المجتمع المدني والتخييم

المجتمع المدني والتخييم
الأحد 16 نونبر 2025 - 00:34

يُشَكِّلُ التخييم نشاطاً تربوياً وتنموياً ذا قيمة عالية وأثر بالغ في النفوس، يُساهم في تنمية شخصية الطفل واليافع ويُقَوِّي المهارات الحياتية في جو من الترفيه والتفاعل الجماعي، ويُعَزِّز قيم المواطنة والانضباط والتطوع والانفتاح والتعاون. كما يدعم قدرات التأطير لدى الشباب وتكوينهم كأطر تربوية، ويُساهم في ضمان التوازن النفسي والاجتماعي للأطفال واليافعين، خصوصاً المنتمين منهم إلى الأسر المعوزة أو الذين يعيشون في المناطق الهشة.

وعلى هذا الأساس، اضطلع المجتمع المدني، خاصة الجمعيات التربوية الوطنية، بدور محوري في التأسيس للبرنامج الوطني للتخييم وتنزيله على أرض الواقع وتوسيع قاعدة المستفيدين منه، وكذلك قاعدة الفاعلين فيه، حتى أضحى أكبر تظاهرة تربوية سنوية موجهة للطفولة في المغرب، كل ذلك بتنسيق تام مع القطاع الوصي، وهو وزارة الشباب.

ويُعْتَبَرُ البرنامج الوطني للتخييم من أهم وأنجح السياسات العمومية التي حافظت على الاستدامة والثبات، كما خضعت للتطور والمأسسة. ولعل من أهم أسباب هذا النجاح هو عُمق الشراكة الاستراتيجية التي تربط بين الدولة ممثلة في قطاع الشباب وبين المجتمع المدني مُمَثَّلاً في الجامعة الوطنية للتخييم، والتي خضعت بدورها للتطور وأصبح عملها موسوماً بالمأسسة والاحترافية.

وأكاد أجزم وأقول، بأن الديمقراطية التشاركية قبل أن تلج الوثيقة الدستورية لسنة 2011 كمبدأ دستوري جديد، ترسخت أولاً وقبل سنوات عديدة في العلاقة الأفقية والتعاونية التي اعتمدتها وزارة الشباب مع الجمعيات التربوية، حيث ما كان لهذا الزخم التربوي الذي حققته منظومة التخييم ببلادنا أن يكون لولا هذا الترابط والتعاون والتكامل بين هذين المكونين، الرسمي وغير الرسمي. ولا نجاح للبرنامج كان مضموناً بدون إرادة الوزارة وبدون جاهزية الجمعيات على حد سواء. فكلاهما عنصران مهمان لإنجاح العملية التخييمية ببلادنا.

إن المجتمع المدني المغربي، بشراكة مع القطاع الوصي، قد راكم مكتسبات وتجربة فريدة ورائدة في مجال التخييم، تُوِّجَت بإنشاء نمط تخييمي اجتماعي متميز، يمارس في فضاءات تخييمية متعددة أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التراث اللامادي للبلاد، له تاريخ، وله آليات، وأهداف، وطقوس اجتماعية وتربوية تميزه عن غيره من المؤسسات على حد تعبير الخبير التربوي عبد القادر دنيا.

وإذا كانت الأمم المتحدة نفسها قد انتبهت منذ زمن إلى الأدوار المهمة التي يلعبها الفاعلون في مجال حقوق الإنسان، فزاوجت بذلك بين الاهتمام بحقوق الإنسان وبين الاهتمام بالفاعلين والمدافعين عن حقوق الإنسان أنفسهم، فإن الوقت قد حان لبلادنا أن تركز أكثر على الفاعلين في مجال التخييم، سواء الذين ينتمون للقطاع الوصي، أو أولئك الذين ينتمون للجمعيات النشيطة في مجال الطفولة والشباب. حيث أن نجاح البرنامج الوطني للتخييم لا ينفصل عن جودة تأطيرها وكفاءة الجمعيات والأطر المشرفة عليها، مما يستوجب معه تطوير المناهج التربوية ومواكبة التطورات في مجال التنشيط، والعناية بالفاعلين من مدبرين ومنشطين وأطر تربوية، لضمان تقديم أنشطة جيدة، مبتكرة وذات قيمة مضافة.

في هذا الإطار، سنخصص هذه الورقة لتسليط الضوء على أوجه مساهمة المجتمع المدني في البرنامج الوطني للتخييم، من حيث التأسيس للفكرة التخييمية أولاً، ثم المساهمة في بناء البرنامج الوطني للتخييم كسياسة عمومية مستدامة تحظى بالعناية السامية لجلالة الملك ثانياً، ثم من جانب توحيد جهود الجمعيات المشتغلة في القطاع وتشبيكها في جامعة واحدة ثالثاً، ثم من حيث المساهمة في تنزيل البرنامج وتتبعه وتقييمه رابعاً، ثم خامساً من حيث الترافع من أجل تجويده وتوسيع شبكة المستفيدين منه وتنويعها، وأخيراً من حيث الترافع من أجل قوننة مجالات التخييم بإصدار قانون جامع ومنظم لحقل التخييم ومجالاته.

ولكي تكون هذه الورقة جامعة ومانعة ومختصرة، سألجأ إلى توظيف المجاز والاستعارة، من خلال توصيف الجامعة الوطنية للتخييم باعتبارها برميلاً، وقنديلاً ومنديلاً وزنبيلاً. وهي توصيفات مجازية تستمد شرعيتها من التراث الشعبي المغربي الأصيل.

أولاً: الجامعة الوطنية للتخييم كبرميل:

باعتبار الجامعة الوطنية للتخييم ذلك الوعاء الجامع والحاضنة الكبرى التي استمدت شرعيتها من التاريخ ومن الاستمرارية ومن قوة الحضور في الحاضر، كيف لا وهي نتاج لمسار ابتدأ في ستينيات القرن الماضي بمحاولة تأسيس الجامعة الوطنية للمخيمات والتي لم تعمر طويلاً، ثم بعدها اللجنة الوطنية للتخييم سنة 1983، فالهيئة الوطنية للتخييم سنة 2005، وأخيراً الجامعة الوطنية للتخييم بصيغتها الحالية سنة 2011، وهي التي لم تعد مجرد هيئة استشارية، بقدر ما أصبحت قوة مدنية تشكل أكبر اتحاد جمعوي بالمغرب تضم في عضويتها 53 جمعية وطنية و60 جمعية متعددة و656 جمعية محلية وجهوية. وهو ما يمكن إجماله بآلاف الجمعيات المحلية إذا ما تم احتساب فروع الجمعيات الوطنية والمتعددة بالإضافة إلى الجمعيات المحلية والتي تغطي كافة جهات وأقاليم المملكة.

وبالتالي فهي برميل يستوعب ويراكم وينضج التجربة التخييمية ببلادنا، ويمثل الذاكرة الحية التي توثق المسار وتحفظ التراكمات والخبرات، وتعيد توزيعها حسب الحاجة. وهي بذلك حافظة للذاكرة التخييمية الوطنية ووعاء للتجارب والممارسات الجيدة وبنك للأفكار والمقترحات ومخزون تعبوي منتج للأطر والكفاءات التي تخدم الوطن في مختلف المجالات، وفي مختلف المنصات.

إن الجامعة الوطنية للتخييم، من هذا الموقع، وبهذا المنطق، ليست فاعلة فقط في حقل التخييم، بقدر ما هي مرجعية جمعوية جماعية توحد وتؤطر وتغذي. وكونها برميلاً لا يعني أنها مجرد حاوية، بقدر ما هي مركز تجميع وتخمير وتجديد، في زمن كثرت فيه نزعات الأنانية والفردانية والانقسام والتشتت.

ولعل هذا ما ييسر أمر التنسيق الوطني والجهوي بين الجمعيات الفاعلة في مجال التخييم، وتأطيرها وضمان وحدة الرؤية والتوجه التربوي على المستوى الوطني وذلك من خلال التواصل المحكم والتنسيق والتتبع والمباشرة الدائمة مع وزارة الشباب في البناء والبرمجة والتنفيذ والتقييم.

ثانياً: الجامعة الوطنية للتخييم كقنديل:

لقد وضعت الجامعة الوطنية للتخييم – ومن ورائها الجمعيات الأعضاء النشيطة في المجال- على عاتقها المساهمة في بلورة وتوجيه وتتبع الرؤية التربوية الوطنية للتخييم، وهي التي يشبه مسارها مسار الفعل التخييمي نفسه، الذي انطلق بفكرة، وانتشر برغبة، وكبر كخدمة، وتطور ليصبح برنامجاً وطنياً، بمثابة سياسة عمومية راسخة ومستدامة.

كما تُساهم الجامعة الوطنية للتخييم في الإشعاع الفكري والتربوي، من خلال تنظيم لقاءات وطنية وجهوية حول قضايا التخييم والتكوين والتنشيط التربوي والسوسيوثقافي، وتقود من موقعها النقاشات العمومية حول تطوير السياسات العمومية في مجالات التخييم.

وهي بذلك قنديل ينير الطريق ويضع الإطار، ويوثق بمنشوراتها تاريخ التخييم بالمغرب من بداياته الأولى إلى تطوراته المعاصرة، ويُساهم في أرشفة التجارب والبرامج والمقاربات التربوية المعتمدة، كما يُكرم الرواد والفاعلين ويضمن استمرارية روح التخييم الوطني، ليستفيد منه أكبر عدد من أطفال المغرب ويافعيه وشبابه.

ثالثاً: الجامعة الوطنية للتخييم كمنديل:

عبارة المنديل هنا حمالة أوجه، الوجه السلبي فيها، أن الجامعة الوطنية للتخييم تجد نفسها في بعض الأحيان منديلاً تمسح فيه بعض الوقائع المسيئة وبعض الانحرافات الزائغة التي قد تقع هنا وهناك، والتي قد يتسبب فيها إطار أو تنظيم جمعوي معين، ونتذكر هنا واقعة فضيحة الجديدة الصيف قبل الماضي، والتي تورط فيها أحد الأشخاص سامحه الله، بعد أن سجل أطفال حيه للاستفادة من رحلة رياضية بشاطئ الجديدة، فغطت الصحف والمواقع الإلكترونية فضيحته تحت يافطة المخيم الصيفي، مما خلق أزمة مجتمعية تضررت فيها سمعة البرنامج الوطني للتخييم ومعه سمعة الجمعيات الجادة والجامعة الوطنية للتخييم كشريك رئيس يمثل المجتمع المدني في مسلسل التنزيل والتنظيم.

أما الوجه الإيجابي لكون الجامعة كمنديل، هو أنها تمسح كل الاعتبارات الضيقة وتُذَوِّب كافة الخلفيات التي قد تحكم الفاعلين في المجال، سواء رسميين أو غير رسميين، فتُسهر على التنسيق بين الجمعيات وتوحيد الرؤية واحترام المعايير والشروط والمساطر، وتدبير العلاقة مع القطاع الوصي وتيسير التواصل بين الجمعيات والإدارة وحل الإشكالات التنظيمية واللوجيستيكية التي قد تقع هنا أو هناك.

رابعاً: الجامعة الوطنية للتخييم كزنبيل:

يتجلى دور الجامعة الوطنية للتخييم هنا في حمل هموم الجمعيات والفاعلين في المجال وحاجياتهم، والبحث عن حلول لها، وتجميع احتياجاتهم ونقل مطالبهم إلى الوزارة الوصية، تترافع من أجل تحسين العرض كما ترافعت قبلاً من أجل بنائه والتأسيس له، وتترافع من أجل الرفع من رقعة المستفيدين، والحفاظ على المخيمات التاريخية وتشييد مخيمات من العهد الجديد، وتحسين البنيات التحتية، والرفع من الميزانية المخصصة للقطاع كما تدافع عن زيادة الدعم المالي للجمعيات والمخيمات، وتمكينها من الأدوات اللوجيستيكية للاشتغال، والرفع من جودة المضامين التربوية وتطوير كفايات الأطر سواء في التكوينات أو في المخيمات الصيفية.

كما تدافع عن الحق في التخييم كمبدأ لا محيد عنه، وتكافح من أجل السعي نحو تعميمه، وضمان التوزيع العادل للمقاعد التخييمية، من خلال المساهمة في ضمان الإنصاف المجالي والاجتماعي في الاستفادة من البرنامج.

إن الجامعة الوطنية للتخييم على هذا الأساس، زنبيل يستقبل مقترحات الجمعيات حول تطوير البرنامج الوطني للتخييم، وبلورتها في صيغة توصيات استراتيجية موجهة للوزارة والفاعلين العموميين، واستثمار رؤيتهم الجماعية في توجيه السياسات العمومية التخييمية. وهذا يدخل في صميم ترافعنا من أجل تنظيم هذه المناظرة، بغية الوصول إلى رؤية استراتيجية موحدة للتخييم في أفق 2030.

تلكم جوانب من مساهمة المجتمع المدني متمثلاً في الجامعة الوطنية للتخييم والجمعيات المنضوية تحت لوائها، في إنجاح البرنامج الوطني للتخييم، باعتبار الجامعة برميلاً وقنديلاً ومنديلاً وزنبيلاً، لا تزال تترافع من أجل إخراج قانون خاص ينظم حقل التخييم ومجالاته، وإطلاق ترسانة من المراسيم والتشريعات لتقوية الحكامة التدبيرية، مع تعديل وتحيين مسلسل التكوين ومضامين التنشيط، لبناء جيل جديد من المنشطين الاجتماعيين والمؤطرين التربويين ومديري المخيمات، مع ضرورة تنويع الشركاء الرسميين وغير الرسميين حتى لا تبقى تكلفة تنزيل الحق في التخييم على عاتق هذا القطاع لوحده، مما ينبغي معه الانفتاح أكثر على الجماعات الترابية بجميع أصنافها والشركات الوطنية، من أجل الوصول إلى إحداث مخيم أو أكثر بكل عمالة وإقليم، ومركب تربوي متعدد الخدمات بكل جهة ترابية، وإدماج المخيمات في برامج المبادرة الوطنية للتنمية البشرية وفي السياسات الرامية إلى إرساء أسس الدولة الاجتماعية ببلادنا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 7

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 14

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية