في اليوم العالمي للتطوع

في اليوم العالمي للتطوع
الجمعة 6 دجنبر 2024 - 15:58

خلد العالم في الخامس من دجنبر الحالي الذكرى التاسعة والثلاثين على إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة تخصيص يوم الخامس من دجنبر من كل سنة يوما عالميا للتطوع، وهي مناسبة دأب العالم على استثمارها لتسليط الضوء على أهمية وأدوار العمل التطوعي والاحتفاء بالمتطوعين، وجهودهم ومبادراتهم وتعزيز عملهم بما يزيد من خدمة الفعل التطوعي لتنمية بلدانهم.

ورغم أننا أيضا نريد استثمار هذه المناسبة لتسليط الضوء على واقع العمل التطوعي ببلادنا وآفاقه، إلا إنه من الأجدى والأفيد أن نعرج في نفس الوقت وبالموازاة على بعض من التجارب المقارنة في هذا المجال ودراستها. من باب المقارنة واستلهام الدروس، ذلك أن إطلالة دقيقة على هاته التجارب تحيلنا على السبق الذي حققته مجموعة من الدول على مستوى مأسسة العمل التطوعي وتنظيمه قانونيا، حيث تعد الولايات المتحدة الأمريكية أول من قامت بتنظيم التطوع في العالم، بعد أن أصدرت في دجنبر 1737 قانونا ينظم العمل التطوعي في مجال إطفاء الحريق بمدينة نيويورك. كما تبعتها دول أخرى مثل كندا وإنجلترا واليابان وكوريا الجنوبية والهند… سنت تشريعات وقوانين خاصة بالعمل التطوعي.

فيما التحقت دول العالم الثالث متأخرة بهذا الركب، بمن فيها المغرب، حيث نجد عددا قليلا من الدول العربية هي التي سنت تشريعات وأقرت تدابير خاصة بالعمل التطوعي، من قبيل مصر ولبنان وتونس والإمارات وقطر والسعودية. نفس الأمر على مستوى الدول الافريقية، حيث لا نكاد نجد سياسات أو تدابير أو تشريعات وطنية تنظم العمل التطوعي، اللهم بدول محدودة، وهي الكاميرون، جنوب أفريقيا، الكوت ديفوار، مالي، كينيا، زامبيا ومدغشقر.

وبالعودة إلى التركيز على بلادنا المغرب، وإن كانت الكرونولوجيا أعلاه متعلقة بمسألة مأسسة التطوع والتنصيص عليه قانونيا، أي من داخل الحقلين، القانوني والمؤسساتي، فإنه على مستوى حقل التاريخ، يعود أصل الممارسة التطوعية بالمغرب إلى عهد بعيد جدا، قبل تاريخ نشوء الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، بل حتى قبل تاريخ اكتشاف القارة الأمريكية برمتها بزمن بعيد. حيث انبثقت مبادرة التويزة، كوجه من وجوه التكافل الاجتماعي بين الأسر والقبائل الأمازيغية الضاربة في القدم، وفيها تعززت صور العمل التطوعي، عبر التعاضد والتعاون لبناء المساجد ومساعدة المحتاجين والتكفل بالأيتام والأرامل عبر الوقف، الذي يعتبر أسمى صور التكافل والتضامن الإنسانيين مع الأخر. وصولا إلى تنظيم العمل التطوعي عبر تنظيمات وجمعيات وتعاونيات جندت نفسها لخدمة البلاد والعباد من مختلف النواحي.

فالتطوع يعد سلوكا إنسانيا وظاهرة اجتماعية لزمت الإنسان المغربي منذ زمن طويل. ومع ظهور الدولة العصرية والمؤسسات الحديثة أصبح التطوع بمثابة لبنة أساس لبناء المجتمع، تتراوح آثاره من جماعة لأخرى ومن مجتمع لأخر، حيث نجد أن مختلف الديانات والفلسفات الاجتماعية حثت عليه لبواعثه الإنسانية والأخلاقية والحضارية والتنموية التي تهدف إلى الارتقاء بالإنسان فردا وجماعة ومجتمعا، ومساعدته في حل المشكلات التي يعاني منها في بيئته الاجتماعية.

فقد شكل الأفراد عبر التاريخ جماعات وتشكيلات اجتماعية بطريقة طوعية، تكونت نظمها من خلال عادات وأعراف وتقاليد، حتى إذا تبلور الفكر الإداري في العصر الحديث، أصبحت هذه الهيئات مؤسسات ذات هيكل تنظيمي لجماعة بشرية تقوم على أساس فكري متجانس قادر على تحقيق أهداف مشتركة، إذ نشأت هذه الهيئات من طرف أفراد بجهود واعية حيث ينشطون بوضع برامج لما اكتشفوا احتياج مجتمعهم له. وهكذا نشأت الكثير من المؤسسات التطوعية بدافع خدمة المجتمع ولا تسعى للربح، بل لتحقيق أهداف إنسانية تربوية واجتماعية وثقافية وبيئية صرفة. ونسجل هنا أن تاريخ الأوقاف في المغرب شاهد على الأعمال التطوعية في فاس ومراكش وغرناطة وقرطبة والقاهرة ومكة والمدينة وإسطنبول.

ووفق هذا الاتجاه، تطورت صور التطوع لدى المغاربة بتطور النسيج الاجتماعي وبظهور حاجات مجتمعية جديدة، فأصبحنا أمام مبادرات تطوعية جديدة تروم الدفاع عن استقلال الوطن وحوزته، أو المساهمة في بناء وتشييد الآبار والطرق والبنى التحتية والمؤسسات الدينية ودور التنشئة الاجتماعية والمساجد والمراكز الصحية، خصوصا في المناطق المعزولة. مما جعل من العمل التطوعي محركا أساسيا للعمل المدني والجمعوي بالمغرب، مستندا بذلك على قيم التضامن والتكافل المتجذرة لدى المغاربة والمستمدة من القيم الإنسانية والإسلامية، والإرث الثقافي المغربي متعدد الروافد.

وارتباطا بسياق الدينامية الاجتماعية والمدنية التي عرفها المجتمع المغربي بعد إقرار دستور 2011 بما حمله من مبادئ ومفاهيم جديدة، نصت على الديمقراطية التشاركية وأولت للمجتمع المدني أدوارا دستورية مهمة، نجد أنه قد برزت ضرورة الانكباب على إيجاد صيغ قانونية وعلمية لتقنين مجال التطوع وتثمين الرصيد التطوعي المغربي المتراكم عبر التاريخ، بما يسهم في تنميته وتوفير شروط نجاحه وتعميمه ليشمل مختلف المجالات الحيوية. وهو ما تم فعلا، بعد أن صادقت بلادنا في يوليوز 2021 على القانون المتعلق بتنظيم العمل التطوعي التعاقدي، في محاولة من الدولة للتأطير القانوني لمجال التطوع وتنظيمه والرقي به بالشكل الذي يساهم فيه في التنمية المجتمعية.

وعلى مستوى السياسات والبرامج العمومية المخصصة لهذا الحقل، نسجل بإيجاب اعتماد برنامج “متطوع”، الذي أطلقته وزارة الشباب والثقافة والتواصل -قطاع الشباب- لفائدة الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 18 و22 سنة، والذي يهدف إلى إشراك أزيد من 5000 شابة وشاب من جميع ربوع المملكة وتكوينهم وتعزيز قيم المشاركة المواطنة لديهم، وتطوير معارفهم ومهاراتهم المتعلقة بالعمل التطوعي في مجالات البيئة والتنمية المستدامة والتضامن والتعاون والتربية والتنشيط والتراث والثقافة والصحة والرياضة وريادة الأعمال الاجتماعية. والذي أنهى دورته الثانية برسم هذه السنة محققا نجاحا باهرا وصدى طيبا في صفوف شريحة الشباب التي شاركت فيه.

إلا أنه ورغم أن منظمة الأمم المتحدة دعت جميع الدول الأعضاء والسلطات الإقليمية والمحلية إلى تنظيم برامج وأنشطة تستهدف دعم المحتاجين عبر العالم، ودعت إلى تعزيز العمل من خلال التعليم على جميع المستويات، بما في ذلك برامج المؤسسات الجامعية. بحيث يصبح التعلم من خلال العمل التطوعي جزءا لا يتجزأ من التدريب في جميع مراحل الحياة.

ورغم أن الدستور الحالي لسنة 2011 ينص على أنه يتعين على السلطات العمومية اتخاذ التدابير الملائمة لتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد، والمساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية، وكذلك لتيسير ولوج الشباب للثقافة والعلم والتكنولوجيا… مع توفير الظروف المواتية لتفتق طاقاتهم الإبداعية في كل المجالات.

ورغم أن تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تحت رقم 2016/28 أوصى بضرورة وضع حوافز تشجع الشباب على الانخراط في العمل التطوعي، مثل إدراج فترة التكوين في المجال الجمعوي كعنصر إيجابي ضمن ملف الشاب من أجل الولوج إلى الدراسات العليا.

ورغم أن تجارب مهمة تم استيقائها من متابعة المنظمات التي تعتمد على التطوع في أوروبا، ملخصها أن للعمل التطوعي قيمة مضافة عالية. ذلك أن مقابل كل يورو تنفقه هذه المنظمات لتشجيع العمل التطوعي، تتلقى في المعدل ما بين 3 و8 يورو. وليس للعمل التطوعي قيمة اقتصادية قابلة للقياس فقط، ولكنه يمكن أيضا من توفير كثير من المال العام، إضافة إلى كونه يسهم في التنمية الشخصية والاجتماعية للأفراد.

ورغم أن الكل يتفق بأن للعمل التطوعي أهمية كبيرة وفوائد متعددة لكل من الفرد المتطوع والمجتمع، ليس فقط لأنه يسهم في تنمية المجتمعات وازدهارها ويدعم الأداء الحكومي. وإنما لأنه ينمي لدى الأفراد العديد من القيم الدينية والأخلاقية التي تسمو بهم نحو الكمال الإنساني، خصوصا أمام حاجة المجتمع المغربي اليوم إلى الاستثمار في العمل التطوعي للقضاء على بعض الظواهر السلبية التي بدأت تستشري في المجتمع، ومنها الاتكالية، الكسل، التسول، التشرميل، المخدرات، العنف بكل مظاهره…

إلا أن مجموع المجهودات الوطنية المبذولة في هذا الباب لا زالت محتشمة جدا. وكذلك النتائج المحققة مقارنة مع النتائج المرجوة. حيث لازالت هناك العديد من المعوقات التي تعوق العمل التطوعي، وأهمها ضعف الدور الذي تقوم به مؤسسات التعليم والإعلام في التوعية بأهمية العمل التطوعي في تنمية المجتمع. وغياب ثقافة العمل التطوعي، وقصور الوعي والفهم الحقيقي عند بعض شرائح المجتمع لطبيعة العمل التطوعي وقيمته ودوره في التنمية، مما يؤدي إلى رفض المشاركة في العمل التطوعي ما دام لا يدر عليهم دخلا ماديا، بالإضافة إلى نقص المعلومات عن مجالات الأعمال التطوعية التي يمكن أن يلتحق بها الأفراد.

ينضاف إلى هذا العديد من المعوقات لنشر ثقافة العمل التطوعي في المغرب، منها البطالة والفقر التي تعوق مشاركة الشباب في الأعمال التطوعية، وعدم توفر الأمن المالي لهم، والانشغال بالأولويات والضروريات الذاتية، بالإضافة إلى غياب التخطيط المسبق الذي يساهم في جلب الكفايات وفي تدريب المتطوعين في مجالات العمل التطوعي.

كذلك المعوقات التنظيمية والقانونية تعد إحدى العقبات الرئيسة في مجال تطوير العمل التطوعي وانخفاض مستوى التعاون بين تلك الجهات التطوعية والقطاعات الرسمية. ذلك أنه رغم إصدار القانون المنظم للعمل التطوعي التعاقدي ببلادنا، إلا أن السلطات الحكومية ظلت غير متحمسة لتطوير برامج ومجالات العمل التطوعي، بالإضافة إلى قلة البرامج الإعلامية التي تشجع على العمل التطوعي، وقلة مصادر المعلومات عن برامج ومجالات التطوع، وعدم التعريف بالأنشطة التطوعية التي تنفذها المؤسسات الحكومية والمدنية.

فتنمية ثقافة العمل التطوعي ما زالت تحتاج لمزيد من التخطيط والدعم خصوصا في مجال التعليم والإعلام. مع ضرورة نشر الوعي بأهمية العمل التطوعي في أواسط المجتمع، خصوصا لفائدة فئتي الأطفال والشباب منهم، وذلك من خلال نشر دوريات تحفيزية وتنظيم ندوات توعوية وورشات عمل تحسيسية حول أهم مجالات العمل التطوعي. وضرورة تضمين المقررات المدرسية والجامعية في جميع مراحل التعليم موضوعات تتناول ثقافة التطوع وأهميته، ودوره الأساس في تحقيق التنمية المحلية والشاملة.

إن النهوض بالعمل التطوعي ببلادنا يستلزم بالضرورة اهتمام الحكومة به كقاطرة للتنمية وتخصيص ميزانية خاصة لدعمه. وإصدار ترسانة قانونية متكاملة تحفز على ممارسته وتساعد على تقنينه وحوكمته وتطويره. مع إعداد دراسات ميدانية بالاحتياجات المجتمعية حسب الأولويات، وإعداد خطط لتغطيتها من خلال العمل التطوعي. وتأهيل وتدريب أطر محترفة نظامية وتكميلية لتساعد على تكوين وبناء قدرات قيادات الجمعيات ومجتمع المتطوعين بما يمكنهم من تطبيق الأساليب الحديثة في الإدارة والقيادة وتطوير آلية العمل لتنفيذ خطط العمل التطوعي وأهدافه المرجوة.

كذلك، يستوجب الأمر تشجيع الجمعيات التي تشتغل في مجالات العمل التطوعي، وإنشاء جامعة وطنية أو مؤسسة رسمية خاصة بالدعم التطوعي، تقدم دورات توعوية دورية، وتواكب وتوجه الفعل الجمعوي في هذا المجال، وتحفز على الانخراط فيه. مع ضرورة الاهتمام بوسائل الإعلام المختلفة، وخصوصا الالكترونية منها ووسائل التواصل الاجتماعي. للتعريف بالعمل التطوعي وحاجة المجتمع إليه، ودوره في التنمية، وتقديم صورة ذهنية جيدة عنه. والاستثمار بشكل أكبر في الطاقات الإنسانية للمغاربة، بالتركيز صلبا على تحفيز الدوافع الأساسية التي تدفعهم للعمل التطوعي، وهي بالدرجة الأولى المشترك الإنساني الكوني، والوازع الديني.

لا يمكنني أن أنهي هذه المقالة دون أن أشيد بمجهودات جامعة محمد بن عبد الله بفاس التي خصصت لقاء دراسيا بمناسبة اليوم العالمي للتطوع لتسليط الضوء حول هذه الظاهرة، ودراستها علميا. وهي إشادة موصولة بالجامعة الوطنية للتخييم والمركز المغربي للتطوع والمواطنة على اهتمامهما بالعمل التطوعي ونضالهما من أجل تجويده وتعميم نشر ثقافته في صفوف الأجيال.

كما أهنئ المتطوعين المغاربة الفائزين بالمراتب الأولى في المسابقات التطوعية على غرار الشاب المغربي حمزة أحادي الذي فاز بجائزة “أحسن مبادرة عربية للتطوع”، خلال مهرجان الشباب العربي للتطوع، المنظم بدولة تونس. والفائزين بجائزة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة للعمل التطوعي لشخصيات من رواد العمل التطوعي. وجائزة أحسن مبادرة عربية للتطوع في اطار مهرجان الشباب العربي للتطوع من تنظيم المنظمة العربية للعمل التطوعي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 7

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 14

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 3

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية