اليأس الذي يصير خطيئة!

اليأس الذي يصير خطيئة!
الأحد 12 يناير 2020 - 11:50

إنها حماقة أن يسيطر اليأس على الانسان، وفي اعتقادي أن اليأس نفسه خطيئة.. ولست واثقاً أنني أفكر باليأس أو أؤمن به.. هناك في الحياة أفراد يعيشون للتفكير في اليأس.. دعهم يفكروا فيه هم، أما أنت أيها العجوز فلقد خلقت لتكون صياداً عظيما – فيلسوف قديم –

التفكير الإسقاطي هو قلب نظام العقل وتسويغ ممكناته ودحض كل ما من شأنه أن يشكل إلهاما وطوق نجاة، تماما مثلما يمكن التعبير فيه عن مكنون التحايل والقفز على الهوامش، والتنطع بالسياسة ودونها، وتقديم مؤشرات ملفقة تعيد ترتيب نفس الأفكار، بصياغة وحدة لتدوير الأوهام بنفس البيانات والمعاني. لا معنى لشيء دون حصيلة من الشك وجر التأويلات إلى فوارق متباينة من القيل والقال وكثرة السؤال. هذه النظرية الدراماتيكية صارت قاعدة معلنة ومتعارف عليها، في أدبيات ومسلكيات التقارير الرسمية وغير الرسمية، التي تنوء بحملها الركبان، وتلفظها كل يوم ساحات الجدل والنقاش في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.

هل تتغير هذه التوليفة وتتحدى تسيد اللاعبين الأساسيين الذين جعلوها في الثقافة العربية الجديدة محط سخرية وضحك وتنابز بالألقاب الكبرى التي يحوزها النصابون ودهاة القحط القيمي والأخلاقي.

وبعيدا عن تفكيك حجج المثالية المتعالية وما يبتكره العقل الناهض، يمكن تقدير فواعل التفكير الإسقاطي بالأسس التقريبية الماثلة أمامنا، ونحن نودع حصيلة فجائعية ثقيلة من سنة 2019 الأكثر عنفا والأشرس حقارة أخلاقية وسياسية.

لسنا بحاجة إلى وضع كرونولوجيا ميقاتية مسكنة لآلام ستظل حاضرة في الذاكرة الشعبية المغربية على الإطلاق، فهناك العديد من هذا الاحتدام التسلسلي الزمني الراهق، يوجد في كل الممكنات السياسية التالفة بين الأفراد والجماعات السياسية.

وأول هذه القراءات التأصيل الأخلاقي للأحزاب السياسية، على اعتبار وجودها راهنا في قلب الأزمة الديمقراطية. أو لنقل أزمة الحكم، التي ما انفكت تزيل ألوان الصبغات الأيديولوجية والفكرية والتمذهبية على وجوهها، التي تعالق أغلبها بمقترات التاريخ ودواهي الصراعات والمواجهات.

وفي حدود هذه الوقيعة لا بد أن نشير إلى انكماش ثقة الناس بالمرجعية السياسية لتلكم الأحزاب والطوائف، بعد أن اقترن مخزون نضالها طيلة سنوات الجفاف الاقتصادي والاجتماعي الأخيرة بالاقتسام الدراماتيكي لكراسي الحكومة، واختزالها عملية التدبير الحكومي والتسيير الإداري لمؤسسات الدولة في الانتفاع المادي والترضيات المضرة بالصالح العام.

والحقيقة أن الملك محمد السادس كانت له الجرأة والمكنة لفضح هذا الزيف ونفشه عن هويته وطرحه للنقد. وهو ما يؤطر الاستدعاء العقلاني والمنطق الدؤوب لإعادة صياغة قراءات حوله، والتحقق من أهليته وموقعه في خريطة التنمية والإنسان.

وكما هو محدور أن نمج ما لا تستسيغه العقول والأذهان، عندما يتعلق الأمر بتسويغ إشراك الأحزاب السياسية في الحوار الذي تقوده لجنة النموذج التنموي الجديد. ليس لمحدودية توافر أجهزة مفاهيمية توثق لتاريخ هذا الإشراك ومتلبساته، ولا لفرض نظامية التواصل معها، ولكن، وهذا هو الأكيد، أن أحزابا سياسية انتهت مهماتها التواصلية، وفعالياتها التأطيرية ومسلكياتها الفكرية. تلك التي ارتضت الإمعان في إفراغ السياسة من المعنى، وحولت المقرات الحزبية، وعقاراتها المغسولة بآلام شعبها الفقير، إلى مجرد حلبة للحصانات والأتاوات والإغراق الفاشي لأحلام المغبونين وضحايا العهد الجديد.

إن يأس الانتظارات الآن يسائلنا جميعا، كيف سنتمكن من القفز عليه، وتجاوز معضلاته، في ظل الارتهان على حصان طروادة الخاسر، ذلك الحصان الذي أضحى ركوبه منزلقا لمخاطر تنتظرنا جميعا، وتتجاوز كل الخطوط الحمراء، التي ما انفكت تثير الشجون ومصاعب التخفي خلف أزمات، ومداخل جديدة لمناعة وطن ينهار أمامنا، ونحن غير قادرين على فعل أي شيء!؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • إبراهيم بومسهولي
    الأحد 12 يناير 2020 - 13:25

    الأحزاب أصبحت هي الحائط القصير.. طاحت الصمعة علقوا الحجام ! الشجاعة تقتضي قول الحقيقة كاملة أو على الأقل الإمتناع عن " الحكرة" !

  • عين طير
    الأحد 12 يناير 2020 - 13:42

    لست أدري لماذا تنفر نفسي من مصطلح "النموذج التنموي الجديد"، ولا توحي إلي إلا بالسلبيات. ربما سيقول محلل نفساني إنما تنفر النفس من الشيء الذي تجهله أو لا تفهمه، لدافع مكبوت قابع في غياهب اللاوعي، وفي هذه الحالة، سأسلم برأيه، دون أن أعترف له بصواب الرأي، ولكن، عليه بالمقابل، أن يسلم مصدقا بأن الأيام أثبتت لي أنه كلما نفرت من شيء إلا وكنت على بينة من الأمر بحدس فطري، فالأمر هنا مثل مقامر في لعبة البوكير، يعرف متى ينبغي أن ينسحب، دون أن يقول بالفرنسية je me couche، ولا زلت أتذكر تلك الليلة من ليالي الجامعة، كنت أعاقر ليلى كالعادة في مقهى الحي الجامعي، و Pink Floyd تردد على مسمعي Hey teacher live us a kids alone، في تلك اللحظة، دعاني أشخاص لأنضم إليهم، علموني قواعد اللعبة، وانطلقت، وكنت المغفل، لأنني خسرت الطاولة كلها بعدما ربحتها عن جدارة واستحقاق، نظر إلي أحدهم متأسفا، وقال : لقد غش ولم تلحظه.

    إ ديها زعيم، أو كريم، .. ، أو مسخوط لوالدين!

  • عماد
    الأحد 12 يناير 2020 - 14:05

    كلما قرأت لهذا الكاتب المحترم أتذكر ذاك الفيلسوف العظيم من الأقاليم الجنوبية الذي تداولت مواقع التواصل الاجتماعي بعض فيديوهاته

  • Khadija
    الإثنين 13 يناير 2020 - 21:38

    انا كصوفية لا اعرف معنى الياس و ليس له مجال عندي, و الدعوة الى الياس هي من الشيطان, لان الشيطان يعد اولياءه الفقر و الموت و الياس يدعو للانبطاح للعدو و الانتحار. اما الله فهو لا نهاية له, كبدايته متجدد يعيك دائما امل في الحياة الابدية و الوعد بالافراح و الجنان العالية, حتى و ان مت شهيدا في هذه احياة الفانية المادية الناقصة.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 5

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"