تحقيقات ومُحاكَمات سوق الأربعاء

تحقيقات ومُحاكَمات سوق الأربعاء
الإثنين 30 شتنبر 2024 - 17:11

فكرتُ كثيراً قبل كتابة هذا المقال، وتَرَدَّدتُ مَلِيًّا أكثرَ من أي مقال سابق، لأن لعنةَ الكتابة دائما هي سؤال الجدوى: لماذا أكتب؟ ولِمَنْ أكتب؟ سُؤالان لا أملكُ لهُما جوابًا، ثم قلتُ ما قاله التاريخ: في البدء كانت الكلمة. فلأكتب إذن لعلَّ الفراشةَ تُحْدِثُ أَثَراً حسناً.

يُلاحِظ أكثرُ الأصدقاء مِمَّنْ يَقرَؤُون مقالاتي عبر جريدة هسبريس أن جُلَّ ما أكتبُ يَقتصر على مدينةِ سوق الأربعاء ومنطقة الغرب، وهو ما أتَقَصَّدُه رغبةً في الرفع من مُستوى النقاش العام المحلي والحفاظ على ماء الوجه الجَمعي من حيث تداوُل الخطاب عبر وسيطٍ إعلامي وطني وعربي، والإسهام قدرَ المُستَطاع في التداريب الجماعية على تدبير الاختلاف ومُمارَسة حقِّ النقد على أُسُسٍ قَويمة.

في أكثر المَرّات أُحِسُّ بالعَبث واللاجدوى من قُدرة الكلمات/الكتابة على إحداث الأثر، ولَوْ على المُستوى النفسي والأخلاقي. أما الآن، فإن هذا الإحساس جسيمٌ نظراً لجسامةِ وحساسيةِ موضوع المقال. لكن في البدء كانت الكلمة.

مثلَ كل مُدن وجغرافيات المغرب، أَضْحَتْ وسائلُ التواصُل الاجتماعي في سوق الأربعاء منصةً للرَّداءة والمُتَنَطِّعين من كُلِّ جهة، ومجالاً سائِباً للتَّقَوُّل واسْتِشراء الأمراض والمُضاعَفات السيكولوجية وتَصفيةِ الحسابات والكتابة بالوَكالة. هذا الداءُ الافتراضي الأكثرُ واقعيةً من الواقع لم يَسلم منه لا الأفرادُ الذاتِيون ولا الأفراد المَعْنَوِيون، ولا الفاعِلُون السياسيون ولا المُوظَّفون العموميون. داءٌ أَضَرَّ بالقيم والمبادئ والتدافُع الأخلاقي بين المَواقف والرُّؤى.

الحقيقةُ اللازمةُ أيضاً أن كلَّ الفئات المُتَضَرِّرة تَحمِلُ في طيّاتِها إمكانيةَ الخطيئة، وهو ما يَستدعي بالضرورة شرطَ مُناقَشَةِ إجراءاتها وقراراتها وتسليط ضوء النقد عليها. ليس لدي شكٌّ أن عاقِلاً أو أحداً من المُتَضَرِّرِين في القضية المطروحة الآن على العدالة يَضع نفسه فوقَ المُساءلة والنقد، كما لا يُمكن أن يَقبل عاقلٌ أو أحدٌ من المُتَضَرِّرِين أن تُتّخَذَ وسائطُ التواصُل الاجتماعي أو الإعلام البديل منصةً للمَسِّ بالحياة الخاصة للأفراد، أو المَسِّ بالمُؤسَّسات والتشهير أو الابتزاز ونَشْرِ الإشاعات سواءٌ عبر حسابات شخصية أو حسابات وهمية.

إن الدستور والقوانين المُنْبَثِقة عنه تَكفل حّقَّ النقد والمُساءلة والمُواكَبة. وهي إذ تَكفل هذا الحقَّ، فإنها تُنَظِّمُه وتَضْبِطُه بقوةِ وشرعيةِ التفويض الجماعي الذي يَمنحُه الناسُ/الأفرادُ لجهاز الدولة ويَمْتَثِلون له.

في ضوء هذه المُلابَسات المُرَكَّبة، انفجر ملفُّ التحقيقات والمُتابَعات في حق عددٍ ما يزال مفتوحاً من المُشتَبَه في أنهم مُتوَرِّطُون في ملفٍّ مُتشابِك هو حديثُ الأربعاء الأول. في هذا السياق تناسَلت وما تزال أخبارٌ وشائعات لا حَدَّ لها، إذْ من النادر أن تَسمع حديثاً حَصِيفاً أو مُتَبَيِّناً أو نِسبِيَ الفَحوى. وكما يبدو، فإن كُبَّةَ الخيط مُتشابِكة، وكلُّ محاولةٍ للفهم يَضيع منها رأسُ الخيط.

بحسب ما بَلغ إلى عِلمي بعد محاولاتٍ شخصية للفهم، ومُحاوَلاتِ خلقِ مُناخٍ لإصلاح ذات البَيْنِ فيما يُمكن إصلاحُه، فقد تَبَيَّنَ لي إلى حدود الآن استحالة أن تَصْدُر مُسامَحات أو تنازُلات من الأطراف المُشْتَكِية والمُتضَرِّرة جَرّاء شبكةِ الحسابات الوهمية التي سَمّمَتِ الأجواءَ المحلية وعادَتْ مختلفَ المُكَوِّنات، وأعطَتْ لهذا الملف حساسيةً مُتَعَدِّدة وعاليةَ الضغط.

إذا جاز لي الحديثُ والكلامُ في هذا المقام، فإني أستأذن كُلَّ الأطراف المُتَضَرِّرَة والمُشْتَكِية، على أملِ مُراعاةِ حالةٍ خاصةٍ ضِمن هذا الملف اللاَّهِب، حيث يتعلق الأمر بفاعلٍ جمعوي وناشط مدني ورياضي ومُدَوِّن مُتابَع هو أيضاً على خلفيةِ ما يَرُوج بين الأَرْوِقة. كُلُّنا نَعلم أن هذا الشاب قد حمَل على عاتِقِه قضايا وشُجونَ المدينة، وقدّم ما يَربُو على 10 سنين من زَهْرةِ شبابِه في تنشيط الحياة العامة، وانخرَط بكلِّ قوةٍ في الشأن المحلي.

هذا الشاب الذي كان مُقَرَّباً لفترةٍ طويلة من الفاعل الانتخابي الأول في المنطقة، وأسدى له خدمات لا تُعَدُّ، وأدى ضريبةً نفسية واجتماعية كبيرةً جَرّاء ذلك. كان نموذجاً للشباب المغربي المُمارِس الطَّموح من داخل واقع لا يُمكن أن يَدفع إلا نحو اليأس والفَرْدانية المَقِيتة.

لا مَناص من أن المُمارَسة الحياتية مُقْتَرِنَةٌ بالخطأ، وقد كنتُ شخصياً أحدَ ضحايا أخطاء هذا الذي أَلتمِسُ له منكم الصفحَ اليوم، ومازلتُ على اختلافٍ معه منذ حوالي 4 سنوات. لكن هذا لا يَحول دون واجبِ شهادةِ الحق في هذه اللحظة الإنسانية الفارِقة. مثلما قال المسيح عليه السلام: “مَن كان منكم بلا خطيئةٍ فليَرمِها بالحَجر”.

أيها السادةُ الأكارم، إذا ثَبَتَ أيُّ خَرْقٍ قانوني أو لا أخلاقي ضدَّ هذا الشاب، وإن كان لا يَستحق منكم المُسامحَة والتنازُل والعَفو عند المَقدرة، فالرجاءُ كلُّ الرجاء أن تُعامِلُوه بأخلاقِكُم لا بأخلاقِه. وتَذَكَّروا أن أُمًّا في نَزْعِها الأخير صار أمَلُها الوحيد في دُنيا الناس أن تَرى ابنَها وراعِيها.

تَذكَّروا، أيها السادةُ الأكارم، أن ذلك الشاب مُستعدٌّ لأي شيء في هذه الحياة الدنيا، إلا أن يُوارَى خَلْفَ الجُدران وتُوارَى أمُّه التَّرَى. فهل يا تُرى تَرْأَفُ أرواحُكم وتَحِنُّ قُلُوبُكم أمام قول الخالق الغفور الرحيم: “والكاظِمين الغَيظ والعافين عن الناس والله يُحبُّ المُحسِنين”؟

**ملاحظتان**:

1/ كان هذا المقال جاهزاً منذ مدة، أي عندما كانت والدةُ ياسين طريحة فراش الموت، وقد تَرَوَّيْتُ في نشره حتى تُرفَع السريةُ عن الملف وتتَّضح بعضُ مَعالِمِه.

2/ ما دَفعني اليوم لنشر المقال أن والد المُتابَع رجلٌ كبير السن، تَدهوَرتْ حالتُه الصحية والنفسية كمداً وحسرةً، وخوفاً من أن تتكرَّر المآسي على هذه العائلة المُحتَرِقة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 13

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​