يقول أدونيس في مؤلفه، موسيقى الحوت الأزرق: «الهوية ليست مُعطى جاهزا ونهائيا، وإنما هي عمل يجب إكماله دائما».
ارتبطت الكوفية بالقضية الفلسطينية، والإنسان القضية بتعبير غسان كنفاني. إنه ارتباط متبادل، حيث حظي الرجل الإنسان القائد ياسر عرفات (رحمه الله) بتقدير كبير وحب خالص من العديد من الشخصيات الفكرية والسياسية، وأيضا من المناضلين الحقيقيين. فقط لأن الرجل، ما إن وضع الكوفية على كتفيه، حمل معها السلاح وحضر اللباس العسكري. فلا كوفية فلسطينية بدون سلاح داخل الصراع، ولو حَجراً أو صرخة امرأة. في المنفى، بمعنى بعيدا عن الأرض وخارج الصراع، تتخذ الكوفية شكلا آخر، وقد تحيل على قطعة متخيلة من أرض فلسطين، أو عن لغة مفقودة في بلاد ليس لسانها عربيا، أو حقل أو شجرة أو حجرة أو قصيدة أو نص سردي.
لقد ارتبطت الأيقونة الكوفية عند ياسر عرفات بالمسدس واللباس العسكري وقوة البداهة الفكرية والثقافية. إنه نسق متناغم يؤشر على هوية تقاوِم بالفعل والكلمة واللباس، هذا اللباس الذي يتخذ شكل اللسان، بتعبير رولان بارث. إذن، الكوفية هي أيقونة لباس. إنها شكل لغة مُقدّسة تفترض دائما وأبدا ارتباطها بالسلاح لتعزيزها وإضفاء شرعية الشهادة عليها. عند الخارجين عن أرضها، ترتبط بالفكر، بالكلمة، بالاحتراق، والمبادئ، مثل أحمد فؤاد نجم، محمد الزفزاف… وآخرون.
إن المقاومين على الأرض الفلسطينية، ما إن يضعوا الأيقونة الكوفية، يحملون معها البندقية. فالسلاح يُحدِث العزة ويخلُق الشهادة والفداء والوفاء للقضية. الكوفية بارود شرف ومقاومة وفعل. الكوفية ميتا-لغة اللباس والفكر.
وعليه، أعتقد أن الكوفية ليست للزينة والتسوّل، وليست أكسِسوارا. الكوفية روح وطن مثلها مثل أعلام الدول، لكنها تتماثل مع العلم الفلسطيني لتحيل إلى أن علم الأرض الفلسطينية يشكو النقص والتمزقات واللا-دفء. فتحضر الكوفية لتمنحه شعلة الحلم. فالكوفية لهب طهارة شعب، وأرض، وشرف نساء أنجبن رجالًا للدفاع عن أرضهم وعرضهم. إنها كفن الملائكة. كما أن العلم الوطني كفن الشهداء المدافعين عن قضايا وطنهم.
الكوفية ميتا-لغة للمقولات الأكسيولوجية السيميائية الكبرى؛ الحياة/ الموت، الزيتون/ البرتقال، الماء/ التراب. الكوفية تجاوزت كل أشكال المقاومات: الحربية، والفكرية، والشعرية، والجمالية.
لقد صارت شكلا لتوليد علاقات إنسانية. الكوفية الفلسطينية هي رائحة الشرق وحده، أسطورة أرض الوحي. في ثقافات أخرى أجنبية، تحضر أيقونات اللباس للدلالة على قضية ما أو فكرة ما، مثل قبعة آرنستو تشي جيفارا في الغرب اللاتيني، كما هو اللباس الوطني المغربي خلال زمنية الاستعمار الفرنسي (لباس وليدات الوطن)، الذي أظهر تضادا مع اللباس الإفرنجي. وعليه، رام تحقيق الاختلاف ليؤشر على معنى الوطنية. فهل رأى أحدٌ جيفارا بدون سلاح، أو مسدس، أو كتاب؟ لا أعتقد ذلك. فمتى حضرت الأيقونة، تحضر القرينة الدالة عليها، عبارة ومحتوى، وهنا مباشرة يكون الفعل وردة الفعل. الكوفية ليست زينة وتَطرية لباس ومنظر ثياب. الكوفية ليست موضة أو تقليعة باردة تصاحب عطرًا ما، وليست لسان نفاق وفساد.
الكوفية، خارج رائحة البارود وخارج حدود المقاومة، هي هوية للمنفيين والمهاجرين من أرضهم. تذكرهم بالحنين ووجع البُعد والفقد. إنها الظل-نظير الأرض. هؤلاء، إن حملوها، فإنهم يحملون هويتهم ومقدسهم الأرضي. أيضا يحملون متخيل رحمهم الترابي وأمل العودة إليه.
لكن هذا الذي وضع كوفية وهو عارٍ إنسانية وفكريا ونضاليا، لا سلاح معنوي له ولا مروءة، ويمشي في الأسواق ويأكل لحم البقر والبشر، ويشرب عرق الكادحين، عقارات خارج بلدته، وسيارات فاخرة، وسمسرات التعليم العمومي، والصحة داخل المصحات الباهظة الثمن. إن الذي يضع كوفية على أكتاف باردة، ظالمة، فاسِد، ومجرم خائن بالمعنى التام للخيانة. وهذا يؤشر على صناعة شكل عبودية أخرى. هناك رجال حملوا الكوفية إيمانا بالقضية الإنسانية الفلسطينية، وكتبوا فيها، وأنشأوا علاقات صداقة مع فلسطينيين داخل المغرب وخارجه. رجال قالوا كلمة (كلمة حق) فنابت عن السلاح، فالكلمة سلاح. يقول ريجيس دوبري: «الكلمات مسدسات محشوة بالرصاص». من قال كلمة حق دفاعا عن الإنسانية استحق الكوفية.
ونختم: كان للمغاربة لباسهم ورمزيتهم، وكان لباس يسمى «اللباس الوطني». اليوم، وجب بالضرورة إعادة النظر في أشكال هويتنا التي تلتقي بهويات أخرى لتفضي في الأخير إلى هوية إنسانية كونية. فاللباس لغة. اللباس هوية متحركة، وفعالة، وثقافة قوة وجب تثمينها.
مقال عميق ومعبّر،سلطت فيه الضوء على الأبعاد الرمزية العميقة للكوفية، فهي ليست مجرد قطعة قماش، بل هي جزء لا يتجزأ من هوية الفلسطينيين ومقاومتهم، تحمل في طياتها تاريخا طويلا من النضال والشرف. الكوفية عند ياسر عرفات، كما أشرت، كانت رمزا للوحدة والعزة، ومصداقية حقيقية للقضية الفلسطينية. ما تطرحه عن إساءة استخدام هذا الرمز في أيدي من لا يقدرونه أو يفرغونه من معانيه هو ما يثير الكثير من التساؤلات حول معنى الهوية في هذا العصر..
دام فكرك نيّرا ..تحياتي
هل كتبت ولو مرة واحدة عن الجلباب والرزة المغربية ام انك فلسطيني اكثر من الفلسطينيين. عرفات يتاجربالقضية طول حياته وجمع ملايين الدولارت واودعها في بنوك فرنسا وهاهي سها عرفات تتمتع والشعب الفلسطيني يحتضر. فما عليك الا بالكوفية فالطريق الى فلسطين ينتظرك اما الجلباب والبرنوس فله رجاله الاحرار النبلاء.
تحية طيبة، الأخ Ouatta Baha
فقط هو ليس رد وإنما حوار بين أخوين، لا أعتقد أنني فلسطيني أكثر من الفلسطينيين، أيضا لست مغربي أقل من المغاربة، مغربيتي مثل مغربيتك وكجميع المغاربة في اختلاف جغرافيتنا.
أما عن اللباس المغربي الوطني لقد كتبت عن تمظهراته النسقية في السرد المغربي والنسق الفيلمي السينمائي المغربي، وأحيلك على كتاب لي موسوم ب: المقاومة المغربية: دراسة سيميائية في الخطاب الروائي المغربي.
ولي شرف أن أرسل لك نسخة من الكتاب.
تحياتي وتقديري