البرامج الانتخابية للأحزاب المغربية: من اقتصاد الوعود إلى اقتصاد الالتزام والمساءلة
تكتسي الانتخابات التشريعية لسنة 2026 أهمية خاصة، ليس فقط لأنها ستحدد ملامح الأغلبية الحكومية المقبلة، وإنما لأنها تأتي في سياق اقتصادي واجتماعي دقيق تتقاطع فيه تحديات التشغيل والقدرة الشرائية والحماية الاجتماعية والصحة والتعليم والاستثمار والتحول الصناعي والماء والطاقة والعدالة المجالية. لذلك، فإن قراءة البرامج الانتخابية للأحزاب السياسية لا ينبغي أن تقتصر على رصد ما تتضمنه من وعود وشعارات، بل يتعين أن تتجه أساساً إلى اختبار مدى انسجام هذه الوعود مع الإمكانات الاقتصادية والمالية والمؤسساتية للمملكة، ومدى قابليتها للتحول إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس والتقييم. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى معرفة ما الذي ستقترحه الأحزاب، وإنما يحتاج، وبدرجة أكبر، إلى معرفة كيف سيتم تنفيذ هذه الالتزامات، وبأي موارد، وفي أي آجال، ومن سيتحمل مسؤولية تحقيقها.
ومن هذه الزاوية، فإن الإشكال الأساسي في عدد من البرامج الانتخابية لا يكمن في غياب الطموح، ولا في نقص المقترحات، وإنما في استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي والهندسة الاقتصادية للالتزامات. فالدستور المغربي يجعل البرنامج الحكومي وثيقة مؤسساتية مركزية، باعتبار أن الحكومة تتولى تنفيذ السياسات العمومية وتتحمل مسؤولية تدبيرها أمام البرلمان. وبالتالي، فإن البرنامج الانتخابي يفترض، من الناحية السياسية والمؤسساتية، أن يشكل الأرضية التي يمكن أن تتحول إلى برنامج حكومي متكامل بعد الانتخابات. غير أن الانتقال من برنامج انتخابي إلى برنامج حكومي يقتضي أكثر من تجميع المطالب الاجتماعية والاقتصادية؛ إنه يتطلب ترتيباً واضحاً للأولويات، وتحديداً دقيقاً للكلفة، ومصادر التمويل، والآجال، والجهات المسؤولة عن التنفيذ، ومؤشرات قياس النتائج.
أولى الاختلالات التي تستحق التوقف عندها تتمثل في تضخم الوعود مقارنة بدرجة تفصيل آليات التنفيذ. فمعظم الأحزاب تتنافس على تقديم التزامات تتعلق بالتشغيل، ورفع الأجور، وتحسين القدرة الشرائية، وتطوير الصحة والتعليم، ودعم المقاولات، وتشجيع الاستثمار، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. وهذه كلها أهداف مشروعة وضرورية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول البرامج الانتخابية إلى قائمة طويلة من الطموحات من دون ترتيب واضح لما هو عاجل وما هو متوسط المدى وما هو استراتيجي، ومن دون بيان العلاقة بين هذه الالتزامات والموارد المتاحة. فالبرنامج السياسي الجاد لا يقاس بعدد الوعود التي يتضمنها، وإنما بقدرته على تحديد الأولويات والاختيارات التي لا يمكن لأي حكومة أن تتجنبها.
ويظهر هذا الأمر بشكل واضح في موضوع التشغيل، الذي أصبح أحد أهم محاور الخطاب الانتخابي. فقد رفعت بعض الأحزاب سقف الطموح إلى خلق مليون منصب شغل خلال الولاية المقبلة، وهو هدف يعكس مركزية التشغيل في انتظارات المجتمع المغربي. غير أن الرقم، في حد ذاته، لا يكفي لتقييم جدوى السياسة المقترحة. ومن أهم التساؤلات المرتبطة بإشكالية التشغيل: ما القطاعات التي ستخلق هذه الوظائف؟ وما حجم الاستثمار الذي يتعين تعبئته؟ وما معدل النمو الضروري؟ وما مستوى الإنتاجية المفترض؟ وما دور المقاولات الصغيرة والمتوسطة؟ وما العلاقة بين التكوين وهذه الوظائف؟ وما حصة الوظائف التي ستأتي من الاستثمار الخاص مقابل الاستثمار العمومي؟ ثم كيف سيتم التعامل مع التدفقات الجديدة إلى سوق الشغل نتيجة التطور الديمغرافي؟ هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية، بل هي جوهر السياسة الاقتصادية للتشغيل.
وتزداد أهمية هذا النقاش عندما نضع الوعود الانتخابية أمام حقيقة سوق الشغل المغربي. فقد أظهرت معطيات المندوبية السامية للتخطيط استمرار اختلالات هيكلية في سوق العمل، من بينها ارتفاع البطالة والشغل الناقص، وضعف مشاركة النساء، وصعوبة إدماج الشباب وحاملي الشهادات. كما أن التحول المنهجي الذي عرفه البحث الوطني حول التشغيل سنة 2026 يستدعي قدراً أكبر من الحذر في مقارنة الأرقام عبر السنوات. وبالتالي، فإن المطلوب من البرامج السياسية ليس فقط تحديد عدد المناصب المراد خلقها، وإنما بناء منظومة اقتصادية مولدة ومستدامة لفرص الشغل، تقوم على الاستثمار والإنتاجية والتصنيع والتكوين والابتكار وتحسين مناخ الأعمال وتوسيع قاعدة المقاولات القادرة على خلق وظائف مستقرة ولائقة.
والأمر نفسه ينطبق على القدرة الشرائية. فقد أصبحت هذه القضية في صلب الخطاب الانتخابي، سواء من خلال رفع الأجور أو تحسين المعاشات أو توسيع الدعم الاجتماعي أو مراجعة بعض الإجراءات الجبائية. غير أن القدرة الشرائية لا تختزل في الأجر، وإنما ترتبط بمستوى الإنفاق بعد احتساب التضخم وتكلفة السكن والنقل والطاقة والغذاء والصحة والتعليم والخدمات الأساسية. ولذلك، فإن أي سياسة تهدف إلى تحسين مستوى معيشة المواطنين يجب أن تتعامل مع الدخل والتكاليف والأسعار والإنتاجية والتحويلات الاجتماعية باعتبارها عناصر مترابطة. فرفع الأجور دون تحسين الإنتاجية قد يرفع تكاليف الإنتاج، كما أن دعم الدخل دون معالجة بعض مصادر ارتفاع تكلفة المعيشة قد يحد من الأثر الحقيقي لهذه الإجراءات.
ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من مقاربة جزئية للقدرة الشرائية إلى سياسة متكاملة للدخل. فالرفع المستدام لمداخيل الأسر لا يتحقق فقط عبر القرارات الإدارية المتعلقة بالأجور، وإنما كذلك عبر خلق وظائف ذات إنتاجية أعلى، وتحسين تنافسية المقاولات، وتطوير التكوين، وتشجيع الانتقال نحو القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتحسين فعالية النظام الضريبي، واستهداف التحويلات الاجتماعية بشكل أكثر دقة. كما أن معالجة تكاليف السكن والنقل والخدمات الأساسية يمكن أن يكون لها أثر مباشر على الدخل المتاح للأسر، وهو ما يجعل القدرة الشرائية قضية اقتصادية شاملة وليست مجرد ملف للأجور.
أما على مستوى المالية العمومية، فإن أحد أبرز الاختلالات التي ينبغي أن تخضع لها البرامج الانتخابية هو ضعف الربط الظاهر في بعض الحالات بين الالتزام ومصدر تمويله. فرفع الأجور، وتوسيع التوظيف العمومي، وبناء المستشفيات والمدارس، ودعم المقاولات، والاستثمار في البنية التحتية، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، كلها تحتاج إلى موارد مالية. وفي المقابل، فإن تخفيض الضرائب أو الإعفاءات الجبائية يعني أيضاً موارد أقل للخزينة. ولذلك لا يمكن التعامل مع البرامج الانتخابية باعتبارها مجموعة من الالتزامات المنفصلة عن القيود المالية. كل وعد له كلفة، وكل اختيار له تكلفة فرصة، وكل زيادة في الإنفاق يجب أن تجد لها مصدراً مستداماً للتمويل.
وتكمن أهمية هذه المسألة في أن المغرب يدخل المرحلة المقبلة وهو مطالب في الوقت نفسه بمواصلة تمويل الدولة الاجتماعية، وتسريع الاستثمار العمومي، وتقوية البنية التحتية، ودعم القدرة الشرائية، وتحسين التعليم والصحة، والحفاظ على استدامة المالية العمومية. ومن ثم، فإن البرامج الانتخابية مطالبة بأن تكون أكثر وضوحاً في تحديد أولويات الإنفاق، وأن تميز بين ما يمكن تمويله من الميزانية العامة وما يمكن أن يضطلع به القطاع الخاص أو المؤسسات العمومية أو الشراكات بين القطاعين العام والخاص. فالمطلوب ليس فقط الإعلان عن كلفة البرامج، وإنما شرح هندستها المالية والاقتصادية.
وتظهر أهمية هذا الاختبار في بعض البرامج التي أعلنت بالفعل عن كلفة إجمالية لالتزاماتها. غير أن الإعلان عن رقم إجمالي، مهما كانت دقته، لا يمثل في حد ذاته نموذجاً للتمويل. فالمطلوب هو تفكيك الكلفة حسب السنوات والقطاعات، وتحديد الجزء الذي تتحمله الميزانية العامة، والجزء الذي يأتي من الاستثمار الخاص، وتحديد أثر الإجراءات المقترحة على العجز والمديونية، وبيان الافتراضات التي بنيت عليها الإيرادات المنتظرة. إن المواطن لا يحتاج إلى معرفة حجم الإنفاق فقط، بل يحتاج إلى معرفة من سيدفع الفاتورة وكيف سيتم ضمان استدامتها.
ويطرح المجال الاجتماعي بدوره سؤالاً مماثلاً. فقد أصبحت الدولة الاجتماعية محوراً أساسياً في الخطاب السياسي، وهو تحول إيجابي من حيث الاعتراف بأهمية العدالة الاجتماعية والحماية من المخاطر. غير أن الدولة الاجتماعية لا يمكن اختزالها في حجم التحويلات أو عدد المستفيدين، لأن جودة الخدمات العمومية تشكل جزءاً أساسياً من مضمونها. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة الصحية فقط بعدد المستفيدين من التغطية، وإنما أيضاً بسرعة الولوج إلى العلاج وجودته وكلفة الأدوية وتوفر الأطباء والتجهيزات. كما أن إصلاح التعليم لا يقاس فقط بعدد المدارس أو حجم الميزانية، وإنما بمستوى التعلمات، ومعدلات الهدر المدرسي، وجودة التكوين، والقدرة على الانتقال من التعليم إلى سوق العمل.
ومن ثم، فإن أحد أوجه القصور في البرامج الانتخابية يتمثل في الحاجة إلى الانتقال من منطق الالتزام بالإنفاق إلى منطق الالتزام بالنتائج. فالسياسة العمومية الحديثة لا تكتفي بتحديد الموارد التي ستعبأ، وإنما تحدد النتائج التي يفترض أن تتحقق مقابل هذه الموارد. ولذلك، فإن كل برنامج انتخابي جاد ينبغي أن يتضمن مؤشرات واضحة تسمح للمواطن والبرلمان والمؤسسات الرقابية بقياس درجة التنفيذ. فإذا كان الهدف هو تحسين الصحة، فما المؤشر الذي سيقيس ذلك؟ وإذا كان الهدف هو خلق فرص الشغل، فما نوعية هذه الوظائف وأجورها واستدامتها؟ وإذا كان الهدف هو إصلاح التعليم، فما النتائج المنتظرة بعد سنة وثلاث سنوات وخمس سنوات؟
وفي المجال الصناعي والاستثماري، فإن التحدي لا يتمثل فقط في مواصلة جذب الاستثمارات، وإنما في أثرها التنموي الداخلي. لقد تمكن المغرب من بناء قاعدة صناعية مهمة في السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية وغيرها، غير أن المرحلة المقبلة تتطلب تعميق سلاسل القيمة المحلية ورفع المحتوى المحلي ونقل التكنولوجيا وربط الاستثمار الأجنبي بالمقاولات المغربية. فنجاح السياسة الصناعية لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاستثمارات المعلنة، وإنما بعدد الوظائف النوعية التي تخلقها، وحجم القيمة المضافة المحلية، وعدد الموردين المحليين الذين تدمجهم، ومستوى التكنولوجيا التي تنقلها، وقدرتها على تعزيز الصادرات وتحسين الإنتاجية.
وهنا تبرز قضية أخرى لا تحظى دائماً بما يكفي من الاهتمام في البرامج الانتخابية، وهي المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة. فهذه المقاولات تشكل جزءاً أساسياً من النسيج الاقتصادي ومن القدرة على خلق فرص الشغل، لكنها تواجه تحديات التمويل، والولوج إلى الأسواق، والجباية، والتحول الرقمي، والموارد البشرية، والتنافسية. لذلك فإن أي برنامج يضع التشغيل في صلب أولوياته دون سياسة متكاملة تجاه هذه المقاولات سيظل معرضاً لثغرة هيكلية، لأن الوظائف لا تُخلق في فراغ وإنما داخل مؤسسات اقتصادية قادرة على الاستثمار والإنتاج والنمو.
ومن الاختلالات التي تستوجب كذلك النقاش عدم وضوح توزيع المسؤوليات المؤسساتية في بعض الالتزامات. فهناك فرق بين ما تستطيع الحكومة اتخاذه مباشرة، وما يحتاج إلى تشريع برلماني، وما يتطلب إصلاحاً إدارياً، وما يدخل في اختصاص الجماعات الترابية، وما يعتمد على القطاع الخاص أو المؤسسات العمومية. ولذلك، فإن البرنامج الانتخابي الذي لا يحدد آلية التنفيذ والجهة المسؤولة والجدول الزمني يظل عرضة لأن يتحول إلى التزام سياسي عام يصعب قياسه ومساءلة أصحابه عنه.
كما أن البرامج الانتخابية تحتاج إلى تعزيز بعدها الترابي. فالمغرب ليس اقتصاداً واحداً متجانساً، بل فضاء تتباين فيه فرص الاستثمار والتشغيل ومستويات التنمية والبنيات الأساسية بين الجهات. ولذلك، فإن سياسة وطنية للتشغيل أو الاستثمار لا يمكن أن تكون نسخة واحدة تطبق بالطريقة نفسها في جميع المجالات الترابية. المطلوب هو ربط البرامج الاقتصادية بخصوصيات كل جهة، وبمؤهلاتها الإنتاجية، وباحتياجاتها من البنية التحتية والتكوين والاستثمار. وهنا يمكن أن تصبح الجهوية المتقدمة إطاراً حقيقياً لإعادة توزيع فرص النمو، وليس فقط آلية إدارية لتوزيع الاختصاصات.
ويبقى أحد أهم الاختلالات المرتبطة بالحياة الحزبية هو ضعف الاستثمار في إنتاج المعرفة والخبرة والسياسات العمومية. فالحزب السياسي في الدولة الحديثة لا ينبغي أن يكون مجرد جهاز انتخابي يشتغل بكثافة خلال فترة الاستحقاقات، وإنما مؤسسة لإنتاج الأفكار والبدائل والسياسات. وهذه المسألة تكتسي أهمية خاصة في ظل تعقد القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه المغرب، من التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي إلى الانتقال الطاقي، ومن الأمن المائي إلى التصنيع، ومن إصلاح التعليم إلى إعادة هيكلة سوق الشغل. كل هذه الملفات تحتاج إلى خبرة متخصصة ودراسات أثر وتقييم للسياسات، وليس فقط إلى شعارات سياسية.
وفي هذا السياق، تكتسب المعطيات التي نشرها المجلس الأعلى للحسابات حول نفقات الأحزاب أهمية خاصة، ليس باعتبارها حكماً على جودة البرامج، وإنما باعتبارها مؤشراً يطرح سؤالاً مشروعاً حول حجم الموارد التي تخصصها الأحزاب لإنتاج الدراسات والأبحاث والخبرة. فإذا كان الحزب يريد أن يقود الحكومة ويصوغ السياسات العمومية، فمن الطبيعي أن يحتاج إلى مراكز دراسات وخبراء ولجان موضوعاتية وآليات لتقييم السياسات. الديمقراطية السياسية تحتاج إلى ديمقراطية معرفية موازية، لأن جودة القرار العمومي ترتبط في نهاية المطاف بجودة المعرفة التي يستند إليها.
إن النقد الموضوعي للبرامج الانتخابية لا يعني التقليل من قيمة الطموحات التي تحملها، ولا رفض المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي تعبر عنها. بل إن المطلوب هو الارتقاء بهذه الطموحات من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى العقد العمومي القابل للقياس والمساءلة. فالمواطن المغربي اليوم أكثر حاجة إلى برنامج يشرح الأولويات ومصادر التمويل والآجال ومؤشرات النتائج، من حاجته إلى برنامج طويل يضم عشرات الالتزامات غير المرتبة.
ومن هذا المنظور، فإن البرنامج الانتخابي الجيد ليس هو الذي يقدم أكبر عدد من الوعود، وإنما الذي يجيب بوضوح عن الأسئلة التي غالباً ما تغيب عن الخطاب الانتخابي: ما المشكلة التي نريد حلها؟ ما الهدف المحدد؟ ما الكلفة؟ من سيمولها؟ من سينفذها؟ متى ستنفذ؟ وما المؤشر الذي سيحدد نجاحها أو فشلها؟ هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تنتقل إلى قلب النقاش الانتخابي، لأن الديمقراطية لا تكتمل فقط بالتصويت، وإنما تكتمل أيضاً بقدرة المواطن على تقييم ما تم الوعد به وما تم إنجازه.
إن المغرب لا يحتاج في المرحلة المقبلة إلى تضخيم سقف الوعود، وإنما إلى رفع مستوى الدقة في الالتزامات. ولا يحتاج إلى أرقام أكبر، وإنما إلى أرقام قابلة للتحقق. ولا يحتاج إلى برامج أكثر صفحات، وإنما إلى برامج أكثر وضوحاً في الأولويات والتمويل والتنفيذ. فالتحدي الحقيقي للحكومة المقبلة لن يكون في صياغة خطاب سياسي جديد، بل في تحويل الاختيارات إلى نتائج ملموسة في التشغيل والدخل والصحة والتعليم والاستثمار والإنتاجية والعدالة المجالية.
وفي نهاية المطاف، فإن قوة أي برنامج انتخابي لا ينبغي أن تقاس بمدى قدرته على إقناع المواطن أثناء الحملة الانتخابية، وإنما بقدرته على الصمود أمام اختبار الواقع الاقتصادي والمالي والمؤسساتي بعد الانتخابات. فالبرنامج الذي لا يحدد مصادر تمويله يظل ناقصاً، والبرنامج الذي لا يحدد آجاله يظل مؤجلاً، والبرنامج الذي لا يحدد مؤشرات نتائجه يظل صعب المساءلة. أما البرنامج الذي يجمع بين الطموح والواقعية، وبين الرؤية والحساب، وبين الالتزام وآليات التقييم، فهو الذي يمكن أن يتحول فعلاً إلى أداة للحكامة والتنمية.
لقد آن الأوان للانتقال من اقتصاد الوعود إلى اقتصاد الالتزام، ومن ثقافة الإعلان إلى ثقافة النتائج، ومن المنافسة على عدد الوعود إلى المنافسة على جودة السياسات العمومية. فالمواطن لا يريد فقط أن يعرف ماذا ستفعل الأحزاب؛ بل يريد أن يعرف كيف ستفعل، وبأي موارد، وفي أي آجال، وكيف ستُحاسب على ما وعدت به. وهذه، في جوهرها، ليست فقط مسألة انتخابية، وإنما قضية حكامة وديمقراطية وتنمية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.