مغرب السرعتين..

مغرب السرعتين..
السبت 2 غشت 2025 - 17:09

في خطابه بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لعيد العرش المجيد، رسم جلالة الملك محمد السادس خارطة طريق واضحة لمرحلة جديدة من الإنصاف التنموي والاجتماعي، انطلقت من رؤية استشرافية عميقة تنظر إلى واقع المغرب اليوم من منظار مغرب الغد. وضع جلالته الإصبع على جوهر التحدي الذي لا يزال يعوق بناء مغرب المستقبل، وهو غياب العدالة المجالية، ذلك الشرط الأساسي لضمان تكافؤ الفرص والحقوق، وإرساء مغرب مندمج وعادل في توزيع الحقوق والفرص.

فحينما يقول جلالته: “لا مكان اليوم ولا غدًا لمغرب يسير بسرعتين”، فهو لا يطلق مجرد شعار، بل يعيد ترتيب أولويات الوطن على ضوء ما تحقق من مكاسب، وما يعتري المسار من اختلالات. إنها عبارة تختزل وجعًا صامتًا، يتردد صداه يومًا بعد يوم على ألسنة أبناء الهوامش: أبناء الريف، وسوس، والجنوب الشرقي، والأطلس، ومناطق أخرى، ممن يشعرون بأن عليهم أن يركضوا أضعافًا ليصلوا فقط إلى نقطة الانطلاق ذاتها مع أبناء المركز.

نعم، لقد حقق المغرب الكثير على مستوى البنيات التحتية، والنمو الاقتصادي، والتموقع الدولي، وهي مكاسب مشروعة ومحل فخر جماعي. غير أن هذا التقدم يظل منقوصًا، ما لم يُترجم إلى عدالة ترابية واجتماعية، وما لم يشعر المواطن، أينما كان، بأنه شريك كامل في الوطن، لا فقط في شعارات الانتماء، بل في التمكين، والتمثيلية، وصناعة القرار.

خطاب العرش هذا العام ليس مجرد تشخيص للأوضاع، بقدر ما هو بلورة لرؤية شاملة ترتكز على الانتقال من مقاربات اجتماعية تقليدية إلى نموذج متكامل للتنمية المجالية المندمجة، يرتكز على احترام وتثمين الخصوصيات المحلية، وتعزيز التضامن والتكامل بين جهات المملكة، مع ضمان أثر ملموس للمشاريع الوطنية على واقع السكان في كل قرية ومدينة.

وبين هذا التوجيه الملكي الحكيم، والتوق العميق الذي نحمله نحن كأبناء للهامش، تتجلى مسؤوليتنا الوطنية المشتركة، كفاعلين سياسيين وأحزاب ومؤسسات، في أن نجعل من العدالة المجالية التزامًا فعليًا، رافعة سياسية وتنموية ترتقي بمستوى عيش المواطنين، وتحقق الإنصاف حيث هم، لا حيث يُراد لهم أن يكونوا.

لقد بات الحديث عن “مغرب السرعتين” واقعًا ملموسًا، يعكس الفجوة المتنامية بين المركز والهامش، ليس فقط على المستوى التنموي، بل في عمق المشاركة السياسية وصناعة القرار. فالشباب والكفاءات القادمة من مناطق الريف وسوس والجنوب الشرقي وجبال الأطلس، لا يزالون يُعاملون كضيوف على مائدة السياسة بدل أن يكونوا شركاء فاعلين.

هذا الواقع يعكس احتكارًا طويل الأمد لمراكز القرار، حيث يُطلب من هؤلاء الشباب أن يقطعوا مسافات طويلة ليحصلوا فقط على جزء ضئيل من التقدير والفرص التي تُمنح بسهولة لأبناء المراكز عبر امتيازات جغرافية ورمزية.

لا يمكن فهم أزمة التمثيل السياسي لأبناء الهامش بمعزل عن واقع الهيمنة التي تكرّس احتكار مواقع القرار في أيدي نخب مركزية تتجاهل أو تتغافل عن أصوات وهموم المغرب العميق. هذا الاحتكار يشكل انتهاكًا صارخًا لمبدأ العدالة المجالية، ويكرّس شعورًا عميقًا بالإقصاء والغبن.

لذلك، تبرز الحاجة الملحّة إلى كسر هذا الاحتكار، وبناء آليات تمثيلية جديدة تضمن مشاركة فعالة ومتوازنة لأبناء كل الجهات، تُثمّن كفاءاتهم وتطلعاتهم، وتمكّنهم من أن يكونوا شركاء أصيلين في رسم مسار وطنهم ومستقبل أجياله.

إن استمرار التفاوتات المجالية والإقصاء لا يخلق فقط شعورًا عميقًا بالغبن لدى أبناء الهوامش، بل يضعف تدريجيًا ثقة المواطنين في جدوى المشاركة والعدالة، ويغذي حالة من الإحباط قد تتجلى أحيانًا في احتجاجات اجتماعية، كما حدث في حراك الريف، الذي لا يمكن فهمه خارج سياق المطالبة بالإنصاف المجالي والكرامة، لا كرفض للوطن أو لمؤسساته. ورغم أن أبناء الهامش، وفي مقدمتهم شباب الريف، ظلوا في طليعة المدافعين عن وحدة الوطن واستقراره، فإن استمرار الحيف قد يُضعف هذا الإيمان مع الوقت، وهو ما يستوجب تحركًا جديًا لترسيخ الانتماء وتعزيز العدالة كركيزتين أساسيتين للاستقرار الوطني.

ولهذا، فإن تحقيق العدالة الترابية والتمثيل السياسي العادل لا يكتفي بتحقيق الإنصاف الفردي أو الجهوي فقط، بل يشكل ركيزة أساسية لاستقرار الوطن ووحدته. فكل خطوة نحو توسيع المشاركة وتقليص الفوارق، هي خطوة في اتجاه ترسيخ اللحمة الوطنية، وحماية المغرب من أية تهديدات أو أجندات خارجية قد تستغل الفراغ أو الغبن لتعميق الانقسامات.

من خلال تجربتنا السياسية كشباب من مناطق الهامش، واجهنا تحديات حقيقية تعكس بصدق ما يعانيه أبناء هذه الجهات داخل فضاء صناعة القرار. فالمسار ليس سهلا، بل يشبه خوض معركة مستمرة، يُطلب منا فيها إثبات الجدارة والكفاءة مرارًا وتكرارًا، لننال فرصة تواجد رمزية في المشهد السياسي دون تمكين فعلي.

والمفارقة المؤلمة أن هذا الجهد الشاق لا يُقابل غالبًا بفرص متساوية أو اعتراف مستحق، إذ تُواجه الطاقات الواعدة حواجز غير مرئية، تتراوح بين الولاءات الشخصية داخل الأحزاب واللوبيات الجهوية التي تعزز نفوذ مراكز القرار، مما يعيق دخول أبناء المغرب العميق إلى مواقع التأثير الحقيقية في الأحزاب والمؤسسات.

هذا الواقع يزرع شعورًا متزايدًا بعدم الانتماء ويفقد الشباب الثقة في جدوى العمل السياسي، مما يدفع كثيرين منهم إلى العزوف، ليس بسبب ضعف الطموح أو الكفاءة، بل لأن الطريق أمامهم محفوف باللامساواة وسد الأبواب. ورغم محاولاتنا المستمرة، كأبناء للهامش، لتشجيعهم على الانخراط، نصطدم غالبًا بفتور مفهوم ومبرر، في ظل تهميش مزدوج: أولًا من المركزية التي تضيق على مناطقهم، وثانيًا من الأحزاب التي نادرًا ما تمنحهم فرصًا فعلية للتمثيل والتأثير.

وما يزيد الأمر ألمًا، أن هذا العزوف، وإن كان مفهومًا ومبررًا، يُستخدم لاحقًا كذريعة إضافية لتهميشهم: يُقصون لأنهم غائبون، ويُتهمون بالغياب لأنهم مُقصون. إنها حلقة مفرغة من التهميش والعزوف تتكرر باستمرار.

لذلك، لا تُكسر هذه الدائرة المغلقة إلا ببناء آليات تمثيلية جديدة تستمع إلى أبناء المغرب العميق، وتمنحهم الحق في المشاركة الفعلية في صنع القرار لا أن يكونوا مجرد متفرجين وأدوات لتأثيث المشهد.

رغم واقع التهميش وصعوبة الطريق، نتمسك بالإيمان والعمل المستمر، مؤمنين أن التغيير لا يتحقق بالانسحاب بل بالحضور والمثابرة. نفتح النقاشات ونشجع شبابنا على المشاركة الفعلية في العمل المؤسساتي، وندرك أن العزوف أصبح ذريعة لاستمرار الإقصاء. نرفض ترك الساحة خاوية، ونؤمن بأن طاقات أبناء الوطن وتنوعهم هم أساس القوة وبناء مغرب الغد.

إن الإرادة الملكية السامية، التي تؤكد على ضرورة تحقيق العدالة المجالية والتمثيل السياسي المتوازن، تشكل دعوة ملحة لجميع الفاعلين السياسيين والمؤسسات الوطنية للعمل بجدية ومسؤولية من أجل تجاوز مكامن الإقصاء والهيمنة. آن الأوان لأن تتحول هذه الرؤية الملكية من خطاب إلى واقع ملموس، عبر إرساء آليات شفافة وعادلة تضمن مشاركة فعالة وحقيقية لأبناء كل الجهات، خاصة مناطق الهامش.

إن تنزيل هذه الإرادة يتطلب منا جميعًا، كأحزاب ومؤسسات ومجتمع مدني، أن نعمل على كسر دائرة الإقصاء، وتعزيز الشراكة والتضامن الوطني، وبناء مغرب متوازن يضمن لكل أبنائه الحق في العيش الكريم، والتمثيل الفاعل، وصناعة القرار. فقط بهذه الخطوات الواقعية نُحقق وحدة وطنية حقيقية، ونرسخ مغربًا متقدمًا يليق بتطلعات شعبه، ويحقق العدالة الاجتماعية والتنموية المنشودة.

فلنكن جميعًا شركاء في هذا المشروع الوطني الكبير، ونحول الكلمات إلى أفعال، والإرادة إلى إنجاز، حتى نكتب معًا فصلًا جديدًا من مسيرة المغرب نحو المستقبل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • MC
    السبت 2 غشت 2025 - 18:14

    “لا تُبنى العظمة بالأسفلت والزجاج، بل باسمنت العدل الذي يمسك كلّ حجرٍ في هذا البنيان الوطني.”

    أستاذ رشيد،
    بعد قراءة مقالكم المؤثر “مغرب السرعتين”، وجدت نفسي أمام مرآة تعكس حقائق مؤلمة لكنها ضرورية. لقد نجحتم في توثيق معاناة جيل كامل من المغاربة الذين يشعرون أنهم يعيشون على هامش وطنهم.

    ما أثار انتباهي بشكل خاص هو تشخيصكم الدقيق لـ “الاحتكار المزدوج” الذي يعانيه أبناء المناطق المهمشة: احتكار الموارد من جهة، واحتكار الفرص من جهة أخرى. إنها معادلة قاسية تنتج شعوراً عميقاً بالاغتراب داخل الوطن نفسه.

    لكنّ الأكثر إيلامًا في مقالكم هو ذلك التناقض التاريخي: فبينما كان الريفيون والسوسيون وغيرهم حماة الوحدة الترابية عبر التاريخ، ها هم اليوم يُكافحون من أجل وحدة الفرص! أليس هذا من المفارقات التي تدمي القلب؟

    ما يزيد الطين بلة أن هذا الإقصاء الممنهج يأتي في وقت تمتلك فيه هذه المناطق طاقات هائلة وكنوزاً بشرية قادرة على المساهمة في بناء الوطن، لو أُعطيت الفرصة.

    وفي الختام، أقول لكم:

    “العدالة ليست ترفًا، بل هي الجسر الوحيد الذي يعبر عليه الوطن من حاضرٍ متعب إلى مستقبلٍ آمن.”

    ALHOCEIMA

  • مغربي محب لوطنه
    السبت 2 غشت 2025 - 20:41

    “تمنح بسهولة لأبناء المركز ” ؟! لا أعرف من هم المقصودين بهذه العبارة لأنني متأكد أنه لا يقصد أبناء المدن الغارقين في البطالة أو المعطلين بتوصيف أصح . قد يبدو ما أقوله مبالغ فيه أو فيه شيء من التجني لكن لو كانت الوظائف العمومية محتكرة من قبل سكان المدن لكان أداء الإدارة أفضل بكثير لاسيما في قطاعات التعليم و العدل و الأمن ، من لم يلاحظ عن قرب الفرق بين هؤلاء و أولائك في خدمة المواطنين فلن يقنعه هذا الرأي مهما كان .

  • amaghrabi
    الأحد 3 غشت 2025 - 11:15

    صراحة تقييمي لسياسة جلالة الملك حفظه الله منذ اعتلائه العرش المغربي إيجابي جدا واوصل البلاد الى مستوى لن يستطيع اي احد اخر تحقيقه سواء كان رئيسا او حزبا او عسكريا او او لان المعرقل الأول هو المجال التربوي والذي يظهر المستوى الضعيف تربويا في المجتمع المغربي الذي يتصف بالانانية والتربية الفاسدة التي تهدم ولا تبني لا من طرف الموظفين ولا من طرف المواطن العي وبالتالي فالمامورية صعبة كما قال الشاعر”متى يتم البنيان تمامه اذا كنت تبني وشعبك يهدم.

صوت وصورة
رالي المغرب يخترق الصحراء
الأحد 27 شتنبر 2026 - 23:36

رالي المغرب يخترق الصحراء

صوت وصورة
مستشفى تيفلت بلا تجهيزات
الأحد 27 شتنبر 2026 - 22:03

مستشفى تيفلت بلا تجهيزات

صوت وصورة
البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"
الأحد 27 شتنبر 2026 - 21:30

البيضاء تخسر "ذاكرة السينما"

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17

أزمة الكراء في سلا