لماذا لا تتحول كل الوعود الانتخابية إلى سياسات ملموسة؟
تحتل الوعود الانتخابية موقعا مركزيا في العلاقة بين الأحزاب السياسية والناخبين؛ فمن خلالها تعرض الأحزاب تصوراتها لمستقبل البلاد، وتقدم تعهداتها بشأن التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية وغيرها من القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. غير أن المسافة بين ما يعلن خلال الحملات الانتخابية وما يتحقق أثناء ممارسة المسؤولية الحكومية تظل مصدرا متجددا للنقاش السياسي، وتطرح سؤالا جوهريا: لماذا لا تتحول جميع الوعود الانتخابية إلى سياسات ملموسة؟
قد يبدو الجواب، للوهلة الأولى، مرتبطا بغياب الإرادة السياسية أو بعدم وفاء الأحزاب بالتزاماتها. ولا شك أن بعض الوعود قد تدخل في إطار المزايدة الانتخابية، أو تصاغ دون تقدير واقعي لكلفتها وشروط تنفيذها. لكن اختزال الظاهرة في هذا التفسير وحده يغفل تعقيدات الانتقال من التنافس على الأصوات إلى تحمل مسؤولية تدبير الدولة، حيث تتداخل الاعتبارات السياسية مع القيود الاقتصادية والإكراهات المؤسساتية والتحولات الداخلية والدولية.
أولا: حين تتحول الوعود الانتخابية إلى استثمار في الأصوات
تخوض الأحزاب الانتخابات داخل مجال من التنافس على استقطاب الناخبين، وهو ما يدفعها إلى دراسة انتظارات الفئات الاجتماعية المختلفة، وتحديد القضايا الأكثر تأثيرا في اختياراتها الانتخابية. ويمكن النظر إلى ذلك باعتباره نوعا من قراءة “السوق السياسي”، حيث تسعى الأحزاب إلى تقديم عروض سياسية تستجيب للطلب الانتخابي، على غرار ما تقوم به الشركات عندما تحاول فهم حاجات المستهلكين.
غير أن هذا المنطق قد يدفع بعض الأحزاب إلى المبالغة في الوعود الموجهة إلى فئات معينة، خصوصا عندما تمثل هذه الفئات كتلة انتخابية ذات وزن معتبر. فقد تحظى فئة مهنية، مثل هيئة التدريس، بوعود واسعة بشأن الأجور أو الترقي أو تحسين ظروف العمل، إذا اعتقد حزب ما أن الاستجابة لتطلعاتها ستعزز فرصه الانتخابية.
ولا تكمن الإشكالية في مخاطبة فئات المجتمع ببرامج تستجيب لانتظاراتها المشروعة، بل في احتمال تقديم تعهدات تتجاوز الإمكانات المالية أو الإدارية المتاحة، أو لا تستند إلى دراسة دقيقة لكلفتها وآثارها. ففي هذه الحالة، قد تتحول الوعود من أداة للتنافس حول الحلول الممكنة إلى وسيلة لاستقطاب الأصوات، دون أن تكون شروط تنفيذها واضحة منذ البداية.
وهنا تبرز أهمية التمييز بين البرنامج الانتخابي الذي يقدم تصورا لما ينبغي إنجازه، والبرنامج الحكومي الذي يفترض أن يحدد الأولويات والتدابير والوسائل والآجال. فليس كل ما يمكن الإعلان عنه انتخابيا قابلا للتنفيذ بالسهولة نفسها، ولا يمكن اعتبار مجرد إطلاق الوعد دليلا على القدرة الواقعية على الوفاء به.
ثانيا: من منطق الانتخابات إلى منطق تدبير الدولة
إن تدبير الشأن العام يختلف، بطبيعته، عن منطق التنافس الانتخابي. ففي الانتخابات تتنافس الأحزاب على تقديم تصوراتها وكسب ثقة الناخبين، بينما تجد الحكومة نفسها أمام مسؤولية تدبير موارد محدودة، ومواجهة حاجات متزايدة، والتعامل مع أحداث قد لم تكن حاضرة بالدرجة نفسها عند إعداد البرامج الانتخابية.
فقد تتعهد حكومة بإحداث مناصب شغل، أو تحسين الدخل، أو توسيع خدمات الصحة والتعليم، لكنها تجد نفسها، بعد تولي المسؤولية، أمام أزمة اقتصادية أو ارتفاع مفاجئ في كلفة بعض المواد الأساسية، أو اختلالات تستدعي تدخلا عاجلا. عندئذ قد تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتوجيه جزء من الموارد نحو معالجة المشكلات المستجدة، ولو كان ذلك على حساب بعض الالتزامات المعلنة سابقا.
ويبرز هذا التحدي بوضوح في اقتصاد يتأثر بالأحوال المناخية، كما هو الحال في المغرب. فالجفاف لا يقتصر أثره على النشاط الفلاحي، بل يمكن أن يمتد إلى فرص الشغل والدخل القروي والطلب الداخلي والموارد المائية وكلفة بعض التدخلات العمومية. وحين تتفاقم هذه الآثار، قد تجد الحكومة نفسها أمام ضرورة تعبئة موارد إضافية لمواجهة تداعياتها، بما يفرض ضغوطا على الاختيارات المالية والاقتصادية التي بنيت عليها بعض الوعود الانتخابية.
كما يمكن للأزمات الدولية، سواء ارتبطت باضطرابات سلاسل التوريد أو ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الأولية أو تباطؤ الاقتصاد العالمي، أن تؤثر في الاقتصاد الوطني، وتغير الفرضيات التي انطلقت منها البرامج الحكومية. وقد يتطلب التعامل مع هذه المستجدات تعديل السياسات أو تأجيل بعض التدابير أو إعادة توزيع الموارد.
لكن الاعتراف بأثر هذه الإكراهات لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر مفتوح لعدم تنفيذ الوعود. فالتحدي الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على التكيف مع الظروف الجديدة، مع الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التزاماتها، وتوضيح أسباب أي تعديل يطرأ عليها.
ثالثا: الائتلاف الحكومي.. حين تتعدد الوعود وتختلف الأولويات
تتصل إشكالية تنفيذ الوعود أيضا بطبيعة النظام الانتخابي، وبالتركيبة التي تفرزها الانتخابات لتشكيل الأغلبية الحكومية. فعندما لا يحصل حزب واحد على ما يكفي من المقاعد لتشكيل الحكومة بمفرده، يصبح التفاوض بين الأحزاب ضرورة لتكوين أغلبية قادرة على تحمل المسؤولية.
وهنا تبدأ مرحلة مختلفة عن مرحلة التنافس الانتخابي. فالأحزاب التي كانت تعرض برامجها بصورة مستقلة تجد نفسها مطالبة بالتوافق على برنامج حكومي مشترك، رغم اختلاف مرجعياتها السياسية وتصوراتها الاقتصادية والاجتماعية وأولوياتها القطاعية.
وقد تدخل بعض التعهدات الانتخابية في صلب البرنامج المشترك، بينما يجري تعديل تعهدات أخرى أو تأجيلها أو التخلي عنها نتيجة التفاوض. وقد تكون بعض الوعود متعارضة في كلفتها أو وسائل تنفيذها، بما يجعل الجمع بينها جميعا أمرا صعبا من الناحية المالية أو العملية.
وبذلك لا تكون جميع الوعود التي قدمتها الأحزاب المشكلة للأغلبية قابلة للتحول تلقائيا إلى التزامات حكومية. فالحكومة لا تشتغل باعتبارها مجموعة من البرامج الحزبية المستقلة، وإنما باعتبارها جهازا تنفيذيا يفترض أن يعمل وفق أولويات مشتركة وتوجهات منسجمة.
غير أن التحالف الحكومي لا ينبغي أن يصبح منطقة رمادية تضيع فيها المسؤولية السياسية. فإذا كان التفاوض والتوافق أمرين طبيعيين في تشكيل الأغلبية، فإن وضوح البرنامج الحكومي يظل ضروريا حتى يعرف المواطن ما الذي التزمت به الحكومة مجتمعة، وما الذي تقرر تأجيله أو استبعاده، ولماذا.
رابعا: الحكومة القوية ليست التي تعد كثيرا، بل التي تنجز وتفسر
إن تقييم الحكومات لا يمكن أن يستند إلى عدد الوعود التي أطلقتها خلال الحملات الانتخابية فقط، كما لا يصح أن يقوم على مجرد تعداد الإكراهات التي واجهتها بعد تولي المسؤولية. فالمعيار الأهم هو مدى قدرتها على تحويل التزاماتها إلى نتائج ملموسة، في حدود الإمكانات المتاحة، مع التمييز بين ما تعذر تنفيذه لأسباب موضوعية وما لم ينفذ نتيجة اختيارات سياسية أو تدبيرية.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة القوية ليست بالضرورة الحكومة التي تقدم أكبر عدد من الوعود، بل الحكومة التي تنجح في تنفيذ أكبر نسبة ممكنة من الالتزامات الواقعية التي تعهدت بها، وتحرص على ألا يكون تعديل الأولويات ذريعة لإفراغ البرنامج الحكومي من مضمونه.
ويقتضي ذلك، أولا، أن تكون الوعود الانتخابية أكثر ارتباطا بالدراسات المالية والاقتصادية، وأن توضح الأحزاب، قدر الإمكان، الكلفة التقديرية لتعهداتها وشروط تنفيذها. كما يقتضي، ثانيا، أن يتضمن البرنامج الحكومي أهدافا محددة وآجالا واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، حتى لا يبقى تقييم الأداء رهين الخطاب السياسي أو التقديرات العامة.
ويقتضي، ثالثا، أن تقدم الحكومة حصيلة دورية تسمح بمقارنة ما تعهدت به بما أنجزته فعليا، مع بيان الالتزامات التي لم تتحقق والأسباب التي حالت دون ذلك. وهنا تبرز أهمية الرقابة البرلمانية وتقييم السياسات العمومية، باعتبارهما وسيلتين لتجاوز النقاش حول النوايا السياسية إلى فحص النتائج ومدى احترام الالتزامات.
فإذا كانت الظروف الاستثنائية قد تبرر مراجعة بعض الاختيارات، فإنها لا تلغي ضرورة تفسير هذه المراجعة، ولا تعفي الحكومة من مسؤولية إثبات أن القرارات الجديدة كانت ضرورية ومتناسبة مع حجم التحديات.
في الأخير يمكن القول إن المسافة بين الوعد الانتخابي والسياسة الملموسة ليست دائما دليلا على فشل سياسي، كما أن وجود برنامج حكومي معلن لا يكفي وحده لإثبات نجاح الحكومة. فبين لحظة طلب ثقة الناخبين ولحظة طلب ثقة أعضاء مجلس النواب ولحظة تدبير الدولة تتغير المعطيات، وتظهر إكراهات جديدة، وتفرض التحالفات السياسية تسويات لم تكن حاضرة بالصورة نفسها خلال الحملات الانتخابية.
غير أن فهم هذه التعقيدات لا ينبغي أن يقود إلى إعفاء الأحزاب والحكومات من مسؤوليتها، بل إلى إعادة التفكير في طبيعة الوعود الانتخابية وشروط واقعيتها، وفي الوسائل التي تتيح للمواطن تتبع تنفيذها وتقييم نتائجها.
وفي نهاية المطاف، لا تقاس مصداقية العمل السياسي بقدرة الأحزاب على إقناع الناخبين بما ستفعله فحسب، بل بقدرتها على تحويل ما التزمت به إلى نتائج قابلة للملاحظة والتقييم. فالثقة السياسية لا تبنى بالوعود وحدها، وإنما بالإنجاز، والشفافية، والاستعداد لتحمل المسؤولية عندما تتسع الفجوة بين ما قيل وما تحقق.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.