بين شعرة معاوية والحقيقة الضائعة، تكفي التفاتة خاطفة إلى تخوم السياسة كي ينكشف ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الحكمة عن المناورة، والتبصر عن المراوغة، والقدرة على تدبير الاختلاف عن تحويله إلى حيلة لاستدامة المصالح. فشعرة معاوية، في دلالتها الرمزية، تستبطن ذكاءً في إدارة التوتر، وإبقاءً لمسافة ممكنة بين الخصومة والانفجار؛ غير أن استدعاءها في سياق سياسي مأزوم قد يتحول إلى ذريعة لتجميل المراوغة، حين تصبح المحافظة على التوازن غاية مستقلة عن الحقيقة، ويغدو تجنب المواجهة وسيلة لتأجيل المحاسبة. عند هذه العتبة، لا تعود السياسة فناً في تدبير الممكن، وإنما تصير إدارةً محسوبةً للمظاهر، تتقن إخفاء التصدعات أكثر مما تجتهد في معالجتها.
لقد أدرك أرسطو، منذ تأسيسه الفلسفي للسياسة، أن المدينة لا تستمد مشروعيتها من مجرد انتظام السلطة أو كفاءة تدبير المصالح، وإنما من اتصال الفعل السياسي بالخير المشترك والفضيلة. وحين تنفصل الممارسة عن غاياتها الأخلاقية، يفقد الحكم مبرر وجوده، وتتحول السلطة إلى امتياز تحرسه أدوات الخطاب والتأويل. وفي استعادة حديثة لهذا المأزق، يميز ماكس فيبر بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية، كاشفاً أن الفعل السياسي لا يُقاس بنبل الشعارات وحده، وإنما بما يتحمله صاحبه من تبعات قراراته وآثارها في حياة الناس. أما حين تتخذ المسؤولية شكل اعتراف لفظي لا يترتب عليه أثر، وتصبح الأخلاق لغةً لتبرير النتائج عوض مساءلة أسبابها، فإن السياسة تنزلق إلى منطقة ملتبسة، تتعايش فيها دعوى الفضيلة مع ممارسة نقيضها.
ماذا يتبقى من النضال إذن حين ينفصل عن القيم التي منحته معناه؟ وأي جدوى يمكن أن تحتفظ بها الممارسة السياسية حين يصبح الدفاع عن المواقع أسبق من الدفاع عن المجتمع، وحين تتحول كل أزمة إلى مناسبة لإنتاج الأعذار، وكل إخفاق إلى فرصة لإعادة توزيع المسؤوليات، وكل انكشاف إلى تمرين جديد في صناعة الرواية المضادة؟ إن الخطر لا يكمن في وقوع الخطأ وحده، فالتاريخ السياسي لا يخلو من الإخفاقات والتناقضات، وإنما في بناء منظومة من التبريرات تجعل الخطأ قابلاً للتكرار، وتحول المساءلة إلى خصومة، والنقد إلى استهداف، والحقيقة إلى وجهة نظر قابلة للتعديل بحسب مقتضيات المصلحة.
ولعل ميشيل فوكو يساعدنا على فهم هذا الانزياح من خلال تحليله للعلاقة بين السلطة وإنتاج الحقيقة؛ فالسلطة لا تكتفي بممارسة النفوذ، وإنما تسهم أيضاً في تشكيل الأطر التي يُفهم من خلالها الواقع، وفي تحديد ما يُسمح له بالظهور وما يُدفع إلى الهامش. ومن هذا المنظور، لا تعود الأزمة السياسية محصورة في الوقائع ذاتها، وإنما تمتد إلى الصراع حول تسميتها وتأويلها وتوزيع المسؤولية عنها. وحين تحتكر الجهات المتورطة حق تفسير إخفاقاتها، فإنها تسعى إلى التحكم في حدود الاعتراف بها، فتُحاصر الحقيقة داخل خطاب دفاعي، وتستبدل مساءلة الأفعال بمنازعة الآخرين في حقهم في الحكم عليها.
غير أن الحقيقة لا تُستنفد في الرواية التي تفرضها القوة، ولا تستعيد معناها بمجرد تداولها في المجال العام. فثمة هشاشة حقيقية واقعية أمام محاولات التلاعب المنظم، وإلى قدرة الكذب السياسي على إرباك المجال المشترك الذي يستند إليه الناس في تكوين أحكامهم.
وعندما يصبح إنكار الوقائع أو تحريفها جزءاً من استراتيجية الدفاع عن المواقع، لا تتضرر صورة الفاعل السياسي وحدها؛ إنما تتصدع الشروط التي تتيح للمجتمع أن يتشارك واقعاً يمكن الاحتكام إليه. عندئذ يغدو الخلاف أشد تعقيداً من مجرد اختلاف في التقدير، لأنه يتحول إلى نزاع حول ما حدث فعلاً، وحول من يملك حق تسميته، ومن يتحمل مسؤولية نتائجه.
في بلادنا، تكاد بعض الوقائع السياسية المتداعية تكشف هذا العري من وراء كثافة الخطابات التي تتوسل خدمة الوطن، وتستدعي المصلحة العامة، وتستعين بمفردات الإصلاح والنضال والتضحية لتأمين شرعية آخذة في التآكل. تختلف السياقات، وتتباين الخلفيات، وتتعدد مسارات الصعود والسقوط، لكن النتائج تتقارب على نحو يبعث على القلق: وعود تتآكل، وثقة تتبدد، ومسؤوليات تتوارى خلف ضجيج التأويلات، ومواطن يجد نفسه مرة أخرى أمام فجوة تتسع بين ما يُقال باسمه وما يعيشه في تفاصيل يومه. إن تكرار هذه المفارقة لا يكشف عن خلل عابر في أداء بعض الفاعلين، وإنما يضع معنى التمثيل السياسي ذاته أمام امتحان عسير.
أستحضر هنا أطروحة بيير بورديو حول الحقل السياسي والتمثيل، والتي تكتسب دلالتها النقدية؛ فالسياسة مجال تتنافس داخله القوى على احتكار حق الكلام باسم الآخرين، وتحويل التفويض الاجتماعي إلى رأسمال رمزي قابل للاستثمار. لكن هذا التفويض، مهما بلغت قوة وسائطه التنظيمية والخطابية، يظل مهدداً حين تنفصل مصالح الممثلين عن انتظارات من يمثلونهم. فالتمثيل الذي لا يعود إلى المجتمع بالمحاسبة والإنصات والاستجابة يتحول تدريجياً إلى استحواذ على صوته؛ ويغدو المواطن، الذي يفترض أن يكون مصدر الشرعية، مجرد مستودع مؤقت للأصوات والانتظارات، يُستدعى عند الحاجة ثم يُترك لمواجهة الخيبات منفرداً.
وإذا كان يورغن هابرماس قد ربط مشروعية السياسة بإمكان التواصل العمومي الحر، حيث تتعرض الادعاءات للفحص والنقد وتُختبر الحجج بعيداً عن الإكراه، فإن الممارسة التي تستبدل النقاش بتدبير الانطباعات تقوض الأساس الذي يمنح القرار العام قابليته للتبرير. فحين تنكمش السياسة إلى خطاب تعبوي، ويُستعاض عن الحجة بالاستقطاب، وعن الاعتراف بالخطأ بتعبئة الأنصار، لا يعود المجال العمومي فضاءً لتكوين الإرادة المشتركة، وإنما يتحول إلى مسرح تتواجه فوقه روايات متنافسة، لكل منها جمهورها وحقيقتها المنتقاة. وفي هذه الحال، لا ينتصر المجتمع من خلال انتصار طرف على آخر؛ بل يخسر قدرته على بناء معيار مشترك للمساءلة والحكم.
أما كارل بولاني، فيتيح لنا أن نرى وجهاً آخر للأزمة، يتصل بما تفعله التحولات السياسية والاقتصادية حين تُخضع شروط الحياة الاجتماعية لمنطق المصالح المجردة. فالمجتمع لا يستطيع أن يظل طويلاً محتملاً لكلفة الاختلالات من دون أن يبحث عن سبل لاستعادة الحماية والمعنى. والمواطن الذي تتراجع ثقته في السياسة لا يفعل ذلك بالضرورة لأنه فقد اهتمامه بالشأن العام، وإنما قد يكون قد استنفد رصيده من الانتظار، بعد أن اكتشف أن اللغة التي وُعد من خلالها بالخلاص لا تغير الشروط التي تنتج معاناته. ومن هنا يصبح التآكل الذي يصيب الثقة السياسية أعمق من تراجع شعبية حزب أو نفور عابر من مسؤول؛ إنه مساس بالعلاقة التي تربط الفرد بإمكان الفعل الجماعي، وبقدرته على الاعتقاد أن مشاركته قد تحدث فرقاً في مصيره.
ولعل المفارقة الأكثر إيلاماً أن المواطن لا ينسحب دائماً من السياسة انسحاباً معلناً. فقد يتظاهر بالإيمان بخطاباتها في لحظات العسر، ويتشبث ببصيص أمل كلما لاح احتمال للتغيير، ثم يعود إلى خيبته حين تتبدد الوعود وتستعيد الآليات القديمة قدرتها على إعادة إنتاج نفسها. إنه تردد بين الحاجة إلى الأمل والخوف من تكرار الخذلان؛ بين الرغبة في استعادة جذوة الحياة والإحساس بأن المجال الذي يُفترض أن ينظم شروطها لا يمنحه سوى أسباب إضافية للارتياب. وفي هذا التردد تتجلى مأساة المواطن الذي لا يستطيع الاستغناء عن السياسة، لأنها تمس شروط عيشه وحقوقه ومستقبله، ولا يستطيع الاطمئنان إليها، لأن التجربة المتراكمة علمته أن المسافة بين الوعد والإنجاز قد تكون أوسع من قدرة الانتظار على الاحتمال.
هنا يحضر ألبير كامو، لا باعتباره منظّراً للسياسة بالمعنى المؤسسي، وإنما بوصفه مفكراً في حدود التبرير وفي المسؤولية التي تمنع الإنسان من تحويل الغايات إلى ذريعة مفتوحة. فحين يُسوَّغ كل شيء باسم مشروع كبير، أو مصلحة عليا، أو ضرورة تاريخية، يصبح الفعل السياسي معرضاً للتحلل من القيود التي تمنحه مشروعيته الإنسانية. وما يستحق الدفاع عنه في السياسة ليس قدرتها على إنتاج الانتصارات الخطابية، وإنما قدرتها على مقاومة الإذلال، وصون كرامة الإنسان، والاعتراف بحدود القوة، وإبقاء المسؤولية حاضرة حتى في أشد لحظات الصراع تعقيداً.
إن المأزق، في جوهره، لا يتعلق بانكشاف الحقيقة وحده، وإنما بما يلي انكشافها: هل تتحول إلى بداية للمراجعة، أم تُستوعب داخل آلة التبرير حتى تفقد قدرتها على إحداث أي تغيير؟ وهل يكون الاعتراف بالخلل مدخلاً إلى إصلاح شروطه، أم مجرد مناورة لاستعادة التوازن وإغلاق الملف؟ إن الفرق بين الحالتين هو الفرق بين سياسة تتعلم من أزماتها وسياسة تتخذ من الأزمات وسيلة لإدامة وجودها؛ بين مسؤولية تقبل المحاسبة وتبرير يتقن الإفلات منها.
إن شعرة معاوية، حين تنفصل عن الحكمة وتُستعمل لتأجيل الحقيقة، لا تحمي التوازن السياسي بقدر ما تؤجل لحظة انكشاف اختلاله. وكلما اتسعت المسافة بين الخطاب والممارسة، وبين التفويض والمصلحة، وبين ادعاء خدمة الوطن والقدرة الفعلية على خدمة مواطنيه، تضاءلت فرص التعافي، وتراجعت إمكانات استعادة الثقة. فالمجتمعات لا تستعيد إيمانها بالسياسة من خلال تحسين صورتها أو مضاعفة وعودها، وإنما حين ترى أثراً ملموساً للمساءلة، واتساقاً بين القول والفعل، واستعداداً لتحمل المسؤولية من دون الاحتماء بالذرائع.
وفي نهاية هذا النفق، يبقى المواطن الضحية الأولى، لا لأنه عاجز عن الفهم أو فاقد للقدرة على التمييز، وإنما لأنه يتحمل، في حياته اليومية، الكلفة الفعلية لتناقضات لا يملك دائماً سلطة تصحيحها. ومع ذلك، فإن تراجع ثقته لا يعني بالضرورة موته السياسي؛ فقد يكون، في بعض لحظاته، شكلاً من أشكال الاحتجاج الصامت على سياسة استهلكت رصيدها الأخلاقي. لكن هذا الصمت قد يتحول إلى عزوف مستقر إذا استمرت الخيبات في مصادرة إمكان التغيير، وإذا ظل الأمل يُستدعى لتأجيل المحاسبة بدلاً من أن يكون قوة تدفع إليها.
إن الحقيقة التي تضيع بين شعرة معاوية ومناورات السياسة لا تستعيد مكانها بمجرد كشف الأقنعة؛ إنها تحتاج إلى شروط أخلاقية ومؤسسية تجعل الاعتراف ممكناً، والمساءلة نافذة، والتغيير قابلاً للتحقق. فالوطن لا يُخدم بتكرار اسمه في الخطب، ولا يُصان بتحويل النقد إلى خصومة، ولا تُستعاد ثقة مواطنيه بتدوير الأعذار. إنما يبدأ التعافي حين تكف السياسة عن مطالبة المجتمع بتصديق روايتها، وتقبل أن تخضع هي نفسها لامتحان الحقيقة. وما عدا ذلك، ليس سوى إطالة للمسافة بين المواطن وحقه في أن يرى السياسة فعلاً عاماً يستحق ثقته، لا وعداً مؤجلاً يعيد إنتاج خيبته.