اللغة العربية ... نظرة للمستقبل

اللغة العربية ... نظرة للمستقبل
الإثنين 13 مارس 2017 - 12:27

أصبحت للعلوم الآن لغات عالمية وتخطيطات جيواستراتيجية وسياسية تشغل المفكرين ومعاهد الأبحاث وترسيم النظريات الاقتصادية والتنموية والمالية، واللغات القوية الأكثر تأثيرا في السياسات الدولية هي المتفاعلة والبحوث العلمية المنحازة للكونية في أجلى صفات التعدد الثقافي بقومياتها وتشكلاتها اللسانية والمعرفية.

واللغات الناجحة الآن هي لغات التقدم العلمي والتكنولوجي، العارفة بتمددات النظم العولمية والتقنيات الرقمية، وهي في حركية دؤوبة لانتزاع أسبقيتها وتجددها وتبادلاتها باتجاه مزيد من المعارف والأفكار.

ولا شك أن اللغة العربية هي الأكثر قدرة على صون كل المكتسبات سابقة الذكر. لا تحتاج إلى رفع مطلب هي في صلبه، أن تكون لغة عالمية مشتركة. فهي كذلك إلى أن تقوم الساعة.

لكن الواقعية السياسية والتراكمات الزمنية في مجال النهوض بمكنوناتها وتبئير آثارها وتسريع إدماجها في سيرورات النهضة العلمية والثقافية يخالف الاعتقاد إياه ويضعنا أمام أسئلة صميمة وجوهرية، من بينها تأخر مصطلحها العلمي والتوليدي ورؤيتها لمقصدية الواقع وقراءاته المتعددة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر مقاربة تأخر التوليدية العربية في نسقيتها العلمية وتدبير الحياة بات أمرا ملحا في قاموس إشكالات مستقبلها وتأثيرها في قضايا النهضة والتنوير.

وهنا أحيل لقراءة دراسة هامة عن “التوليد اللغوي عند القاضي التنوخي” من خلال كتاب ” نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة” وهي للباحث محمد القليصي، يقول في واحدة من لمعه الفريدة :” دراسة المولدات في اللغات بعامة تحتاج إلى تقييس وتقويم علمي، كشفا عن القوانين الناظمة لحركتها وعن فاعليتها في الحياة الاجتماعية، ولا يستطيع منصف إنكار أهمية التوليد اللغوي في واقع اللغة العربية، من حيث إمدادها بالألفاظ الدالة على أنماط الحياة المتطورة، ومن حيث توليد دلالات جديدة، معبرة عن أدق تفاصيل الفكر الانساني، إذ يعد التوليد اللغوي مقياسا ومظهرا مهما على مدى التطور الذي أصاب العربية، وهو يعكس طبيعة المتكلمين الذين أنتجوها وثقافتهم وفكرهم وبيئتهم الاجتماعية، ثم إنه يؤدي إلى تحديد حركات المولدات اللغوية في علاقتها بالتاريخ والاجتماع البشري”.

ونعني في عمق مواجهتنا للحيف الممارس على العربية دعوة صريحة عاجلة لتقدير الصمود الذي تنتجه لغتنا رغم ضعف الرهانات, فهي في حالة جمود وتأخر قمينة بإعادة بعث الروح وتوكيد إرساء الدعائم القوية في زخمها ودينامية ترسخها في المخيال الجمعي، بالانتشار والهيمنة، إن على مستوى القراءة ونشر ثقافة الكتاب وتصديرها وتحويلها لأشكال وأدوات فنية كالمسرح والسينما والتلفزيون، وإشاعتها كلغة أدبية عالمية بالاهتمام بالفن والترجمة والتعليم والسياحة والعلاقات الدولية ومختلف وجوه التواصل الدولي.

إن انكماش اللغة العربية على ذاتها وجحود أبنائها وتواريها عن تأسيس التقاليد الحضارية المعلوم بها عن تجريب وخبرة، ومثال ذلك بلاد الفرس والترك والأندلس والعمق الأفريقي والأسيوي الغنية عن أي تعريف، يجرنا إلى الحديث عن قابليات أبنائنا لاستباق وإتقان لغات أخرى مؤثرة في صناعة العقل العولمي الجديد، كاللغة الانجليزية والألمانية والصينية الأسرع من حيث النمو في العالم اليوم.

أليس جديرا بالتأمل وجود حالات للغات عريقة توجد تحت التهديد ؟ هناك دراسات ميدانية تشير إلى الحالة العامة لهبة البشرية اللغوية، الحالة الواضحة كما يقول سكوت مونتغمري في كتابه :” هل يحتاج العلم إلى لغة عالمية ؟” هناك 6909 من اللغات جرى إحصاؤها على الأقل 94 ـ 96 في المائة منها لغات أصلية، تتحدث بها مجتمعات تضم بين 1 و 10 آلاف فرد، يبلغ مجموعها أقل من 6 في المائة من سكان العالم .. ويوجد عدد كبير في خطر والآخر يحتضر ونسبة انقراضها تتسارع ..”

ليس فقط لأن مونتجمري وهو العالم الأمريكي الخبير بطبقات الأرض وتاريخ العلم البشري، يلمح إلى هزات ارتدادية صعقت أمنا العربية، بل لأن الحسم في إشكاليات النهضة اللغوية مرهونة بجدواها العلمي التفاعلي ووجودها في قلب الأحداث والتغيرات التي طرأت على بنى وظائف التكنولوجيات والتقنيات السريعة، ومنها على وجه التحديد الرقمنة اللغوية ونزوعها الاستعماري نحو تعطيل تراتبي واستئصالي لعلاقتها بالإدراك اللغوي القرائي، بغض النظر عن الخلافات الناجمة عن الثقافة وخصوصياتها التاريخية والتراثية.

لا تبلغ الأمم الرفعة ولا تنهض بأرضها وإنسانها وحضارتها دون حفاظ على هويتها اللغوية وتراثها وتاريخ معمارها. هي حقيقة منصفة تعيد تصحيح مغالطات الهوة القيمية في نظريات التدافع الحضاري والثقافي، بما فيها تلك التي تعتبر الصراع بين الشعوب المتقدمة والأخرى المتخلفة عن الركب صراعا أيديولوجيا صرفا ومناكفة استردادية لمقود قيادة العالم.

إن العرب بهويتهم الحضارية الموحدة ولسانهم القرآني البين ليسع كل طفرات النهوض والتقدم، بما يعيد زخم الانتماء للغة دورها الريادي وإشعاعها المائز في ذرى الانحرافات التي تشهدها العلامات الجديدة في فضاء الرقمنة وتكنولوجيا المعلوميات.

لقد صمدت لغة الضاد قرونا لم تنل منها عاديات الدهر ولا صروف الأيام، بما كانت تحمل من الاستعباد والقتل والغزو والإرهاب.

حاولوا إتلاف ملايين كتبها ومدخراتها العلمية والثقافية والتربوية، إن عن طريق الحرق أو السطو أو الدهس أو التمزيق. بيد أنها كانت تسمو عن كل البذاءات والسخافات والخرافات، تنهض كالعنقاء من وابل الرماد لتسطع من جديد، كما كانت وأفضل.

الرقمنة والعولمة وترويع القيم اللغوية وتثبيط العزائم والغدر السياسي والكيد الشوفيني، كل هذه الأدوات الاستعمارية الاستبدادية لن تسطع تحريك أنملة من جذور ربانية عرفانية أصيلة متحصنة بملاذ قدسي يثرى في الغياب وفي الناموس الذي أنزل على رسول البلاغة والتبليغ.

[email protected]

https://www.facebook.com/phalanstérienne

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • sifao
    الإثنين 13 مارس 2017 - 21:24

    يقول صاحبنا :"ولا شك أن اللغة العربية هي الأكثر قدرة على صون كل المكتسبات سابقة الذكر. لا تحتاج إلى رفع مطلب هي في صلبه، أن تكون لغة عالمية مشتركة. فهي كذلك إلى أن تقوم الساعة"
    والمكتسبات السابقة هي"التقدم التكنولوجي …والنظم العولمية والمعارف التقنية"حسب تعبيره،ومن هنا اسأله،دلني على مؤلف واحد لمفكر اوعالم عربي في هذه المجالات،كل ما قد تجده في السوق،ترجمة رديئة كان من وراءها كسبا ماديا لا غير ،المشكلة ليست في اللغة وانما في الناطقين والمفكرين بها ، اية لغة هي تعاقد اجتماعي ،لا تكتسي صبغة العالمية الا بمقدار ما تنتجه من مؤلفات في شتى المجالات الفنية والادبية والعلمية ، المكتبات العربية فارغة ، ليس من الانتاج العلمي وحده وانما من كل شيئ الا الكتب الصفراء التي يُقدم الناس على اقتنائها للتداوي من الامراض الجنوننية التي تنخر ادمغتهم …تحقيق العالمية ، عالمية لغة ، ليس مطلبا سياسيا يتحقق نضاليا وانما مكانة يحققها الادباء والفنانون والعلماء للغتهم بفضل ما يغرقون به الاسواق "المعرفية" من منتوجات متنوعة ومختلفة في كل المجالات ، اذن ، طلبك لا يستوفي شروط الترقي المعمول بها دوليا …مرفوض..

  • saccco
    الإثنين 13 مارس 2017 - 23:55

    وهل اصبحت اللغة الانجليزية اللغة الاكثر عالمية والاكثر تداولا في جميع حقول المعرفة بفضل قدسيتها؟!
    ام ان ما يجعل اي لغة كانت تنتقل من مستوى معين الى مستوى ارقي هو الجهد البشري والممارسة اللغوية اليومية للناطقين بها عبر خيط التاريخ ولا شيء غير ذلك !
    فوضع اللغة مرتبط بسائر الانشطة في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الثقافية والعلمية والتقنية والتسيير
    وبما اننا مجتمعات إستيراد واستهلاك فهذا يشمل ايضا الميدان اللغوي بحيث اضحت اللغة العربية شبه ترجمة خارجية لمفاهيم ومصطلحات لغات اجنبية كالانجليزية والفرنسية بحيث لا يمكن فهم هذه المصطلحات الا برد ها الى معانيها الاصلية في لغتها الاصلية كالانجليزية الفرنسية

  • عُقيل
    الثلاثاء 14 مارس 2017 - 08:16

    موضوع على غاية من الأهمية تناوله الكاتب بعاطفية، مثلما يفعل معظمنا مع المواضيع التي تمس هويتنا.
    باختصار، اللغة لا تنهض بأهلها، هم الذين ينهضون بها عندما يصبحون قادرين على ذلك. وفي انتظار تلك القدرة، علينا أن نعلّم أطفالنا لغتين أو أكثر تعليما جيدا يمكّنهم من علوم الحاضر ويربط صلتهم بجذور الماضي. وسيكون بمقدورهم عندئذ التعامل مع مسألة اللغة تعاملا عقلانيا.

  • عمرو°
    الثلاثاء 14 مارس 2017 - 18:34

    1 و2

    هونا عليكما.. ولا تصدما.. فالعربية خالدة محفوظة بكتاب الله.ولو انني اعلم عقيدتكما الالحادية.
    سيفاو:
    الخيانة والنفاق والمكر والدس والعداء الخفي هي صفات كل كاره للاسلام ولغته.انتم..عفوا..اساتذتكم..يخشون استيقاظ المارد من غفوته.لانهم على يقين من حصول ذلك يوما.لذا يصرخون ويعوون ويتباكون وينوحون ويخمشون وجوههم وينتفون لحاهم لاستنهاض عداء المسلمين.هم يعلمون ان هناك الها خالقا رازقا.لكنهم يكرهونه لانهم يعبدون ابليس دون خجل.
    كل يعمل على شاكلته
    _____
    ساكو:

    الانجليزية فرضت بقوة السلاح يا رفيق.
    قامت على اشلاء جثث الشعوب.
    تماما كما الفرنسية والاسبانية والبرتغالية

    وما الصومال العربي والسودان وتشاد ومالي والسينيغال والنيجر ونيجيريا وكينيا وقبائل الماساي والزولو واثيوبيا وزنجبار ومدغشقر والعراق وسوريا واليمن وفلسطين وليبيا وما يحدث في مصر الا شاهد على ذلك.
    لا تتغابى وتتعامى ولا تركن للاستحمار الفكري فانه يصيب العقل بالعطب ويميت الحس.العربية تحارب بلا هوادة.وبلا اي معيار للاخلاق.نحاربها نحن بتقصيرنا وهجرنا للقرآن. يحاربها اعداؤها.والخونة الفلول امثالكم.

    انتم ونحن عار على الطبيعة الام.

  • Ait talibi
    الثلاثاء 14 مارس 2017 - 21:08

    les vrais ennemies de la langue arabe, ce sont les arabes eux memes . Lorsqu'un peuple compte sur le dieu pour protéger sa langue, sache que c'est le signe de la disparition de sa propre langue du Monde.Vous cherchez à responsabiliser les autres de votre échec à rendre la langue arabe une langue internationale. Jusqu'à quand vous allez passer votre temps à chercher un bouc-émissaire sur qui vous faites porter votre incapacité à vous adaptez au monde. Ce que vous oubliez, c'est qu'un individu enrichit sa langue maternelle en apprenant les autres langues.Mais comme vous avez peur des autres civilisations vous enfermez sur la votre et c'est là ou se trouve votre mort

  • كاره الضلام
    الأربعاء 15 مارس 2017 - 00:41

    هده الكائنات المتحفية لا تخرج عن تلاث مواضيع: العربية و فلسطين و التخريب الدي يسمونه ثورات،كائنات قادمة من اغوار الماضي و تتحدث و كانها هي المبشرة بالمستقبل،تجده محنطا في مواضيع تلاث و يحدثك عن المستقبل، و من صفات الكائت القومجي البائد احتكاره للصواب و اعتقاده ان رايه لا يحتاج الى حجاج، فيبدا كلامه بجمله "مما لا شك فيه" و كان كلامه يقيني بطبعه لا يحتاج الا دلائل تدعمه، العربية لغة المستقبل و العلم؟! من اين ياتي اصحابها التخلف و الجهل؟ هم يرون المستقبل خلفهم و يفسرون الواقع باوهام راسخة في عقولهم، و يقول لك للمرة المليون ان الدول لا ترقى حتى تحتفظ بهويتها ، و نحن لن نتعب انفسنا لنفسر له ان لا علاقة لهويتنا بالعربية و لكننا سنقول له ان ربط الرقي بالحفاظ على اللغة الام مجرد خرافة،البرازيل و استراليا تقدما بلغة المستعمر و اخرون بقوا متخلفين رغم تشبثهم بلغتهم،يسوقون لك تخريفات على انها يقينيات لا ك فيها، العربية لا تتحمل حتى التعليق على مباريات الكرة فكيف بالعلوم؟اسال الشباب الدين ساهموا في اكتشاف كواكب جديدة باي لغة قاموا بدلك؟

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 1

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 1

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 2

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 9

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي