للثقافة أيضا أخلاقها

للثقافة أيضا أخلاقها
السبت 8 يوليوز 2017 - 11:53

-الثقافة منتوج شمولي، بشتى التصورات والأنماط والسلوكات…منتوج يتنامى ولا ينقطع على مدى الكون..فهي من تصنع مفاهيم الوجود والإنسان والتاريخ والمعرفة… وتمثل بتميزها شعوبا وحضارات وأجناسا…وحين تضيع، تضيع معها مقومات الإنسان وكيانه: الهوية والقيم والمثل والآفاق…من هنا فهي تمثل في موطنها خاصة، أدوارا ووظائف ومهنا وكل المسؤوليات النشيطة ، ذهنية كانت أو حركية…

– وانطلاقا من جوهرها هذا، يمكن أن نميز ونفصل بين كل من “ثقافة عالمة” و”ثقافة حالمة”.. على أن الأولى، مهما كانت، فهي”النحن” بما نمتلكه من أدوار ذات مصداقية لاختيارنا لها، كاحتراف وامتهان، سواء كانت تراثية أو حديثة.. وعلى سبيل المثال لا الحصر،الصناعات”التقليدية”والحرف اليدوية والخدماتية وغيرها من جهة..ومن أخرى كل التخصصات العلمية والدراسية، كالطب والتعليم والقضاء والهندسة وأنواع التقنيات، وأيضا الاشتغالات المؤسساتية والسياسية وكذا الجمعاوية، من جهة أخرى.. أما الثانية، أي “الثقافة الحالمة”، فهي كل ذائقة موهوبة وملهمة لذواتنا، بانفتاحها في/وعلى الكيان الذاتي الذي ترتبط به تنويرا وجماليا.. وقد تكون، دون حصر، إما هواية أو نشاطا فكريا أو أدبيا أو فنيا، فتمثل الرأسمال المعنوي للمجتمع، كالنقد والإبداع والفنون والرياضات… وإذا وعينا أخلاق هذه الطاقات والملكات، بإيجابية لديها، نحولها إلى وظائف نهواها، لتخدم رقي الأمة ذوقيا وتربويا..وهكذا يتموقع المثقف مسؤولا مبدئيا عن ثقافته، محبا ووفيا لها في الانتماء..فالمسألة إذن هي مسألة أخلاقيات الذات العارفة والماهرة والذواقة بما تتلقى وما تنتج، بوعي وحماس.

– وإجمالا فإن علاقة الثقافة بمن يتبناها أو يختارها بشتى أنواعها واختلافاتها، لا تتوطد إلا متى كانت تعلي صاحبها إلى مرتبة مثقف عضوي أو مثل يقتدى، ويكون هو جدير بها وبالدور الذي هي منوطة به،فيعتز بها ويوظفها لعلو شأنه أخلاقيا وشأن مجتمعه حضاريا

– هذه النماذج من الثقافات التي صنفت في السياق المذكور، هي من يتحمل مسؤولية المشروع الحضاري للمستقبل إن وجدت بأخلاقها،لأنها من أسس ومعالم نهضة الشعوب.. ولهذا فالثقافة بأخلاقها تبدأ من حيث يبدأ الاشتغال، فتقوده وتتماشى معه، وتشع فيه وتستنهضه… فكل مسؤول، كان رئيسا أو مرؤوسا،عاملا أو رب عمل، موظفا أو مديرا، وزيرا أو برلمانيا… هو مواطن قبل كل شيء بحسه وأخلاق ثقافته.. فالطبيب مثلا لا حصرا، له ثقافته تسبق الدخل لديه، وكذا الأستاذ والمحامي والقاضي والمهندس، بحيث لا يكون في حسبانهم القبلي إلا تطوير طرق الاستشفاء وإمكاناته، وتنمية مناهج التعليم ونجاعته، والدفاع عن الحقوق وتكريسها، والقيام بالعدل ونزاهته، وضبط التخطيط وإتقانه…ليتمكن الجميع من أداء مهمته بشكل مثالي ومبدئي.. فعندما تسند مأمورية ما، يجب أن توقظ في الذات، لدى الفرد أو الجماعة، شروط تفعيل المواطنة والتفاني فيها، إلى حد عدم التوقف عن النقد الذاتي، حتى لا يسمح كل فرد لنفسه بالتهاون أو التخلي أو الإهمال، إذ هو قبل كل شيء مسؤول على أخلاق مهنته، التي هي ثقافته، والتي تجعله يستحق كل تقدير…

– ولذا نتساءل أين منا نموذجا من أخلاقيات الثقافة هذه، ونحن نرى الإفساد ينخر جسد الوطن بأساليب غير مسؤولة، والجشع يسطو على مقدرات البلاد، والإهمال يشل التطور ويعدمه؟…فهل نرضى، بلا اكتراث، بأن نشاهد التخلف قابعا بجانبنا، دون إحساس أو غيرة على الوطن وأبناء الوطن… ثم، والحالة هذه، نغض النظر عن الضياع وهو يطال كل شيء في عقر الدار والانتماء، أطفالا وشبابا وطاقات؟ كما نرى، ونحن سعداء سلبا، الديموقراطية والعدالة الاجتماعية لا تستقيم أبدا في الوطن، فنصمت ونغفل، ونحتسي “نخب” اللحظة المزيفة ونرقص على الجراح.. إن أي شخص لا يؤمن بأخلاقيات ثقافته فهو لا يستحق مسؤوليته،إذا كانت هذه الثقافة لا تحترم نفسها وتعمى عن واقعها ؟..فمن لا تهذبه ثقافته لا قيمة له، ولها.. حبذا إذن لو تخلقت وتشبعت بثقافتها الصرفة كل نخبنا، فيبنون المستقبل، ملتزمين مع قواعدهم وأتباعهم والمشتغلين معهم، والذين هم تحت إمرتهم، ليربوا فيهم الاعتزاز بنجاح منجزاتهم، والافتخار بصعود نجم وطنهم..فهل يصح أن نتملص من واجباتنا ونتنكر لأخلاقيات ثقافاتنا؟ ..ثم، إلى متى نخاطب بعضنا بقول “أنت.. ولست أنا”؟

*باحث متخصص في علم الاجتماع

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • ع الجوهري
    السبت 8 يوليوز 2017 - 12:53

    ثقافة الفساد ليست لها أخلاق فالثقافة بمفهومها الشامل مثل تطبيق من تطبيقات الحسوب ولها وجهان واحد أخلاقي والآخر فاسد فيجب تحديد وجه الثقافة التي تتكلم عليها قبل التسائل عن هل لها أخلاق وشكرا

  • ابو الفارش
    السبت 8 يوليوز 2017 - 15:35

    الثقافة التي يتحدث عنها الاستاذ هي ثقافة العسة, اي ان العمال يعملون بتفان و الطبقة المعلومة تاكلها باردة, او ما يسمى ثقافة خدم ااتاعس من سعد الناعس.
    الاوضاع اصبحت مفروشة و لا يحتاج تفسيرها الى كثير من الفلسفة.
    نحن في حاجة الى ثقافة الفرشة, افرش ثم افرش ثم افرش ناهبي الثروة الوطنية!!!!!!!!

  • ديباجة المثقف
    السبت 8 يوليوز 2017 - 18:55

    دبج الكاتب والفيلسوف والموسوعي الفرنسي الشهير دنيس ديدرو؛ كتابه بعنوان "خواطر في التأويل للطبيعة" جاء في أوله ما يلي :"أيها الشاب : خذ واقرأ. فإن كان بوسعك بلوغ النهاية، فلن تجد أي صعوبة في قراءة أفضل من كتابي هذا. وبما أنني لا أتطلع إلى تثقيفك بقدر ما أحثك على الفعل والممارسة، فإنني لا أكترث لاعتناقك أفكاري من عدمه طالما هي تثير انتباهك. أحدهم أدهى مني بمقدوره أن يجعلك تتعرف قوى الطبيعة، ويكفيني أنا أن أجعلك تشعر بقواك أنت …".

  • المغرب الكبير
    الأحد 9 يوليوز 2017 - 00:55

    السلام عليكم ورحمة الله
    الثقافة منتوج شمولي بشتى التصورات والأنماط والسلوكيات .تعريف رائع..حبذا لو أعطانا الكاتب الموقر بعض الأمثلة لنفهم أكثر. لأهمية هذا المصطلح الذي غزا الحياة الثقافية ..نجد مثلا مصطلح المثقفون العرب او المثقفون الفرنسيون. هنا يلتبس الأمر نوعا..ما فالمادة التي سيقدمها هذا المثقف هي في مجال الشعر مثلا ..او الأدب والفكر..فماهي الأنماط الأخرى أو السلوكيات. التي تم ذكرها آنفا شكرا

  • ملاحظ*
    الأحد 9 يوليوز 2017 - 01:08

    إلى الأخ رقم 2
    بالنسبة لي يبدو أن المقالة تخاطب الجميع كل حسب قدرته، مركزة بالأخص على "النخب" التي يجب أن تعطي المثال لقواعدها.

  • ابو الفارش
    الأحد 9 يوليوز 2017 - 09:28

    الى الاخ ملاحظ*

    الملاحظ انه كلما اشارت يد ما للفساد يتم قطعها, و بدل فتح تحقيق في حق من تم اتهامهم بالفساد يتم سجن من فرشهم; و بهذا تعطي الدولة اشارة سيئة عن نوع "النخب" الذي تريد.

  • العربي ر.
    الأحد 9 يوليوز 2017 - 14:16

    إلى الأخ الفاضل رقم 4
    قسمت المقالة مكون الثقافة إلى صنفين، وقد أعطيت الأمثلة بشكل مدقق، وهما الثقافة العالمة والثقافة الحالمة..وهذه الأخير تعني الفكر والتربية والأدب والفن، وكلها تخدم ملكات الإنسان والمجتمع والفرد..تقوم التفكير وتنمي الإبداع وتطهر الذوق والوجدان وتهذب التلقي، الشيء الذي يعد مواطينين مؤهلين للابتكار والتطوير ونبذ المفاسد والتعلق بالواجبات والحقوق، شريطة أن تكون خطاباتها إنسانية وأخلاقية، ومنتظمة في إطار العدالة الاجتماعية والديموقراطية، والقبول بقيم الحوار والاعتراف بمصداقية الآخر..فلا يعقل أن يكون الشخص الحامل لتصورات الخير والجمال، أن يخون مبادئه ويتحول إلى جشع أو كاذب أو منافق أو غاش، وهو متنكر لما يدعيه من أقوال ورؤى

  • Chouf
    الإثنين 10 يوليوز 2017 - 00:27

    نعم لكل ثقافته.وكل واحد يفهم الثقافة من مركزه.الثقافة الوان.كل انسان له نظرة نحو الثقافة.وحتى الامي له شا ن و ربما اذ اجتمع الغني الجاهل ومثقف ولو يحمل شواهد.المظهر يغلب.صاحب الدرهم هو القوي.وفتش عن الثقافة واين هي قابعة.

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك
الأحد 1 نونبر 2026 - 21:00

حكايات ما تقالتش | السيناريست بشرى ملاك

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57

مبادرة "رفاه الحيوان"