النصوص الموازية وأبعادها في ديوان «أزهار تقلدني في السقوط» لعلية الإدريسي
تشتغل النصوص الموازية في ديوان “أزهار تقلدني في السقوط” للشاعرة علية الإدريسي البوزيدي كجهاز دلالي يسبق القصيدة ويوجه قراءتها. فالعنوان، والإهداء، وعناوين النصوص الداخلية وطريقة انتظامها… جميعها تؤسس منذ البداية لعالم شعري مخصوص تتجاور فيه الحياة والموت، الطفولة والفقد، الماء والجثة، الزهرة والسقوط، على نحو يجعل التضاد والتناقض نفسه البنية العميقة للديوان.
يعتبر العنوان أول هذه المفاتيح وأكثرها كثافة “أزهار تقلدني في السقوط”، فالمفارقة تنشأ من الجمع بين “الأزهار” بما تستدعيه من تفتح وحياة وجمال، وبين “السقوط” بما يحمله من انطفاء وانحدار وموت. غير أن العلاقة بينهما أكثر تعقيدًا: ليست الذات هي التي تقلد الأزهار في الذبول، بل الأزهار هي التي تقلد الذات في السقوط. بذلك تنقلب العلاقة المألوفة بين الإنسان والطبيعة، فالأنا تصبح الأصل والطبيعة انعكاسًا لمصيرها. إننا أمام ذات بلغ سقوطها حدًّا صار معه العالم الخارجي يتعلم منها كيفية الأفول. فالعنوان بهذا المعنى يقترح أنطولوجيا كاملة للديوان تتمثل في أن الوجود نفسه مهدد بالسقوط، والجمال أحد أشكال الفناء الأكثر رهافة، ويؤكد المتن هذه المفارقة حين يجمع باستمرار بين العشب والصرخة، المطر والمقبرة، البحر والغرق، الزهرة والجنازة.
ثم يأتي الإهداء، بالغ القصر: إليك طبعًا.. وهذه العبارة، على بساطتها، من أكثر عتبات الديوان مراوغة. فالضمير «إليك» يخلق مخاطَبًا، لكنه يمتنع عن تسميته. أما «طبعًا» فتمنح العلاقة طابع البداهة، كأن القارئ يجب أن يعرف مسبقًا من يكون هذا الـ«أنت». غير أن القراءة المتقدمة للديوان تجعل هذا المخاطَب يتشظى: أهو الحبيب؟ الأب الغائب؟ الموت؟ الذات الأخرى؟ إن الإهداء يفتح منذ البداية فجوة في الهوية، ثم تأتي القصائد لتملأها وتُفرغها بالتناوب. وحين تقول الشاعرة في أحد النصوص:
فعُدْ
أيها الموت
إني بغيرك لا أثق.
يصبح ممكنا أن نقرأ حتى ذلك «إليك» الأول في ضوء هذه العلاقة الغريبة بالموت باعتباره قرينًا حميميًا للذات.
وتؤدي عناوين القصائد وظيفة موازية شديدة الأهمية. تبرز كشظايا شعرية مستقلة: «عشب وصرخة»، «ماذا تفعل الأحزان في رأسي؟»، «من أين يأتي الموت؟»، «حبة مطر»، «كيف أعتذر؟»، «خلف باب يتيمة»، «ما الذي يحدث في الجنة؟». إن كثرة السؤال في هذه العناوين تكشف أن الديوان يصدر عن وعي مأزوم يسائل الوجود ويرجه. إنه شكل القصيدة نفسها. ولذلك فإن «من أين يأتي الموت؟» أعمق من سؤال سببي عن الموت: إنه سؤال عن مصدر العطب الذي يسكن الذات والعالم معًا.
وتزداد العتبات دلالة حين نلاحظ هيمنة معجم الموت: القبر، الجثة، الكفن، المقبرة، الغريق، الجنازة. لكن الديوان لا يبني «شعر موت» بالمعنى الرثائي البسيط. فالموت يخالط تفاصيل الحياة اليومية والطفولة والعائلة. في «خلف باب يتيمة» مثلًا، تجتمع الجثة والماء واليتم والجدة والأم والكفن في مشهد واحد، بحيث يصبح الموت جزءًا من الذاكرة العائلية لا واقعة منفصلة عنها. وفي «ما الذي يحدث في الجنة؟» يخرج الموت من التجريد حين تقول الذات إن الموت أخذ أباها بعدما دهسته شاحنة، ثم تستحضر رحيل الجدة وصلاة الجد. هنا نفهم أن الحضور الكثيف للموت في العناوين والصور ليس لعبة سوريالية مجانية، إنه إعادة تشكيل شعرية لذاكرة فقد مبكرة.
في مقابل الموت، يبرز الماء بوصفه العلامة الكبرى الثانية: البحر، المطر، الغيمة، النهر، الموج، الغرق. إلا أن الماء لا يؤدي وظيفة التطهير التقليدية، إنه مزدوج مثل العنوان نفسه: يمنح الحياة ويهدد بالغرق. تقول الذات:
لا يفترض بي أن أكون نهرًا
لكني أغرقت الطريق
حتى ازهر في دمعي السلمون.
هكذا تتحول العناصر الطبيعية من خلفيتها الرومانسية إلى أعضاء داخل جسد الذات: الطريق يغرق، الدمع يزهر، البحر يُفقد نصفه والغيمة تصبح هوية ممكنة.
ولهذا يمكن القول إن النصوص الموازية في هذا الديوان تؤدي وظيفة أعمق من التهيئة للقصائد: إنها ترسم خريطة الوعي الذي ينتجها. فمن العنوان المركزي إلى عناوين القصائد والإهداء، نجد ذاتًا تبحث عن نفسها بين المتناقضات: تريد الحياة وهي مأخوذة بالموت، تستدعي الأب من الغياب، تعود إلى الطفولة لكي تفهم المرأة التي صارت إليها، وتستعين بالطبيعة كي تقول ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله.
إن ديوان «أزهار تقلدني في السقوط» محاولة لتحويل السقوط إلى لغة. وهنا تكمن مفارقته الأجمل.. فالذات التي تقول إنها تسقط، تقاوم سقوطها بمجرد أن تكتبه. والزهرة التي تقلدها في السقوط تتحول، لحظة سقوطها، إلى قصيدة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.