على سبيل الاستهلال
العلاقات المغربية الإسبانية علاقات بسيطة ومركبة في الآن ذاته، فتاريخيا حكم الجوار الجغرافي على التعايش مدا وجزرا منذ أن حلت قوارب طارق بن زياد شواطئ الضفة الجنوبية. لقد فرض على إسبانيا تعايش لثمانية قرون كان فيها الغلبة للحضارة والثقافة العربية الإسلامية، حيث عوض الأمويون ما ضيعوه بالمشرق، وأثمر هذا التلاقي تلاقحا ثقافيا انصهرت فيه الدماء والأجناس والملل والنحل إلى أن توج بأندلس فردوس العرب والمسلمين المفقود إلى اليوم.
وكان علينا الانتظار حتى يسري الزمن في شرايين التاريخ الحديث لينقلب الغالب إلى مغلوب خاضعا للحماية في الشمال والجنوب قسمة مع الغالب الفرنسي، فبدون استحضار هذه المعطيات لا يمكن فهم طبيعة البساطة والتركيب في علاقة المغرب بجاره اللدود إسبانيا.
إلى حدود الأسبوع الماضي، كل شيء كان عاديا؛ فالحكومة الإسبانية اليمنية، بقيادة ماريانو راخوي، تدبر أزمتها الداخلية المتمثلة في مجابهة الانفصال السيادي لإقليم كاطالونيا بإشهار الفصل الشهير الـ155 من الدستور مركعة بذلك هواة الانفصال إلى قبول الأمر الواقع؛ وهو أن السيادة الترابية الإسبانية خط أحمر، مما استفاد منه الحزب الشعبي المسير لدفة الحكم بالرغم من فشله الذريع في رفع مؤشر التنمية والجواب عن مطلب رفع البطالة، منتشيا بإنجازه بالزج بالانفصاليين في السجن مستغلا الدعم الأوروبي والوضعية الموجودة عليها الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا من دائرة الأورو.
لم يكن يدور بخلد ماريانو راخواي، رئيس الحكومة الإسبانية، أنه سيغادر سدة الحكم قبل انتهاء ولايته، خصوصا بعد أن استطاع أن يصل إلى تمرير الاعتمادات بموافقة سيودادانوس والحزب الوطني الباسكي؛ وهو ما جعله ينتشي بهذا النصر ويلج رفقة بعض أعضاء حكومته إلى حانة قرب البرلمان للاحتفال بهذا الإنجاز.
في الجهة الأخرى من أحياء مدريد كانت الاجتماعات السرية على قدم وساق بين الاشتراكيين والوطنيين الباسكين والكاطاليين تعقد في أحد المطاعم بالعاصمة.
ثمانية أيام بالضبط، كما يروي الكاتب والصحافي كارلوس إ. في مقال منشور له في إلبايس عدد 03 يونيو 2018 حيث انقلبت الجلسة التي كانت تضم كل أعضاء حكومته عدا نائبته ساينث سانتا دي ماريا والكاتبة العامة دولوريس دي كوسبيدال مكثوا لساعات طوال والرئيس لا يفارق هاتفه النقال مترقبا ومتوجسا، انقلبت هذه الجلسة إلى طقس جنائزي الكل متجهم.
والواقع أنه في غضون ذلك الأسبوع كانت محكمة إسبانية أدانت رؤوس نافذة في الحزب الشعبي الحاكم بالفساد الإداري والمالي بارسيناس بـ33 سنة سجنا نظير تبيض أموال وتهريبها إلى الخارج والتلاعب بصفقات مالية سرية داخل الحزب مجهولة المصدر؛ وهو ما بات يعرف بالفضيحة/ غورتل.
إن اجتماع الاشتراكيين والوطنيين الباسكيين والكاطاليين إنما كان للتشاور والتداول في أمر سحب الثقة من الحكومة بطلب ملتمس الرقابة الأول من نوعه بعد عودة الديمقراطية إلى إسبانيا وانتهاء المرحلة الفرانكوية.
فكيف تأتى للقائد الشاب الاشتراكي بيدرو سانشيس خيستون من مواليد 20 فبرابر 1972 بمدريد .حاصل على دكتوراه في الاقتصاد والتدبير المقاولاتي أن يقنع الأطراف التي اجتمع بها ليحصل على عدد الأصوات ليتمكن من الإطاحة بغريمه ماريانو رخواي؟
سؤال لا بد على قدر من الأهمية، فما الذي سيمنحه هذا الأخير لتلك الأطراف إن مكنوه من أصواتهم؟
نخمن أنه لا بد أن يرضخ لبعض مطالبهم؛ وعلى رأسها :
– إطلاق سراح المعتقلين السياسيين الكاطاليين داخل البلاد وخارجها
– الاستجابة لرئيس كاطالونيا كيم بضمان الحق في تقرير المصير
– إرضاء الحزب الوطني الباسكي بإشراكه في الحكومة، خصوصا وصوته كان حاسما في ملتمس الرقابة.
ويبدو أن شانشيس قد طمأن الجميع؛ وهو ما جعل الباسكيين لا يمتنعون عن التصويت، بالرغم من ضغط رخاوي في آخر لحظة إنقاذا للموقف.
وأمام هذه المعطيات هل ستتأثر علاقة المملكة المغربية بأحداث جارتها أم لا؟
في تقديرنا المتواضع: نعم ولا: نعم لأن التركيبة الحكومية الإسبانية بقيادة الحزب الاشتراكي العمالي غير مريحة كي تتصدى لبعض مكونتها اليسارية والانفصالية (بوديموس والكطالان من اتخاذ موقف غير إجابي فيما يتعلق بقضيتنا الوطنية بالرغم من موقف الحزب الاشتراكي العمالي وقادته الذين يذهبون في اتجاه مناصرة المقترح المغربي حلا لقضية الصحراء المغربية.
ولا، لأن العلاقات الثنائية بين البلدين وباستقراء التاريخ القريب (جزيرة ليلى وزيارة الملك لمليلية ورسوغواصة في مليلية مؤخرا) لم يؤثر تأثيرا كبيرا؛ لأن لإسبانيا رؤية استراتيجية لعلاقتها بالمغرب؛ فهي أول مستثمر أوروبي بعد فرنسا، بها حوالي مليون من الجالية المغربية، عدا التعاون الوثيق في محاربة الهجرة السرية والإرهاب والمخدرات .
نرى بأن الدبلوماسية المغربية في حاجة مسيسة إلى تغيير مقاربتها في تعاملها مع إسبانيا من حيث فتح جسور التواصل الثقافي والإعلامي المتبادل، خصوصا وقد لوحظ لدى الأوساط الإسبانية تراجع اللغة الإسبانية وثقافتها في مناطق شمال المملكة؛ بل حتى على مستوى دراسة اللغة الإسبانية في التأهيلي الثانوي لم يعد لها ذلك الحضور الذي كان إبان الثمانينات مثلا وعلى صعيد تكوين الأساتذة للتدريس بالمؤسسات العمومية الثانوية فلقد أغلق جناح الإسبانية منذ قدوم العدالة والتنمية إلى الحكومة .
بيد أن إسبانيا لا يمكنها الاستغناء على الصيد في مياهنا، ولا التخلي عن فلاحتنا .
هكذا، إذا نكون أمام مرحلة أخرى دخلتها إسبانيا في تناوب غير متوقع من رئيس فضل ألا يحضر الاجتماع ملتمس الرقابة تاركا كرسيه الشاغر تملِأه الحقيبة اليدوية لنائبته سانينث دي سانتا مارية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.