وثَمَّنه، لكن رئاسة المجلس كما هي العادة بخصوص عُقدة الثقافة، تغافَلت عن الأمر، فهو لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي من جوع. كما دافعتُ بقوة عن هذا المُقترَح بصفَتي كنتُ عضوا في ” هيأة المُساواة وتكافُؤ الفُرص ومُقاربة النوع الاجتماعي ” المُحْدَثة بقوة القانون لدى المجلس الجماعي، وذلك في اجتماعٍ رسمي لإعداد تَصوُّرٍ حول تَسْمِيَةِ الأماكن والساحات العامة حسب ما أَوْصَتْ به مُذكّرةُ وزارة الداخلية، وظَلَّ حوالي 100 مقترح أَعدَدْتُه وترافعْتُ عنه بكل سذاجة و ( نِيّة ) في الأرشيف !!. بعد لقاء إفران بحوالي شهر جاء التعديلُ الحكومي وطار السيد الوزير من مَنصبِه، فتَأجّل الحُلم أكثر. مع مَجيء المجلس الجماعي الحالي بعد انتخابات 2021، دخل الملفُّ إلى إحدى دَوراتهِ، وأَنجزَتْ كلُّ الجهات ما عليها من التزامات: وزارة الثقافة، وزارة الداخلية، عمالة القنيطرة، المجلس الإقليمي، ثم المجلس الجماعي، وتَحدّد الوعاءُ العقاري ( جوار إعدادية الغرب ) تَمّت الدراسة التقنية، ولاحقا تَمّ إنهاء التعديلات على الاتفاقية، ولم يبقَ سوى إتمام بعض المُراسَلات الإدارية للشُّروع في الإنجاز.
في سنة 2023 التقَيتُ السيد وزير الثقافة محمد مهدي بنسعيد، رَجَوْتُه حتى استغربَ من إلحاحي عليه، فتَواصل مع إدارَتِه في عَين المكان، وأكّد لي مُباشَرة أن كُلَّ الإجراءات المالية والإدارية جاهزةٌ مركزيا، وما على حامِل المشروع، أي الجماعة المحلية، والمُشْرِف على الأشغال، أي المجلس الإقليمي، إلا مُوَافاة الوزارة بالملف لإعطاءِ الانطلاقة، كما نَقلتُ إليه مُقترَح التَّسمية، فأكّد لي مشكوراً استعدادَه للتعاوُن على هذا الأمر، عِلما أن السلطات الترابية هي صاحبةُ القرار والتأشير، وشخصيا ما أظُنُّها تَبخل بالمُوافَقة على هذا الاسم العَلَم الذي هو بن سوق الأربعاء، تُدَرَّسُ رواياتُه في جامعات أوروبية وعربية وأمريكية، ويَعرِفُه رؤساءُ دول، بل إن المَلك الإسباني خوان كارلوس كَتب له رسالةَ شكر بعد ترجمة روايته ” بيضة الديك ” إلى الإسبانية، عِلما أن كُتُبَه مُترجَمة إلى قُرابة 15 لغة عالمية، كما أن مَرافق عمومية في مُدن مغربية تحمل اسمَه. وبينَما كنتُ مع السيد الوزير في الرباط ربطتُ الاتصالَ مباشرة بالمصالح الجماعية محليا وكُلِّي سعادة و ( نيّة) من أجل التبشير بالأمر ومحاولة الدفع لتسريع المسطرة، لكن الحساسيةَ كانت مُفْرِطة وللغاية !!.
وفي اجتماع آخَر ضِمن هيأة المُساواة، لكن هذه المرة مع المجلس الجديد تحت شعار ” التحالف من أجل المواطنة “، وبصفَتي عضوا فيها، وبعد دعوة رسمية لإعداد تَصوُّر حول تسميةِ الأماكن والشوارع والفضاءات العامة سنة 2022، أعدَدْتُ وكُلّي سذاجة و ( نيّة) مرة أخرى حوالي 100 مُقترح مُبَرَّر ومُدَقَّق، من بينها إطلاقُ اسم محمد زفزاف على المركز الثقافي، فدخل الملفُّ غُرفةَ الإنعاش إلى اليوم لأنه أيضا لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي من جوع. ومنذُ أسبوعَين، شاءت الأقدارُ أن أَلتقي وزيرَ الثقافة الحالي، فاتَحْتُه مُجَدَّدا في الموضوع وكُلِّي خجلٌّ، لأن الكُرةَ الإدارية ليست في مَلعبِه هذه المرة، بل في ملعب ذَوي القُرْبَى بالمَجلِسَين المحلي والإقليمي. ونحن ندخل الذكرى 20 لإطلاق ورش المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، أتمنى أن يَفهم ويَتأكد القائمون على الشأن التنموي أن السبب وراء الترتيب غير المُشرّف للمغرب سنويا في مؤشر التنمية العالمي، وأن فشلَ النموذج التنموي بإقرارٍ رسمي استدعى إعدادَ ” نموذج تنموي جديد “، إنما سبَبُه أننا نَضع العربةَ أمام الحصان !!، نُهْمِلُ جَوْهَرَ الإنسان والقِيم، ونَتَوَهّمُ في ” السيما والزفت والضو ” على عِلّاتِها، لا لشيء، سوى أنه خيارٌ يُسْمِنُ ويُغْنِي من جوع ثُلَّةَ أفرادٍ على حساب سُمعةِ وطنٍ بكامِلِه.
حاصـلُ الرأي:
بما أن الفعلَ الثقافي والفني والقيمي وموضوعَ الهوية المحلية وإشعاعَ صورة المدينة ليس مُهِمًّا في مُعادلةِ عقلية ( الزفت، الضو، السيما… )، وبما أن الأطفالَ والشبابَ وعُمومَ المُواطنين الراغبِين في حياةٍ مدَنية وفَنّية وثقافية وجمالية، وترفيهية، ليس لَهم فضاءٌ يَليق برغَباتِهم وتَطلُّعاتِهم المُواطِنة، فإن اختيارَ سوق الأربعاء مأوى إقليميا للنِّفايات، ثم مأوى إقليميا للكلاب والقِطط الشاردة، يَستدعي جمعَ هؤلاء الناس وأنا معهُم ضِمن مأوى ثالث. ولأني أُخاطِب من قد لا يَفْقَهون حديثاً، سواء في المجلس السابق أو الحالي لا أعاد الزمنُ الغرباوي مِثْلَهُما، فإني أقول بألمٍ وحَسرة: حشومة وعيب وعار…
تحياتي ومودتي دكتور أسامة شكرا على غيرتكم ودفاعكم عن الشأن الثقافي والاجتماعي والاقتصادي بسوق الأربعاء الغرب