الوضع الاستعماري في المغرب خلال الحرب العالمية الثانية (2/3)

الوضع الاستعماري في المغرب خلال الحرب العالمية الثانية (2/3)
الخميس 22 أكتوبر 2015 - 22:13

وأما بالنسبة للرأي العام السائد لدى المغاربة المسلمين، فقد ورد في تقرير صادر عن مكتب الاستخبارات الإقليمي بالأطلس المتوسط بتاريخ 13 شتنبر1940 تقييما للوضع كما يلي:

“إن الجماهير المغربية المسلمة لا تعتبر أننا انهزمنا، فقد ظلت سطوة فرنسا قائمة في أعينها. و تعتبر أننا انسحبنا من الكفاح وننتظر الوقت المناسب لنواصل المعركة في ظروف أفضل. (….) أما الأعيان المثقفون فيعلمون أننا انهزمنا، ولكنهم يعتقدون أن ذلك يرجع في المقام الأول إلى غياب التنظيم و ضعف الاستعداد أكثر منه إلى قلة الجيوش أو المعدات”.

و لم يكن هذا التقييم في واقع الأمر سوى دعاية خفية حاولت الإقامة العامة نشرها خلسة من أجل التخفيف من وطأة الهزيمة الفرنسية في أعين المغاربة لكي يظلوا مؤمنين بقوة “السلطة الحامية”. و قد عانى الشعب المغربي بشدة من آثار الحصار البريطاني، خاصة على مادة السكر. وكانت هذه المادة توزع توزيعا مقننا بنسبة كيلوغرام واحد، في حين كان الاستهلاك العادي يتجاوز هذا المعدل بثلاث أو أربع مرات. كما تناقصت مادة الشاي في الأسواق. ولذلك كانت السلطات الفرنسية تخشى حدوث صحوة في الأوساط الوطنية المغربية رغم كون الوطنيين “الأكثر معارضة” كانوا حينها يوجدون تحت الإقامة الجبرية، مما دفع بالإقامة العامة إلى التعبير عن تخوفها كما يلي:

“يخشى أن يعاودوا عما قريب طرح مطالبهم التي كانت سنة 1934 موضوع مخطط الإصلاح الواسع الذي أعدته لجنة العمل المغربي، وفي حالة عدم الاستجابة لها، قد يستمعون لدعوات التحريض اليومية التي تتضمنها البرامج العربية التي تبث من مدريد و برلين” .

وكانت مراقبة الشيوعيين والجماعات اليهودية جد مشددة. وقد وافق الجنرال (نوكيس) على عملية “التطهير”، لكنه كان يرى أنه يجب القيام بها بالتدريج حتى لا “يتعرض للخطر الاتحاد الضروري بين كافة الفرنسيين في هذا الوقت بالذات”. و معلوم أن السلطان محمد الخامس رفض رفضا باتا خطة “التطهير” التي كانت تستهدف اليهود المغاربة. ومنذ 24 يوليوز1940، صرحت غرفة التجارة والصناعة بالدار البيضاء بأنها تساند المارشال (بيتان) بالإجماع. وأعلن بلاغ صادر في صحافة الحماية في 25 شتنبر عن إلغاء اللجان البلدية التي كانت حكومة (فيشي) تنتقد بشدة “حسها السياسي”، كما تم إلغاء سبع مناصب مدراء عامين والعديد من المكاتب: مكتب القمح، ومكتب المحاربين ومعطوبي الحرب، ومكتب السياحة، ومكتب مراقبة الصادرات، إلخ… وتم إنشاء مركز اعتقال ببوعمران الذي كان مخصصا لاعتقال “الأفراد المشتبه في قيامهم بحملات مناهضة لحكومة فيشي”.

وكان عـدد المعتقلين يوم 10 شتنبر1940 يبلغ ستين شخصا، أغلبهم من الفرنسيين، من بينهم ثمانية عشر مستخدما في السكك الحديدية وتسع موظفين مستخدمين في المصالح العمومية. وبتاريخ 12 شتنبر، أودع في هذا المركز (دوريل) بصفته مندوبا، و(أبيشي) أستاذ بثانوية مكناس، وستة متعاونين بتهمة القيام “بحملات شيوعية”. كما تم القيام باعتقالات كثيرة في صفوف الفرنسيين أو الأجانب الذين كانوا يحاولون السفر إلى إنجلترا…

وفي 3 أكتوبر، توصل الجنرال (نوكيس) من حكومة (فيشي) بهذه البرقية:

“لا تترددوا في حظر(لابريس مروكين) لأجل غير مسمى إذا ما واصلت تمسكها بموقفها المناوئ للحكومة أو المناصر للإنجليز. ولقد اندهشت حينما علمت بوجود (جورج فالوا) ضمن محرري هذه الصحيفة، والذي يجب أن يكون إما في مركز اعتقال أو تحت الإقامة الجبرية”.

و بعثت الوكالة المغربية للإعلان والمعلومات في ليلة 29-30 شتنبر قصاصة أنباء من مراسلها بمدينة (كليرمون-فيران) لصحافة مجموعة (ماص) متضمنة الخبر التالي: “مدريد-29 شتنبر – وصل الصدر الأعظم لسلطان المغرب برفقة مجموعة من الوجهاء المغاربة أمس بعد الزوال إلى مدريد على متن طائرة”. وقد أثار هذا الخبر ضجة كبيرة في الأوساط المسلمة المغربية. لكن الجنرال (نوكيس) بادر على الفور بتصحيحه عبر الإذاعة والصحافة لوجود خلط بين شخص الصدر الأعظم للسلطان وشخص وزير خليفة السلطان بتطوان المعني بهذا الخبر. و كان السبب في هذا الخلط يرجع إلى ترخيص سلطات الرقابة المتروبولية التي أشرت على هذه القصاصة، مما دفع بسلطات رقابة الحماية إلى التأشير عليه دون تمحيص.

وهكذا اضطر الجنرال (نوكيس) إلى اتخاذ تدابير احتياطية جديدة في مجال الرقابة والتعتيم الإعلامي:

“كـل الأخبار المتعلقة بالعالم الإسلامي وإسبانيا تتم متابعتها باهتمام كبير جدا، وسأكون ممتنا للمديرية إذا قامت بالعمل على لفت انتباه مصالح الرقابة بشكل خاص إلى الانعكاسات التي يمكن أن تترتب عن مثل هذه الأخبار على الرأي العام المحلي بمستعمراتنا في شمال إفريقيا. و فيما يخصني، فقد أعطيت تعليماتي في هذا الشأن لمصلحة الرقابة بالمغرب”.

و حدثت مستجدات في منطقة النفوذ الاستعماري الإسباني : لقد استولت إسبانيا على مدينة طنجة منذ 14 يونيو 1940. وبالتالي، فإنه لم يعد هناك للمنطقة الدولية وجود رسمي. وفيما يتعلق بوضعية منطقة طنجة الجديدة وردود الفعل التي أثارتها في صحافة المنطقة الفرنسية، كتبت الصحيفة الإسبانية FE ما يلي:

“بعد صمت طويل، بدأت جرائد المغرب الفرنسي في إبداء تعليقاتها. ومن المفرح أن نسمعهم ينادوننا باسم “أصدقائنا الإسبان” (…) وكما لو كنا لا نزال في فترة الوضع الدولي، لا تفتأ الصحف تكرر علينا الشعار الذي حصلت فرنسا بفضله هنا على الهيمنة ألا وهو أن معظم الأملاك فرنسية، 490 شركة فرنسية تتوفر على عنوانها التجاري بطنجة، إلخ… لكننا لا نجهل الطريقة التي كانت تنشأ بها هنا الملكية الفرنسية، فمقابل فرنكات قليلة يتم شراء بعض الأمتار من الرمل وتتم بعد ذلك مباشرة عملية التوسعة الحضرية في اتجاهها بإيعاز من الإدارة الدولية التي يقودها أحد الفرنسيين، في حين يـُرفض إنجاز الأشغال الحضرية في الأحياء الإسبانية و ألآهلة بالسكان”.

وكانت لإسبانيا حجج أخرى تلح على تقديمها: “بالنسبة لنا لا تشكل رؤوس الأموال الحجة الأسمى. فإسبانيا يحركها أمر أسمى من هذه الاعتبارات، إنه مصيرها التاريخي الذي لا يمكن لأي حجة أن تشوهه أو يحول مساره أو يوقف تقدمه”.

ولقد أعـدت جريدة “إسبانيا”، في عددها الصادر بتاريخ 6 ديسمبر1940، تقريرا حول محاضرة ألقاها (خوسي ماريا كورديري) بمدريد بمندوبية التعليم حـول مناطق التأثير الإسبانية في إفريقـيا، وتحدث فيها عن “فضاء إسبانيا الحيوي بإفريقيا” حيث أكد على بعض “الحقوق” التي تمتلكها إسبانيا، حسب زعمه، في المغرب والجزائر الغربية. وخلال نفس المحاضرة، أعلن (أنطونيو طوبار)،المدير العام للتعليم التقني والمهني، وهو يتحدث عن توسع إسبانيا في إفريقيا، عن افتتاح شعبة الدراسات الاستعمارية التي تهدف إلى تكوين مراقبين مدنيين مساعدين قصد تعزيز عناصر الإدارة الاستعمارية الاسبانية بالمغرب.

وتحت عنوان “إسبانيا وإفريقيا”، نشرت مجلة “إفريقيا الإيطالية” في عددها الصادر في مايو- يونيو 1941 مقالا ورد فيه أن إمكانية عملية ضم المغرب المحتل إلى إسبانيا قد تحظى بالدعم الإيطالي:

“هناك وحدة جغرافية من جبال البرانص إلى جبال الأطلس، ومنظور تاريخي مشترك، وارتباط بين ثقافتين. و هذه المنطقة ليست أوروبة و ليست إفريقية، إنها بلد عبور في النظام الجغرافي ينتمي للثقافة العالمية. إنها منطقة تدعـو إلى وحدة المصير لكلا البلدين، إسبانيا والمغرب، اللذان استوطن شعباهما هذه المنطقة الجغرافية بشخصية متميزة تدعمها قوة طبيعية بعيدا عن الأحداث الطارئة ذات البعد السياسي أو العرضي “.

وكانت مطالب إسبانيا السياسية والترابية في إفريقيا حتى شهر نوفمبر 1942 موضوع حملة نشطة جدا بواسطة الكتب والدوريات المصورة والصحافة بشكل عام. وتتمثل أهم المؤلفات المتعلقة بهذه المطامح الاستعمارية الاسبانية فيما يلي: كتاب “المغرب” لمؤلفه (طوماس كارسيا فيكيراس)، وكتاب “المطالب الإسبانية” لكاتبيه (ألفونسو كارسيا فالديكاساس)، مستشار وطني، و(فيرناندو ماريا كاستيا)، أستاذ القانون الدولي، وكتاب “زمن المغرب في إسبانيا” لكاتبه (إينريكي أركيس)، وكتاب “مغرب الأندلس” لمؤلفه )رودولفو جيل بينوميا(، وهو مختص في القضايا العربية، وكتاب “الإمبراطوريات الاستعمارية” لكاتبه (خوسي سانيس راميريز).

وكانت الدوريات المصورة، ولاسيما “أفريكا” و”الموندو” و”دومينكو”، وكذا الجرائد اليومية كجريدة “إسبانيا” وجريدة “أريبـا” وجريدة “مدريد” و”بلتان برنس إستنجرا” وجريدة “بويبلو” وجريدة “الكزار” وجريدة “يا” و جريدة “أنفرماسيوسين”، قد أسهبت في التعليق على هذه المؤلفات على نحو ملتزم أكثر مما قام به مؤلفو هذه الكتب أنفسهم.

ولكن ابتداء من نونبر 1942، أصبحت الصحافة الإسبانية في مجملها حذرة في تناولها للوضع الاستعماري بالمغرب.

وضعية الحماية غداة إنزال القوات الأمريكية على السواحل المغربية

وسط الاندهاش العام، تم إنزال قوات الحلفاء بتاريخ 8 نونبر 1942 على السواحل الأطلسية المغربية. وسيطر الارتباك التام على مصالح سلطات الإقامة العامة و كذلك على الرأي العام. ورفض محمد الخامس مسايرة المقيم العام، الجنرال (نوكيس)، في مشروعه الرامي إلى الانسحاب داخل البلاد من أجل تنظيم عملية مسلحة ضد تقدم الحلفاء.

و في سنة 1943، قرر الوطنيون المغاربة بأن كفاحهم منذ آنذاك فصاعدا لم يعد ذا جدوى إلا إذا سعى إلى استقلال المغرب. وانتهت بذلك المطالب المنادية “بالإصلاحات”.

لقد أثارت الأحداث العسكرية الطارئة في 8 نونبر 1942 صدمة كبيرة في المغرب. هذا مع الإشارة إلى أن تأثير المفاجأة كان عاما، ولذلك سرعان ما فشلت المقاومة العسكرية التي أمرت بها سلطات الإقامة العامة. كما سادت الفوضى في الأوساط الأوروبية بالمغرب. وبسرعة مثيرة ظهرت في أوساط الرأي العام الأوروبي مشاعر الأنانية والمصالح الشخصية والكراهية الحزبية و الشكوك المتزايدة، مما ألقى بعدد كبير من فرنسيي المغرب في غياهب الريبة والانقسام. فتحرك منتمو الجبهة الشعبية، ومناصرو (فرنسا الحرة)، و نظموا يوم 11 نونبر في كل من الرباط والدار البيضاء مظاهرات ساهمت فيها بشكل رئيسي العناصر اليهودية، حسب التقارير الاستخباراتية.

كما كانت المفاجأة عامة في المنطقة الإسبانية حيث حطت على وجه الخطأ أربع طائرات نقل أمريكية قررت السلطات الإسبانية عدم السماح لها بالإقلاع. و كانت معدات وتجهيزات الجنود الأمريكيين، و سلوكهم الاستهلاكي، مثيرة للانتباه حيثما اتجه هؤلاء الجنود…

وطغت المشاكل الاقتصادية على الحياة اليومية في جميع أنحاء المغرب، وبشكل خاص في منطقة الاستعمار الفرنسي حيث تمثلت هذه الصعوبات في الحصار الغذائي و ارتفاع الأسعار و ندرة المنتجات الغذائية الأساسية، و لا سيما المواد الأولية مثل الشاي و السكر. كانت كميات القطن المتوفرة آنذاك أقل بكثير من حاجة المغاربة إليها و بأسعار جد مرتفعة، أما أثواب الأكفان فإن غيابها في العديد من نقط البيع قد دفع بالمغاربة إلى استبدالها بقطع من ملابسهم لدفن أمواتهم.

و رغم التغطية الدعائية التي قامت بها الصحافة و الإذاعة الموالية للإقامة العامة، و التعتيم الذي مارسته سلطات الرقابة، فقد عم الذعر و الهلع كافة المناطق المغربية الخاضعة للاستعمار الفرنسي.

وقد كان للتواجد الأمريكي القوي على التراب المغربي في مثل هذه الظروف وقع ملفت للنظر زادت من حدته مظاهر فخفخة الجنود الأمريكيين، مما خلف تأثيرات نفسية جمة ترجمت على مستوى سوق صرف العملات بطنجة بارتفاع ملموس للفرنك المغربي و انخفاض البسيطة من13 إلى 4 مقارنة مع الفرنك الفرنسي.

ومن جانب آخر، فقد ظل الرأي العام المسلم المغربي في حالة ترقب طيلة الأيام الأولى التي تلت الإنزال البحري الأمريكي ليوم 8 نونبر1942، و هذا هو تقييم السلطات الاستعمارية بهذا الصدد:

“و من جهتها فقد أثبتت الساكنة المسلمة من الشعب وراء سلطانها دعمها لفرنسا في حين أنه لا يزال هناك تخوف من ردود الفعل المحتملة لدول المحور حيث إن البعض يشك في احتمال أن يصبح المغرب بدوره مسرحا للقتال بين الحلفاء و القوات الألمانية، هذا بالإضافة إلى موقف اسبانيا غير المعروف بعد، والذي لا يمكن إلا أن يضاف إلى قائمة الانشغالات”

و في الأوساط الأوربية كانت هناك حركة معارضة لسلطات الإقامة العامة في طور التأسيس تحمل اسم “الجبهة الوطنية للتحرير” ، كانت تدعو عن طريق منشورات شديدة اللهجة إلى محاربة “الفرقة الأجنبية للمقاومين” و “قوات الأمن الأجنبية”. و قد ترتب عن أخبار إحراق أسطول (طولون) الفرنسي بتاريخ 16 نونبر وإلقاء القبض على الجنرال (فيكاند)، و من ثم نفيه إلى ألمانيا بتاريخ 20 و 26 نونبر، تشويش و ارتباك داخل أوساط المستوطنين الأوربيين بالمغرب.

إلا أن حدث سفر الجنرال (جيرو)، القائد الأعلى للقوات البرية و الجوية بالمناطق الإفريقية الخاضعة للاستعمار الفرنسي ( بتاريخ 11 و 16دجنبر)، كان من شأنه أن يهدئ النفوس قليلا، و قد تجلى ذلك من خلال خروج بعض الحشود إلى الشوارع في مدن الرباط و الدار البيضاء و مراكش و فاس للتعبير عن فرحتها و ارتياحها، كما استقبله السلطان يوم11 دجنبر1942.

لكن اغتيال الأميرال (دارلن) و تعيين الجنرال (جيرو) في منصب المفوض الأعلى لإفريقيا الخاضعة للاستعمار الفرنسي ( بتاريخ 24و 27دجنبر) شكلا حدثا تسبب في إثارة القلق مجددا و الشعور بعدم الاستقرار الذي طغى على مجموع بلدان إفريقيا الشمالية، فيما ساهم تقدم الحلفاء في إزاحة المخاوف.

و كما هو الحال بالنسبة للفرنسيين ذهل المغاربة لانتصار الجيش الثامن البريطاني حيث بدأت أولى مراحل انتصاره في (طبرق) يوم 13 نونبر، متبوعة بانتصاراته في (العقيلة) يوم 13 دجنبر و في (طرابلس) يوم 24 يناير، و كان ذلك على إثر انهزام الجيش الألماني بقيادة (رومل) و سقوط الإمبراطورية الإيطالية في أفريقيا.

و قد تابع جميع الفرنسيين المتواجدين بالمغرب تقدم الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال (ليكليرك) باهتمام كبير. وكانت عدة عوامل تدفع إلى تفاؤل معقول بفوز الحلفاء، و من بينها انتصار القوات الفرنسية على الجبهة التونسية، و القصف الجوي للمدن الايطالية و الألمانية، فضلا عن النجاح الملفت لقوات الهجوم الروسية. و قد خلف قصف الدار البيضاء بتاريخ 31 دجنبر 1942 مقتل 108 و جرح 23 شخصا، الأمر الذي استوجب القيام بحملة إعلامية يوم 10يناير1943 بنفس المدينة بغية تهدئة النفوس، حيث قام تنظيم يحمل اسم” دائرة دول التحالف” بافتتاح الحملة، و ذلك في مقر نادي السيارات بالمغرب و بحضور المقيم العام و اللواء (باتون)، أما في باقي المدن فقد كانت هناك تجمعات و هيئات مماثلة في طور التأسيس. و قامت محطات الإذاعة في دول المحور طيلة شهر يناير بدعوة سكان المدن الساحلية المغربية بشكل يومي للنزوح إلى وسط البلاد تفاديا للقصف الجوي التابع لقوات المحور، كما أعلنت هذه المحطات عن قرب إطلاق سراح سجناء مغاربة كانوا محتجزين لدى الألمان، و ادعت أنهم لم يتعرضوا طيلة مدة احتجازهم لسوء المعاملة من أي نوع كان…

و كانت المواضيع الأكثر تداولا في الأوساط الاستعمارية كالتالي:

– التعليمات الموجهة باسم الماريشال (بيتان) لما بعد 8 نونبر 1942
– تصريحات الأميرال (باتون) بعد عودته من تونس
– الأميرال (دارلان) في مواجهة الجنرال (دو غول)
-نداءات ضد كل جنرال “مجرم” و ضد الزعماء “الخاضعين للنفوذ اليهودي”
– تضحية الأرواح الفرنسية لفائدة المصالح الانغلوساكسونية

و أما المواضيع الأكثر تداولا في الأوساط المغربية المسلمة فقد كانت كالتالي:

– التدخل القريب و الكاسح لطيران دول المحور في إفريقيا
– رفض دعم النشاط الأنغلو- أمريكي و الذي يهدف بالأساس في نظرها إلى تعزيز هيمنة”العرق” اليهودي
– الوضع الخطير الذي خلفه الوجود الأميركي بالمغرب حيث سببت تصرفات عناصره اضطرابات داخل البلد من تحرش بالنساء و إهدار للموارد الغذائية و غير ذلك…

و من جهة أخرى، لقد تم تدارك النقص الحاصل في وسائل التشويش التي كانت تتوفر عليها سلطات الحماية بواسطة حملة إعلامية مضادة شفوية ومكتوبة في الأوساط الحضرية على الخصوص. و أصبحت مصالح الإعلام و الرقابة و البث الإذاعي بعد الإنزال البحري الأمريكي تعمل في إطار التعليمات الصادرة عن القيادة العليا في الجزائر العاصمة، و بتعاون يسوده نوع من الثقة مع السلطات الأمريكية.

و في سياق آخر، تم توجيه رسائل أمل عبر إذاعة راديو- ماروك إلى فرنسا التي وقعت تحت الاحتلال النازي، و تضاعفت نشرات الأخبار و محطات الإرسال في الجزائر التي أصبحت مركزا للمقاومة الفرنسية.

و في ماي 1943 أعدت هيئة الأركان الخاصة للجنرال (دو غول) تقريرا حول الإعلام بالمغرب، أشارت فيه إلى أن النظام المتبع بالمغرب هو نفسه نظام (فيشي)، فالتطور الذي عرفه الرأي العام لم يكن نتيجة العمل المتواصل و الدءوب للجرائد، و إنما هو تطور موجه بأمر من الإقامة العامة. و لم يخلو هذا التقرير من استنكار عمل المجموعة الإعلامية التابعة لرجل الأعمال (ماص) ، فموقف الجرائد التابعة لهذه المجموعة كان موقفا متحيزا، خاصة سنتي 1940 و 1943، إذ أن الانتهازية المؤكدة للاتجاه الذي كان يطبع صحافة مجموعة (ماص) كانت تدفع إلى ترجيح كفة الشك على كفة النية الطيبة في تعامل صحافة تلك المجموعة مع الأحداث. أما بقيت صحف الحماية فتأثيرها في الرأي العام كان شبه منعدم. و قد أشار التقرير إلى أن الإقامة العامة كانت متخصصة في المراوغة و في استغلال الظرفية، و حريصة على استبعاد تأسيس أي صحف إضافية، و قد تذرعت بعدد الصحف المرتفع، الشيء الذي أدى بها إلى اتخاذ قرار عدم الموافقة على تأسيس أي مجموعة جديدة قد لا تخضع لتعليماتها. أما بخصوص جريدة “بريس ماروكان” فإن الجنرال (نوكيس) نجح بذكاء في تحويلها إلى منبر عديم الجدوى. و الملاحظ هو أنه منذ وصول الأمريكيين لم تعد الإقامة العامة توجه التعليمات الأسبوعية المكتوبة إلى الجرائد كما تعودت على ذلك سابقا. كما أن الاستعانة ببعض الأساتذة الجامعيين البارزين، و كان من بينهم (بيير بوطونغ)، و (لويسينشي باسياليلي)، و (بوزو دي بورغو)، و (فانك برينتانو)، قصد الدعاية لفائدة مشروع “الاتحاد الفرنسي” لم تسفر عن نتائج ذات أهمية بالغة. و أضاف التقرير في هذا الموضوع :

“بما أن شراء و تفويت الصحف بالمغرب يخضع لإذن الإقامة العامة، نستطيع القول إنه للصحافة الحكومية وحدها الحق في الاستمرارية. و بذلك يكون الاستنتاج المنطقي الوحيد بخصوص تصريحات الجنرال (جيرو) بتاريخ 14 مارس 1943 حول الطابع الديمقراطي للسياسة التي ينهجها، و حديثه عن العودة إلى المساواة في إطار الجمهورية، استنتاج مبني على تصريحات لا توجد انعكاسات لها إطلاقا على مستوى حرية الصحافة “.

و قد كان برنامج “فرنسا المحاربة” في هذا السياق مجرد استمرارية للقانون القديم للصحافة مع بعض التعديلات الشكلية لا غير، على سبيل المثال : إلغاء الظهير الصادر بتاريخ 9 أكتوبر 1942 و إضافة نص استثنائي تم تقييمه على أساس أنه مستوحى من الأفكار النازية، و بالتالي يبدو جليا أن المقاومة الفرنسية كانت بحاجة ماسة لوضع سياسة إعلامية جديدة، و هذا معناه حسب نفس المصدر :

“ممارسة نوع من العلاج الشامل ضد السموم التي حقنت بها أفكار العامة، و ذلك عن طريق عرض الوقائع و الحقائق بشكل نزيه و محايد من دون أن ننسى أن معظم تلك الأفكار هي للفرنسيين الذين تربطهم علاقة بنظام من الواضح أن من وضعه هم أشخاص تم حشدهم بروح وطنية قوية، و لنتذكر معا أنه إن تمت محاربة فرنسا فذلك لأنها كانت في طليعة الدول الديمقراطية تقوم بدعم الدفاع عن مصالحها الدائمة في العالم و تؤكد على حرمة مجموع ترابها الوطني من أراض داخل حدودها الوطنية و أخرى في مستعمرات تابعة لها، كما تؤكد على حرمة الإمبراطورية الفرنسية بشكل عام، و تقوم بالكفاح من أجل الحفاظ على مكانتها المادية و المعنوية التي اكتسبتها في العالم منذ قرون من الزمن”.

لقد تم التطرق لكل هذه الموضيع من دون التلميح، و لو لمرة واحدة، لأي حق من حقوق و حريات المغاربة…

(يتبع)

*أستاذ التاريخ المعاصر وعلوم الإعلام والاتصال

مدرسة الملك فهد العليا للترجمة- طنجة
[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • الدليمي
    الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 08:45

    تجدد الاستبداد وشروط التغيير

    قد يكون فعل سنوات الجدب التي أعقبت مرحلة الاستقلال الوهمي بعد خروج الاستعمار خلال النصف الأول من القرن الماضي سببا أساسيا في خلق الأرضية التي نما عليها الاستبداد العربي وترعرع لكنها سنوات لا تنفي مسؤولية النخب العربية وعجزها عن تفعيل مرحلة التأسيس الواعي لنهضة حقيقية مثلما فعلت أمم أخرى غير بعيدة عنا كتركيا التي عانت عقودا من سطوة العسكر ومن حمى الانقلابات.

    محمد هنيد

  • محمد
    الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 10:54

    جمعة مباركة و عاشوراء مبارك و كل عام و انتم طيبون .

صوت وصورة
جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين
الجمعة 16 أكتوبر 2026 - 00:10

جلسة ماراطونية في ملف حامي الدين

صوت وصورة
صناع يتألقون في معرض الفرس
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:37

صناع يتألقون في معرض الفرس

صوت وصورة
سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 21:27

سفارة مصر تحتفل بذكرى أكتوبر

صوت وصورة
الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 19:53

الهوية المتوسطية بأكاديمية المملكة

صوت وصورة
يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 15:27

يوسف .. زراعة الرئتين أمل النجاة

صوت وصورة
معرض الفرس والسلامة الطرقية
الخميس 15 أكتوبر 2026 - 13:02

معرض الفرس والسلامة الطرقية