الزحف الشعبوي

الزحف الشعبوي
صورة: أرشيف
الجمعة 15 أبريل 2022 - 20:31

في كتابه “عصر الصدام” أو الشجار، يتحدث الباحث الفرنسي كريستيان سالومون عن القرن 21 كحقبة تتميز بفقدان الثقة في الخطاب العام. انفجار “الويب” وصخب شبكات التواصل الاجتماعي أوصلا الرأي العام وكذا الخطاب السياسي إلى فقدان البوصلة والتشبث بلغة العنف عوض الإقناع. إنها ظاهرة عالمية ولا تقتصر على مجتمع معين، لكنها تشكل خطرا حقيقيا على مستقبل المجتمعات الديمقراطية.

الانتخابات الفرنسية في مرحلتها الأولى دليل آخر على أن المجتمعات، خاصة تلك الديمقراطية منها، تمر بمرحلة صعبة تطغى عليها المواجهة العنيفة وما يليها من تمزق في المواقف يفسح المجال لشعبوية اكتسحت القلوب وأعمت العقول: أكثر من ثلثي المصوتين في فرنسا اختاروا مرشحين متطرفين، سواء من أقصى اليمين أو أقصى اليسار.

الصراع السياسي في فرنسا أو في غيرها من الدول الديمقراطية أصبح منذ مدة طويلة أسير خطاب يغلب عليه طابع المواجهة الضارية نتيجة “التضخم” في المعلومات وفي الآراء التي أصبح هاجسها الأوحد هو قوة الظهور، وتكراره لـ”تحطيم حقائق” الآخرين عوض البحث عن الدقة والمصداقية.

ما هو واضح اليوم أن هذا “التضخم” المعلوماتي ولد عدم ثقة عام في كل مصادر الإعلام، مستبدلا إياها باستنباطات مؤامراتية لشرح التحولات التي يشهدها عالمنا المعاصر، كما أنتج مجموعة لا متناهية من “الخبراء والمختصين” الذين يفهمون كل شيء ويتكلمون في كل شيء دونما أي حرج أو خجل. النتيجة هي انتشار السطحية في معالجة مواضيع لها تأثير خاص وعميق في حياة الأفراد والمجتمعات.

فبقليل من التمعن في نتائج الانتخابات الأولية الفرنسية مثلا سيلاحظ المرء أن اليمين المتطرف بكل تنويعاته ربح ما يناهز ثلاثة ملايين ونصف مليون صوت مقارنة بانتخابات الجولة الأولى من سنة 2017. الحضور المستمر والقوي لإيريك زمور في وسائل الإعلام أعطى نتائجه الإيجابية حتى وإن كانت أقل مما توقعه هو وأتباعه.

هذه النتائج أفادت مارين لوبان، التي بدا خطابها أكثر رصانة مقارنة بذلك المستعمل من طرف زمور؛ وكلاهما يحاول تقديم نفسه كبديل لمنظومة سياسية تدافع عن مصالح النخبة في فرنسا، ناسيين أو متناسيين أنهما جزء لا يتجزأ من هذه المنظومة التي يزعمان محاربتها.

لوبان تقتات من العمل السياسي منذ صغرها، بل استفادت من الجبهة الوطنية التي أسسها والدها لترث خطابه وتطوره بما يخدم مصالح جد ضيقة مرتبطة أساسا بمصالح العائلة. وإيريك زمور استعمل المنظومة السياسية التي يهاجمها اليوم واستخدم أدواتها بكل مهارة لإشباع غروره الذي يبدو أكثر حجما من القيمة الثقافية التي يتبجح بامتلاكها.

الأمر نفسه يمكن قوله عن جان لوك ميلونشون، مرشح أقصى اليسار؛ فالرجل سبق له أن اشتغل وزيرا منتدبا مكلفا بقطاع التكوين المهني، بل إنه هو نفسه اعترف في كتاب نشره سنة 2012 بأنه كان عضوا في المجمع الماسوني الفرنسي، ما يعني أنه كان عنصرا متميزا من النخبة التي يدعو اليوم إلى محاربتها.

كل هذه الحيثيات لم تمنع الناخب الفرنسي من ترجيح كفة الخطابات المتطرفة، التي تبدو احتجاجا على وضع اجتماعي صعب أكثر منها بديلا لمنظومة سياسية ولدت خلال العقود الأخيرة تذمرا شاملا، خاصة بعد أزمة 2008 وبعد جائحة كورونا.

من هنا فما يبدو نتيجة للسطحية العامة التي أصابت الخطاب السياسي في الدول الديمقراطية، وجعلت الغالبية حذرة من كل شيء، نستنتج أن ما يتجلى فعلا هو أن هذه المجتمعات أصبحت أكثر سذاجة وقابلة للتلاعب بها من قبل أي دعوة، مهما كانت بساطتها، للتمرد العفوي وغير العقلاني. كما أن السياسي فهم أن اللغة الوحيدة لاستمرار وجوده في الساحة اليوم تمر أساسا عبر خطاب اصطدامي مستمر، حتى وإن كان ذلك على حساب التعايش السلمي الذي هو أهم أساس ترتكز عليه الديمقراطيات.

الانتخابات الفرنسية تتجلى بهذا الشكل كمختبر حقيقي لمدى قدرة الديمقراطيات على مقاومة هذا الزحف الشعبوي الذي ينخر مجتمعات نعتبرها نموذجا يقتدى به لبناء دول تسودها سلطة القانون والمؤسسات وليس نزوات الأشخاص. وأي تقويض للديمقراطية الفرنسية عبر تغليب الخطاب الشعبوي لن يكون في صالح الشعوب مهما كان هذا الخطاب مغريا وجذابا لمن فقد الأمل في التغيير.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • مغربي في فرنسا
    الجمعة 15 أبريل 2022 - 20:58

    كمغربي اعيش في فرنسا , الانخابات في فرنسا غريبة !
    غياب مواضيع الاقتصاد ،القدرة الشراءية ،مكانة فرنسا الخ .. خطابات شعبوية حول المهاجرين و الحجاب و هجومات كلامية متتالية.
    فرنسا الى الهاوية و هذه مسالة وقت .
    الصدمة الكبرى هي ان اعلامهم و الشباب و الاراء بعيدة عن المنطق و محاولة الوصول الى حلول.
    اتساءل ،هل لفرنسا مكانة ما بعد كورونا ؟

  • rme1974
    الجمعة 15 أبريل 2022 - 21:39

    jamais deux sans trois .après le covidla guerre en Ukraine et les conséquences catastrophes sur les matières premières dans le monde .la troisième cata va être la nomination de l extrême droite le Pen cela fait 48ans que je vis en France. je sens que la France va basculer dans l extrême. nous dans le sud de la France. Le Pen est toujours arrivé
    en tête .si elle arrive .les français vont goûter à la dictature comme les pays arabes qui la subissent depuis leurs indépendances

  • abdou
    الجمعة 15 أبريل 2022 - 22:35

    الإعلام البديل فضح كل شيء و ٱنكشفت الحقيقة بأن الدمقراطية ليست إلا اساطير المنفدين لخلق طريقة تختلق بها وعي الرأي العام بالسهل الممتنع ؟

  • Agourram
    الأحد 17 أبريل 2022 - 08:53

    Le déclin des valeurs morales et la suprématie
    du matérialisme vont conduire le monde vers une catastrophe aux conséquences imprévisibles. =

  • erer
    الثلاثاء 19 أبريل 2022 - 11:15

    المشكل واضح جدا بالنسبة للشعوب الغربية , هم يكدون ويجتهدون وآخرون أجانب وخصوصا العربان يأتون ويستفيدون. هؤلاء الاخرون ضعفاء لم يتكونوا في بلدانهم وحتى من تكون ياسيدي يبقى في بلده وينفع بلده.لاتغضبوا مني هذه هي الحقيقة المرة.لايمكن تصدير البشر المغاربي الى الخارج من أجل التنفيس يجب تعميم العدالة حتى يبقى الناس في بلدانهم….اواااه الملايين made in Maghreb في الغرب.

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري