ديمقراطية تعزز التقارب بين الشعب الانتخابي والتمثيلية الوطنية
يعيش المغرب اليوم نهاية مرحلة الزمن الانتخابي، وهو الزمن الذي يرسخ الاقتراع الرابع في ظل دستور 2011، مما يعني أن التجربة الانتخابية المغربية اليوم في محطتها الرابعة، من المفروض أن تكون قد تجاوزت مرحلة دهشة الولادة ومرحلة الطفولة وشارفت على مرحلة النضج.
وصول التجربة الانتخابية المغربية في ظل دستور 2011 إلى مرحلة النضج، يعني عملياً أن الحدث الدستوري المرتبط بالاقتراع العام من المفروض أن يلعب دوره كاملاً في عقلنة الحياة الدستورية والسياسية المغربية بالنسبة للخمس سنوات القادمة. وبالتالي فإن نضج الحدث الدستوري المرتبط بالاقتراع العام يبقى مرتبطاً بقدرة الطبقة السياسية المغربية على ترسيخ تقارب فعلي وواقعي بين البلد الحقيقي (الشعب) والبلد القانوني (المؤسسات السياسية المنبثقة عن الاقتراع العام)، ويعني كذلك القدرة على تقليص التباعد الكبير بين الجسد الممثل بالمواطنين والجسد الممثل بالتمثيلية الوطنية (حتى لا تتحول الانتخابات إلى زمن نختار فيه ديمقراطياً من سنكرههم ومن سنواجههم طيلة الخمس سنوات القادمة، كما قال الباحث جون مارتان شيفري كاتب الافتتاحيات في المجلات الفرنسية).
وحده التقارب الكبير بين البلد الحقيقي والبلد القانوني من يوفر الظروف الأساسية للعيش المشترك داخل البلد، ويمكن المواطن الفقير والمعدم من العيش إلى جانب المواطن القوي. وهنا نستحضر ما عبر عنه الشاعر الفرنسي الشهير – جون دولافونتين – بشكل واضح وقوي من خلال حكاية سفر المزهرية الطينية إلى جانب المزهرية الحديدية، حيث حكى أن مزهرية حديدية (وترمز إلى المؤسسة القوية أو القوي وصاحب السلطة وصاحب الرأسمال وصاحب النفوذ) ستقترح على صديقتها المزهرية الطينية (ترمز إلى الضعيف والفقير والمعدم) القيام بالسفر جنباً إلى جنب. ورغم رفض المزهرية الطينية لهذا السفر، تمت الرحلة، ولكن عند أول أزمة، والتي أنتجت اصطدام المزهرية الحديدية القوية بالمزهرية الطينية (الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي قد تعرفها البلاد، والتي عوض أن تحل لصالح الفقراء، تحل لصالح الأقوياء)، تحولت هذه الأخيرة إلى أجزاء مفتتة.
وكانت النتيجة أن المزهرية الحديدية تخلصت في الطريق من المزهرية الطينية.
وحده التقارب الكبير بين البلد الحقيقي والبلد القانوني من بإمكانه أن يوفر الشروط الموضوعية لسفر المزهرية الحديدية إلى جانب المزهرية الطينية دون أن تكسر المزهرية القوية المزهرية الضعيفة في الطريق.
أولاً) الاقتراع العام يذكر الطبقة السياسية المغربية بالدور المحوري الذي تلعبه السلطة الانتخابية في الحياة السياسية للبلد
يحسب لدستور 2011 أنه منح سلطة كبيرة للسلطة الانتخابية والشعب الانتخابي من خلال منحها القدرة على التأثير على الحياة السياسية الداخلية للبلد، وهي السلطة الوحيدة التي تملك القدرة على الحسم في اللحظات الحرجة والصعبة التي تجتازها الأمم. لأن وحدها السلطة الانتخابية من خلال زمن الاقتراع من تمنح الأغلبيات، وبالتالي تفتح الطريق للبرامج الجدية والاستراتيجيات الجديدة، وتفتح الطريق أمام النخب السياسية الجديدة والرؤوس الجديدة للوصول إلى مراكز السلطة.
كما أن السلطة الانتخابية هي السلطة التي تمكن من تحديد الحزب المتصدر، وبالتالي الهوية السياسية لرئيس الحكومة.
مما يجعل الكتلة الناخبة لاعباً قوياً في الحياة السياسية الداخلية للبلد، بخلاف الفكرة السائدة التي تقول إن الأجزاء الملحقة بالسيادة هي الممثلة بالسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة التنفيذية فقط. الزمن الانتخابي من المفروض أن يذكر الطبقة السياسية أن هناك سلطة رابعة تتمثل في سلطة الاقتراع، وأن هذه السلطة تلعب دوراً مهماً في الحياة السياسية الداخلية للدول بنفس مستوى السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية.
الباحث الدستوري الفرنسي مارسيل بريلوت سيؤكد على أن الديمقراطية تتطلب وجود ثلاث مؤسسات حاكمة أساسية هي المؤسسة الشعبية (السلطة الانتخابية)، المؤسسة البرلمانية (السلطة التداولية)، والمؤسسة الحاكمة أو السلطة التنفيذية.
إذا كان الزمن الانتخابي يمثل اللحظة الذهبية للمواطنين المتساوين، فإنه من المفروض أن تنتقل هذه المساواة من الزمن الانتخابي إلى الزمن التشريعي والزمن الحكومي حتى لا تكسر المزهرية الحديدية المزهرية الطينية (في زمن الحكم).
ثانياً) الانتخابات وضرورة الربط الدائم بين الشعب الانتخابي والتمثيلية الوطنية
عمل دستور 2011 على تطوير سلطة الاقتراع، من خلال الصعود القوي لسلطة المؤسسة الشعبية (السلطة الانتخابية) إلى جانب المؤسسة البرلمانية والمؤسسة الحكومية. ويتضح ذلك من خلال تنصيص الفصل السادس من الدستور على أن – القانون أسمى تعبير عن إرادة الأمة،..- وتنصيص الفصل الثاني من الدستور على أن – السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء، وبصفة غير مباشرة بواسطة ممثليها.
مما يوضح أن المقتضيات الدستورية عملت على ترسيخ تقارب كبير بين -إرادة الأمة- الجسد المكون من الشعب والمرسخ من الإرادة المرسخة من خلال النقاش المفتوح والمتنوع، و-إرادة ممثلي الأمة-.
لهذا فإن المطلوب هو خلق شبكات وارتباطات فعلية بين ما يطلق عليه البلد الحقيقي والبلد القانوني. لأن التقارب الفعلي بين الإرادة العامة وإرادة ممثلي الأمة، يبقى وحده القادر على منح المغرب ديمقراطية ونظاماً مفتوحاً فعلياً على المجتمع وعلى الشعب.
ثالثاً) ثنائية الشعب الانتخابي والتمثيلية الوطنية هي القادرة على هزم الخماسي المكون من (التكنوقراط – محرري المشاريع – اللوبي الإداري – مكاتب الدراسات – الخبراء)
في الدراسة المهمة التي قام بها مجموعة من الباحثين الفرنسيين، والتي تمحورت حول الشروط الضرورية لبناء دولة الحق والقانون بفرنسا بعد فوز مرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي فرانسوا ميتران بالانتخابات الرئاسية، خلصت هذه الدراسة إلى أن تنزيل التغيير الذي طالبت به السلطة الانتخابية الفرنسية ومن ورائها الشعب الفرنسي يتطلب تمتين التحالف بين الشعب الانتخابي والتمثيلية الوطنية والحكومة المنبثقة عنها، من أجل امتلاك القوة لمواجهة التحالف المكون من الخماسي (التكنوقراط – محرري المشاريع – اللوبي الإداري – مكاتب الدراسات – الخبراء). الأكاديميون والباحثون في علم السياسة ومعهم المواطنون يتهمون قوى الدستور الإداري المكون من الخماسي المذكور أنهم يعملون على التعويض الفعلي للشعب الانتخابي والمجتمع من خلال فرض أجنداتهم ونظراتهم للعالم، مما يجعل السياسة في مأزق ويعرقل القدرة على التقدم إلى الأمام، ويعمل كذلك على مقاومة التغيير الذي ينشده الشعب الانتخابي. خصوصاً وأن القرن العشرين والقرن الواحد والعشرين يتميز بما يعرف بتصنيع القرار العمومي.
تصنيع القرار العمومي جعل أجهزة الدولة والإدارات الكبرى والقوية وشبكات التأثير تعمل على جعل القرار العمومي رهينة في أيديها، ومكّنها في الأخير من فرض مراقبة قوية لمراكز السلطة المنبثقة عن الانتخابات في البلد.
إذا كانت التمثيلية الوطنية لا تمثل إلا جزءاً قليلاً من الكتلة الناخبة (البلد القانوني)، الشيء الذي يجعلها عملياً لا تمثل إلا جزءاً قليلاً من الواقع، مما يرسخ عملياً التباعد الكبير بين المواطنين ومراكز القرار المنبثقة عن يوم الاقتراع (يقول المثل الصيني: الضفدع في قاع البئر لا يرى إلا جزءاً قليلاً من السماء ولكنه يعتقد أنه يرى السماء كاملاً). يضاف إلى هذا الواقع المرتبط بالصراع الذي ينشئ بين قوى الدستور السياسي وقوى الدستور الإداري الممثل بالخماسي المكون من (اللوبي الإداري – المكاتب الإدارية – محرري المشاريع)، حيث أن هذا الأخير يبقى متعوداً على استبعاد الإشارات التي لا تدخل ضمن تصوراته وكيفية قراءته للواقع. خصوصاً وأن ذكاءه الفئوي والذي يبقى بعيداً عن ترسيخ الحلول المتنوعة والتي تشمل الجميع (المجتمع)، مما يجعله عاجزاً عن القدرة على الترسيخ الفعلي للحلول المرتبطة بالذكاء الجماعي.
الخلاصة
من المفروض أن يشكل الاقتراع الأخير محطة أساسية في بناء ديمقراطية مغربية تعتمد على تعزيز الترابط بين الكتلة الناخبة (المجتمع) والتمثيلية الوطنية والحكومة المنبثقة عنها، حتى تستطيع التمثيلية الوطنية أن تبقى مرتبطة بالواقع والانتظارات المعبر عنها من طرف كافة المغاربة. لأن بناء المصلحة العامة يقتضي من المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع العام أن ترى في المواطنين (الكتلة الناخبة) مساهمين رئيسيين في بناء المصلحة العامة.
الإصلاح الدستوري عمل على خلق الثنائية المكونة من الشعب (الإرادة العامة) وممثلي الشعب، وعمل على القيام بالربط بينهما (الشعب – ممثلي الشعب). وحده هذا الربط من سيعيد ربط الزمن الانتخابي بزمن الحكم من خلال تعزيز الروابط التي تعزز الوحدة بين (الشعب – ممثلي الشعب).
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.