وداعا أبا التهامي مول القلة..

وداعا أبا التهامي مول القلة..
الثلاثاء 26 غشت 2025 - 19:30

عاش عشاق التبوريدة بالمغرب لحظة فارقة صيف هذه السنة، وهم يودعون أبا التهامي بغصة بالغة، حرقة على وفاة وفقدان رجل ذي تاريخ رمزي، جمع بين أيقونة الفرجة والبساطة وتأثيث فضاءات التبوريدة والفروسية، وهو الذي عُرف عند الجميع بالتهامي مول القلة. رجل في العقد السادس من عمره، حقق لنفسه مطلبًا شعبيًا بعد أن اختار أن ينخرط في كل المواسم والمهرجانات، يقوم خلالها بكسر قلّته الطينية بعدما يفرغ ماءها على رأسه ابتهاجًا بنجاح الطلقة الموحدة التي تحرك المتفرجين……

أبا التهامي، هكذا يسميه محبوه ومريدوه، رجل علت وجهه تجاعيد الزمن، فأضحى مشهورًا كأحد الذين ملأوا دنيا الخيل والتبوريدة وشغلوا الناس. رجل بسيط ومركب، سهل وممتنع، فريد ومتعدد في العلاقات وفي الحديث وفي الاهتمامات وفي القدرة على تدبير الثابت والمتحول في حياته البسيطة التي جعلت منه أبا للجميع.

أبا التهامي رحمه الله، كان مطلوبًا في كل مدن وقرى الوطن، يجود عليه الناس بأريحية كبيرة، لأنه ألزم نفسه بمسؤولية هذه الأفراح الجماعية، التي تنسي الناس بعضًا من همومهم اليومية، كامتداد لالتزام مهني وثقافي وإنساني أيضًا. يمازح من خلاله الجميع من الكبار والصغار، وهم يركنون إليه في كل المواسم والمهرجانات، ليعيشوا جمالية اللحظة عبر معاينة قلّته الطينية التي يقوم بضربها أرضًا، وكيف أن انفجار البارود ليس للإرهاب أو القتل، وإنما هو للمتعة والحياة.

يمر صيف هذه السنة حزينًا كالطيف، لن نكون فيه جاحدين للذكريات وللقيم الإنسانية، ونحن نبحث عن كوة ضوء في هذا الوطن الجميل لإعادة الاعتبار للكائن البشري المغربي الجميل، وكيف أن رأسمالنا الرمزي هو كينونتنا الضاربة في التاريخ، لنقول بصوت واحد إن أبا التهامي كان رمزًا وشخصية نادرة، أعادت أن تفتح المواسم وفضاءات التبوريدة على واجهة استمرارية الاحتفاء بالتراث اللامادي، وأن الثروة الثقافية حقيقة مطلقة كما يرى بول باسكون وليست نسبية، وأن الاستثناء لا يمكن أبدًا أن يكون قاعدة……

كنت دائمًا مؤمنًا بأن هذا الوطن كبير بأبنائه البررة، وأبا التهامي واحد من فلتات هذا الزمن ممن فتحوا قلوبهم للجميع ببساطته وحكمته، لأن التاريخ يكتبه المثقفون والمبدعون والمفكرون، تاريخ وطن يشهد العالم على نهوضه الجميل، في وقت يعيش فيه الآخرون من بلاد الدنيا في أوطان مسروقة وأعمار مفجوعة بلا أحلام، حفروا معها قبورًا لكل أحلامهم المؤجلة.

أبا التهامي شخصية من لحم ودم، تتنفس هواء الوطن وبساطة الحياة. ذات يوم، بعد أن اختار أن ينتعش بأجواء المحيط الأطلسي كل صباح بموسم مولاي عبد الله أمغار، قبل أن يلتحق زوالًا بساحات الفروسية من أجل طقوسه التي ينتعش فيها بماء قلّته الطينية. فرمزية الماء كإحالة على الحياة رسالة إلى الجميع، في زمن شحت فيه الأمطار وعشش معه الجفاف بين ظهرانينا، وأن الحفاظ عليه يستدعي تعاقدًا متينًا بين أبناء هذا الوطن حفاظًا عليه وحماية له، كما في قصة نرسيس الأسطورية، أي ذلك الذي أحب صورته في الماء……

لو قُدر لي أن أختار شخصية السنة، لاخترت أبا التهامي، لأني أرى في ملامحه جزءًا من ذاكرة تضيع كل يوم، لأن مثل هذه النماذج التي أحببناها من كل قلوبنا تمنحنا مسحتها الإنسانية، بعد أن أصبحت في اندثار كبير، لتتحول مياه قلّة أبا التهامي دموعًا في عيون العديد من المغاربة ممن بكوا غيابه المرير الذي لن يُنسى أبدًا.

أبا التهامي، لترقد روحك في سلام. رحمك الله، لأنه لا يمكن أبدًا أن نغفل تفاصيل سيرتك الرائعة، لأنها أسعفتنا في بناء موقف جديد، وكيف أن الحياة بسيطة وأن التفاصيل تكمن في محبة الناس بعضهم بعضًا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • ولد لبلاد
    الأربعاء 27 غشت 2025 - 00:50

    أبا التامي كما يطلق عليه أهل عبدة وأحمر،وأنا عرفته في هاته المناطق بالذات،ويقال أنه عبدي مبلي بكسر قلل الماء،حيث كان يحمل معه رحمه الله العشرات من القلل،وكل ضربة تبوريدة موحدة يكسر واحدة مزغردا ومنتشيا فرحا بجودة القرصة،كذلك يشتف على جلبابه برجليه كانه يغسله بعد تكسير القلة،وسط ارتفاع زغاريد النساء وضحكات الرجال المتعالية،في مشهد بريء عفوي يظهر احتياج النفس البشرية للترويح والتسلية.وكان رحمه الله مبليا بتتبع الخيل،فكلما سمع بموسم او مهرجانا للخيل يقصده،لا مشكل عنده.رحمه الله ورحم جميع فرسان التبوريدة الذين غادرونا الى دار البقاء،منهم الحاج سي الطاهر الخنوفي،والسباعي،وجغيدر،والشيخ حميدة بن شيگر،وبوجناح،والحجام والغوثي والبعيد…..وغيرهم من الفرسان الذي أرخوا لمجدهم الفني للتبوريدة كعلامة للخيل على مستوى منطقة عبدة/أحمر،إقليم أسفي في الثمانينات والتسعينات.وهناك جيل صاعد من الخلف تبارك الله يشاركون بفريق محترف بالنسق الجديد،وهم أبطال توجوا بالعديد من الجوائز على رأسها جائزة محمد السادس للفروسية بدار السلام،وشاركوا في مهرجان قطر للتبوريدة بالدوحة،والحديث هنا على فرقة شرف البحراوي.

  • مراد الشباني
    الجمعة 29 غشت 2025 - 04:43

    مقال اعادني الى نهاية التسعينات، لما درسنا على يد الاستاذ والدكتور محمد دخاي ابن الصويرة الرائع، بالقاعدة العسكرية بابن كرير، كانت دروسه مناسبة لاكتشاف رجل مثقف يحمل كل معاني النبل والإنسانية ومحبة الناس،أستاذي اشتقت اليك ،فلك مني الف تحية وتقدير وشكرا هسبريس

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية