ربَّ ضارّةٍ نافعة

ربَّ ضارّةٍ نافعة
الجمعة 10 يوليوز 2026 - 10:40

من الإنجاز الرياضي إلى القوة الناعمة المغربية

انتهت رحلة المنتخب الوطني المغربي في ربع نهائي كأس العالم بعد خسارته أمام المنتخب الفرنسي بهدفين دون مقابل. وهي نتيجة تظل جزءًا من منطق كرة القدم، حيث لا توجد منتخبات لا تُهزم، ولا بطولات تخلو من مفاجآت. فالرياضة، في نهاية المطاف، تقوم على مبدأ التنافس، وتحتمل الربح والخسارة بالقدر نفسه. غير أن الأمم الكبرى لا تقيس نجاحها بنتيجة مباراة واحدة، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجماعي، وما تحققه من مكاسب تتجاوز حدود الملعب.

لقد نجح المنتخب المغربي، خلال هذه النسخة من كأس العالم، في تحقيق ما هو أكبر من الانتصارات الرياضية. فقد فرض احترامه أمام مدارس كروية عريقة، وقدم مستويات عالية أمام منتخبات قوية، واستطاع أن يلفت أنظار العالم ليس فقط بمهارات لاعبيه، وإنما أيضًا بالقيم التي حملها معه إلى الملاعب.

وفي زمن أصبحت فيه الرياضة أحيانًا مرآة للتوتر والعنف والتعصب، قدم المغرب نموذجًا مختلفًا يقوم على الانضباط والاحترام والتواضع وروح الجماعة. ولم يكن المشهد الأكثر تأثيرًا هو تسجيل الأهداف، بل تلك الصور التي جمعت اللاعبين بأمهاتهم وآبائهم وأسرهم بعد المباريات، والتي أعادت إلى الواجهة قيمة الأسرة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمع المغربي. لقد كانت تلك الصور رسالة حضارية بليغة، فهمتها شعوب العالم بمختلف لغاتها وثقافاتها.

ورغم الإقصاء، بقي المغرب آخر ممثل للقارة الإفريقية والعالم العربي في البطولة، وهو ما جعل جماهير إفريقيا والعالم العربي، ومعها جماهير آسيوية وأوروبية عديدة، تتابع مسيرته بإعجاب كبير. ولم يعد المنتخب المغربي يُنظر إليه باعتباره فريقًا مفاجئًا، بل باعتباره خصمًا قادرًا على منافسة أكبر المدارس الكروية العالمية.

غير أن الإنجاز الحقيقي تحقق خارج المستطيل الأخضر. فمن الولايات المتحدة إلى نيوزيلندا، ومن أمريكا اللاتينية إلى شرق آسيا، أصبح المغرب حاضرًا في وسائل الإعلام العالمية، وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي النقاشات العامة، بوصفه بلدًا يمتلك هوية واضحة، وثقافة غنية، ومجتمعًا متماسكًا. لقد أصبحت كرة القدم نافذة واسعة تعرف العالم من خلالها على المغرب.

واكتشف ملايين الناس تفاصيل الثقافة المغربية؛ المطبخ المغربي بأطباقه المتنوعة، واللباس التقليدي بأناقته، والموسيقى المغربية بتعدد روافدها، وفنون الضيافة التي تشكل جزءًا أصيلًا من الشخصية المغربية. كما اكتشفوا مجتمعًا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويوازن بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم، ويقدم نموذجًا للإسلام الوسطي المعتدل المتصالح مع العصر.

ولعل من أبرز الرسائل التي حملها المنتخب الوطني إلى العالم صورة المرأة المغربية داخل الأسرة والمجتمع. فقد حضرت الأم المغربية باعتبارها رمزًا للتربية والوفاء، كما برزت العلاقات الإنسانية بين اللاعبين وأسرهم باعتبارها جزءًا من نجاحهم. وهكذا استطاع المغرب أن يصحح كثيرًا من الصور النمطية التي ظلت تروجها بعض وسائل الإعلام عن المجتمعات العربية والإسلامية.

إن ما حدث خلال كأس العالم يؤكد أن القوة الناعمة أصبحت اليوم أحد أهم عناصر المكانة الدولية للدول. فالدبلوماسية لم تعد تقتصر على السفارات والاتفاقيات السياسية، بل أصبحت الثقافة والفن والرياضة والجامعات والإبداع والاقتصاد والسياحة أدوات لا تقل أهمية عن أدوات السياسة التقليدية. والدول التي تنجح في بناء صورة إيجابية عن نفسها تكسب احترام الشعوب قبل أن تكسب المصالح.

ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار ما حققه المغرب امتدادًا لمسار أوسع عملت المملكة على ترسيخه خلال السنوات الأخيرة، من خلال تعزيز الحضور الثقافي والديني والاقتصادي في إفريقيا، والانفتاح على مختلف الشركاء الدوليين، وتقديم نموذج يقوم على الاعتدال والاستقرار والتنوع. فجاء المنتخب الوطني ليحول هذه القيم إلى مشاهد إنسانية مؤثرة، شاهدها مئات الملايين في مختلف أنحاء العالم.

لكن الرهان الحقيقي يبدأ بعد نهاية البطولة. فالقوة الناعمة لا تُقاس بلحظة عاطفية عابرة، وإنما بقدرة الدولة على تحويل التعاطف العالمي إلى مشاريع دائمة. واليوم أصبح أمام المغرب رصيد معنوي هائل ينبغي استثماره في السياحة، والصناعة التقليدية، والصناعات الثقافية والإبداعية، والتعريف بالمطبخ المغربي، وتشجيع تصدير المنتجات الوطنية، وتعزيز تعليم اللغة العربية والأمازيغية والثقافة المغربية في الخارج.

كما أن الجالية المغربية، المنتشرة في القارات الخمس، تمثل أحد أهم روافد هذه القوة الناعمة. فهي تمتلك القدرة على نقل صورة المغرب إلى المجتمعات التي تعيش فيها، ليس عبر الخطابات، وإنما عبر الممارسة اليومية، والعمل، والإبداع، والنجاح، والتعريف بثقافة بلدها الأصلي.

ومن الأفكار التي تستحق الدراسة إطلاق “اليوم العالمي للضيافة المغربية”، ليصبح مناسبة سنوية تحتفي بها السفارات والمراكز الثقافية والجالية المغربية عبر العالم، ويتم خلالها التعريف بفنون الاستقبال والطبخ والتراث والموسيقى والصناعة التقليدية المغربية، حتى تتحول الضيافة المغربية إلى علامة ثقافية عالمية، كما نجحت دول أخرى في تحويل بعض عناصر ثقافتها إلى علامات دولية معروفة.

لقد خسر المنتخب مباراة، لكنه ربح احترام العالم. وربما يكون هذا هو الانتصار الأكبر. فالنتائج الرياضية، مهما كانت عظيمة، تبقى مرتبطة بزمنها، أما الصورة الإيجابية التي تُبنى في وجدان الشعوب فهي استثمار طويل الأمد، يعود أثره على الاقتصاد والثقافة والسياحة والدبلوماسية والعلاقات الدولية.

وهكذا، فإن المثل العربي القديم “ربَّ ضارّةٍ نافعة” يجد اليوم تجسيده في التجربة المغربية. فقد تكون الهزيمة نهاية مشوار رياضي، لكنها قد تكون أيضًا بداية مرحلة جديدة، يتحول فيها الإنجاز الكروي إلى رصيد حضاري، وإلى قوة ناعمة تعزز مكانة المغرب بين الأمم، وتفتح أمامه آفاقًا أرحب للحضور والتأثير في عالم لم تعد تصنعه القوة وحدها، بل تصنعه أيضًا الصورة، والثقافة، والقيم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • متتبع
    الأربعاء 15 يوليوز 2026 - 18:29

    المغرب. كدولة غادي مزيان شوية بشوية ف جميع المجالات، لكن أين يكمن سر أو لغز الأمم التي سبقتنا في التقدم ؟! الوعي المجتمعي ،الحس بالوطنية و المسؤولية و بين هذا و ذاك أن تكون متأصل بأصول و تقاليد مجتمعك و لهذا في هذا العصر الي نعيشه أخاف كل الخوف على تمغربيت لأننها توقفت في جيل 90 لأنها لا تكرر و لا ينصح بها ما هي تمغربيت مثال ( الحشمة من الصغير إلى الكبير في السن و الوقار ، زيارة الأحباب النية في موضعها , كان الفقر و السعادة …. كل شي كيبغي بعضينا الزواج الوالدين ماكانوش طماعة …..

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء

صوت وصورة
دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 12:13 5

دواوير بدون كهرباء في سيدي الطيبي