الطريق إلى مؤتمر "الاستقلال"

الطريق إلى مؤتمر "الاستقلال"
الخميس 29 فبراير 2024 - 00:45

“سياسي كبير، حذق، يعرف إدارة الصراع دون أن يدخل فيه”، بهاته العبارات المختارة وصف عبد اللطيف وهبي وزير العدل والأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة نزار بركة. هذا التوصيف من وهبي لنزار لم يكن من فراغ، خصوصا وأن وهبي ليس سياسيا عاديا، وهو الذي جايله من مواقع مختلفة، أولها من موقعين متعارضين في عهد حكومة عباس الفاسي والنسخة الأولى من حكومة بنكيران، وثانيها من موقع الترافق المعارضاتي إبان النسخة الثانية من حكومة بنكيران وحكومة العثماني، وآخرها من موقع العمل الحكومي المشترك في إطار الحكومة الحالية.

نزار بركة، هذا السياسي الاستثنائي الذي تحمل مسؤولية الأمانة العامة لحزب الاستقلال بشبه إجماع في مرحلة حساسة من تاريخ الحزب، أبان عن أناة وصبر كبيرين في تدبير شؤون الحزب داخليا وخارجيا، خصوصا والساحة السياسية عرفت تحولات عميقة في التموقعات والتوجهات، وكذلك في الرهانات والتحديات. فكان الحكيم الذي عرف كيف يخرج بالحزب من حقل الصراع والتصادم إلى حقل الحوار والتفاهم، واستطاع نقل الحزب من موقع المعارضة إلى موقع التدبير الحكومي، بعدما نجح في الأولمبياد الانتخابي، حاصدا الميدالية البرونزية في استحقاق لم يكن سهلا أبدا.

والآن، وبعد مضي شهور كثيرة على استنفاذ الحزب لقانونيته الرسمية، تدعو اللجنة التنفيذية عبر بلاغ لها إلى عقد دورة للمجلس الوطني لانتخاب اللجنة التحضيرية الوطنية التي ستمهد الطريق لتنظيم المؤتمر الوطني الثامن عشر، بعدما تأجل لأزيد من سنتين لاعتبارات لن نخوض في ذكرها. بقدر ما يمكننا أن نسلط الضوء على مضمون البلاغ نفسه، وما وراء القرارات والاقتراحات التي تضمنها، وذلك من خلال النقاط التالية:

أولا: الاتفاق الجماعي على دعم ترشيح الأمين العام الحالي لولاية ثانية مؤشر إيجابي، يعكس قيم الوفاء والاعتراف بالمجهودات الجبارة التي قام بها في تجميع قوى الحزب، وحرصه على إعادة تموقع الحزب في المشهد السياسي بشكل إيجابي وفعال. وهذا ما لا ينكره إلا جاحد، ذلك أن شخص نزار بركة يحظى باحترام وتقدير كبيرين لدى جميع مكونات الحزب، بل ولدى مختلف أطياف الساحة السياسية الوطنية، أغلبية ومعارضة.

ثانيا: يظهر جليا أن سحب الاختلافات في الرأي والتدبير بين قادة الحزب قد انقشعت بعدما طال زمنها لفترات متقطعة، حيث أعطى حرص الأمين العام نفسه على بقاء الحزب موحدا ومنسجما وقويا أكله، كما التقت إرادات الخير بعدما دخل محمد ولد الرشيد المكلف بتنظيمات الحزب على الخط، وعقد سلسلة لقاءات ثنائية وجماعية مع المختلفين في الرأي وفي التوجه. فنجح في التوفيق بينهم، واقتراح حلول وسطى تريح الجميع. وهذا ما أدى إلى انفراج الأمور، بحيث تم الإعلان بشكل جماعي على اقتراح عبد الجبار الرشيدي لرئاسة اللجنة التحضيرية الوطنية ورحال مكاوي لرئاسة لجنة القوانين.

ثالثا: هذا الانفراج الكبير أذاب الجليد الكثيف الذي كان يحيط بالعلاقات بين مختلف قيادات الحزب، سواء التي تدبر الآن، أو تلك التي توارت إلى الوراء بعد المؤتمر الوطني الأخير، هذه الأخيرة ورغم اختيارها الاكتفاء بالتتبع والمواكبة في النصف الأول من هذه الولاية، لم تدخر جهدا في المساهمة في كل ما فيه مصلحة للحزب، انتقادا إيجابيا وتقييما موضوعيا واقتراحا أخويا وتدخلا فعالا لحلحلة كل الملفات العالقة.

رابعا: البلاغ ترك أصداء جد إيجابية لدى جميع مكونات الحزب، وطوى الصفحات التي كتبتها الإشاعات السوداء والسلبية المنبثقة عن خلوة الهرهورة والتي كانت تتناسل من هنا وهناك، والتي كانت تنتشر في صفوف الصحفيين والمدونين ونشطاء وسائل التواصل الاجتماعي، بل انتشرت كذلك في صفوف أطر الحزب ومناضليه كانتشار النار في الهشيم. مسببة تشنجات لا حاجة إليها ومفرزة لطاقة عامة سلبية زادت من زمن التردد والتأجيل.

خامسا: تحدث الكثير من الصحفيين والمتتبعين ولمدة طويلة عن تيارات وصراعات وأزمات داخل حزب الاستقلال، فيما لم يتعلق الأمر في واقع الحال إلا باختلافات في الرأي وفي طريقة التدبير، نتاج التدافع وتقاطع الطموحات، وهي مسألة صحية وإيجابية تعكس دينامية الحزب وقوة التدافع فيه، مصداقا لقول الله تعالى في كتابه الكريم: “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض…”.

لقد ظلم حزب الاستقلال كثيرا، على عدة مستويات وعبر محطات متعاقبة، من طرف القوى العليا والقوى الدنيا على حد سواء. ورغم ذلك بقي حيا وشامخا وصامدا، مثله مثل صومعة حسان التي تأبى إلا أن تبقى شاهدة على تاريخ المغرب الممتد، بنجاحاته وإخفاقاته. وأكيد أن تجربة الحزب النضالية الوطنية الرائدة تبقى ملهمة لجميع الأحزاب الأخرى، خصوصا وأنه حزب انطلق من فكرة شريفة وهي فكرة النضال الوطني من أجل طرد المستعمر وبناء مغرب الديمقراطية والتعادلية الاقتصادية والاجتماعية.

إنه ليعول على محطة المؤتمر الوطني الثامن عشر بأن تنعش الحزب وتقويه، عبر إحياء دمائه بكفاءات شبابية ونسائية جديدة، وعبر النقاش الجدي والمبدع حول قضايا الساعة المجتمعية، فالوطن يزداد حاجة يوما بعد يوم إلى الأحزاب الوطنية الجادة وإلى جيل جديد من السياسيين قادرين على تخليق الحياة العامة وعلى تحمل مسؤولية التحول السريع نحو الديمقراطية التامة، ونقل المغرب من ساحة الانتظار والتردد إلى ساحات الجرأة في التخطيط والإبداع في التنفيذ خصوصا وأن العالم اليوم أصبح قرية صغيرة، تتنافس فيه الدول على إحقاق التنمية والتميز والظفر بالقوة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Amaghrabi
    الخميس 29 فبراير 2024 - 22:03

    أعتقد أن الاحزاب المغربية التاريخية أحرقت أوراقها أو ربما الواقع السياسي والاجتماعي هو من يحرق أوراق الاحزاب لأن الاحزاب تعتمد على النظري والشفوي وتنويم المواطن في الاحلام التي لن تتحق ابدا مما يجعله ينقلب عليها مباشرة بعد العهدة الاولى ونرى تزكية الاحزاب الجديدة التي تأتي بأحلام جديدة كالعدالة والتنمية واليوم حزب الاحرار وبالامس كان حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الاشتراكي ويعلم الله من يظهر في الاستحقاقات المقبلة وباي حلم جديد لكي يسوقه الى شعبنا الذي مل بالوعود الكاذبة وبالافكار الخيالية وبالبرامج المكررة.اليوم اعتقد انه هناك فسادي سياسي او فساد انتخابي اما الفوز بالرشاوي وبالتالي الاعتماد على الاعيان وسماسرة الانتخابات واما بالوعود الكاذبة لتحقيق مطالب بعض المصالح الخاصة التي يطلبها المواطن من اجل صوته الانتخابي وفي الاخير وبدون شك تكون نسبة المشاركة ضعيفة لان المواطن اصبح واعيا انها ريح موسمية تمر بسرعة وحالة الانتظار لتحقيق المصالح تدوم سنوات

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 9

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 14

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية