ثقافة الاعتذار… حين يصبح الاعتذار واجبًا سياسيًا وأخلاقيًا
في لحظات الأزمات الكبرى، لا تحتاج الشعوب فقط إلى البيانات الرسمية والتبريرات، ولا إلى لغة الأرقام والإحصائيات، بل تحتاج قبل كل شيء إلى أن تشعر بأن مؤسساتها تسمعها، وأن نخبها السياسية تشعر بألمها، وأن المسؤولين قادرون على الوقوف أمامها والقول بكل وضوح: نحن آسفون، لقد أخفقنا في مكان ما، وعلينا أن نراجع أنفسنا.
ولعل الأحداث التي عرفتها منطقة تطوان وسبتة خلال الأيام الأخيرة، وما رافقها من محاولات للهجرة نحو الضفة الأخرى، وما انتهت إليه من مآسٍ وسقوط ضحايا، تطرح سؤالًا أكبر من سؤال الهجرة غير النظامية أو المسؤولية الأمنية: أين هي ثقافة الاعتذار في الحياة السياسية المغربية؟
أليس من حق أسر الشباب الذين فقدوا حياتهم وهم يحاولون عبور البحر أو الوصول إلى الضفة الأخرى أن يجدوا مسؤولين منتخبين وحكوميين يذهبون إليهم، لا فقط لتقديم التعازي، وإنما أيضًا للاستماع إليهم والاعتراف بأن وراء هذه المأساة أزمة أعمق؟
الاعتذار ليس إدانة للدولة
قد يقول البعض إن الدولة لا تتحمل مسؤولية مباشرة عن قرار شاب بالمخاطرة بحياته من أجل الهجرة. وهذا صحيح من الناحية القانونية في كثير من الحالات. لكن السياسة لا تُقاس فقط بالمسؤولية القانونية المباشرة.
هناك أيضًا مسؤولية سياسية وأخلاقية.
فعندما يقرر شاب أن يترك أسرته، وأن يخاطر بحياته في البحر، وأن يواجه الموت من أجل الوصول إلى مكان آخر، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا هاجر؟ بل يجب أن نسأل أيضًا: لماذا أصبح يشعر أن مستقبله يوجد في مكان آخر؟
وهنا تبدأ مسؤولية النخبة.
ليس المطلوب أن يعتذر مسؤول عن كل وفاة باعتبارها خطأ ارتكبه شخصيًا، وإنما أن تكون هناك شجاعة سياسية للاعتراف بأن بعض السياسات العمومية لم تنجح في إقناع جزء من الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى هنا.
ماذا لو ذهبت الحكومة والنخبة السياسية إلى تطوان؟
تخيلوا المشهد.
مسؤولون حكوميون، وبرلمانيون، ورؤساء أحزاب، ومنتخبون، وفعاليات مدنية، يتوجهون إلى تطوان، يجلسون مع أسر الضحايا، يستمعون إلى آباء فقدوا أبناءهم، وأمهات ينتظرن أخبارًا لا تأتي، وشباب يعيشون الإحباط والخوف من المستقبل.
ثم يقولون لهم:
“نحن نعتذر لأننا لم ننجح بما يكفي في توفير الأمل الذي كان ينبغي أن يجدَه أبناؤكم هنا.”
قد يكون لهذا الاعتذار أثر أكبر من عشرات البلاغات الرسمية.
لأن الاعتذار في هذه الحالة لا يعني تحميل الدولة مسؤولية قرار الهجرة، بل يعني الاعتراف بأن الدولة والمجتمع والنخبة السياسية جميعها مطالبة بمراجعة الطريقة التي تعاملت بها مع الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعيشها الشباب.
من المسؤول عن غياب الأمل؟
لا يمكن اختزال القضية في البطالة فقط.
الشاب الذي يرى العالم من خلال هاتفه، ويشاهد يوميًا مستوى المعيشة في أوروبا، ويقارن واقعه بواقع شباب يعيشون على الضفة الأخرى، لا يعيش فقط أزمة اقتصادية، بل يعيش أيضًا أزمة ثقة وأزمة انتماء وأزمة أفق.
وحين تصبح عبارة “الهجرة” مرادفًا للنجاح، وتصبح عبارة “البقاء” مرتبطة في ذهن البعض بالفشل، فإننا أمام أزمة مجتمعية تحتاج إلى أكثر من المقاربة الأمنية.
الأمن يستطيع أن يمنع العبور، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع الأمل.
القوانين تستطيع أن تجرّم التهريب، لكنها لا تستطيع وحدها أن تقنع شابًا بأن مستقبله يستحق أن ينتظر.
والحواجز يمكن أن تمنع الوصول إلى الضفة الأخرى، لكنها لا تستطيع أن تبني للإنسان ضفة آمنة داخل وطنه.
أين النخبة السياسية؟
ربما حان الوقت أيضًا لطرح سؤال صعب على الأحزاب السياسية.
أين كانت عندما كان الشباب يتحدثون عن البطالة والإقصاء وغياب الفرص؟
أين كانت عندما تحول جزء من النقاش العام إلى صراع على المناصب والانتخابات والمواقع؟
وأين هي اليوم عندما يتحول اليأس إلى محاولة جماعية للهجرة؟
النخبة السياسية لا ينبغي أن تظهر فقط في مواسم الانتخابات، ولا أن تكتفي بإصدار بيانات التضامن عندما تقع الكارثة.
السياسة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المواطن في حاجة إلى من يسمعه، لا عندما يصبح صوته الانتخابي مطلوبًا.
ومن هنا فإن المسؤولية لا تقع على الحكومة وحدها، بل تشمل الأحزاب، والبرلمان، والمنتخبين، والمجتمع المدني، والنخب الثقافية والإعلامية، وحتى الأسرة والمدرسة والجامعة.
الاعتذار بداية وليس نهاية
ثقافة الاعتذار لا تعني جلد الذات، ولا تعني إدانة المؤسسات، ولا تعني إضعاف هيبة الدولة.
على العكس تمامًا.
الدول القوية هي التي تستطيع أن تعترف بأخطائها، وأن تراجع سياساتها، وأن تواجه مواطنيها بشجاعة.
لكن الاعتذار الحقيقي يجب أن يتبعه فعل.
إذا اعتذرنا لأسر الضحايا، فماذا سنفعل حتى لا تتكرر المأساة؟
إذا قلنا للشباب إنهم مهمون، فأين هي السياسات التي تجعلهم يشعرون بذلك؟
إذا تحدثنا عن الكرامة، فأين هي فرص الشغل والسكن والتعليم والمشاركة؟
وإذا طالبناهم بالبقاء في وطنهم، فهل وفرنا لهم سببًا حقيقيًا يجعلهم يريدون البقاء؟
لا نريد اعتذارًا أمام الكاميرات
المطلوب ليس مشهدًا بروتوكوليًا أمام وسائل الإعلام.
المطلوب اعتذار مسؤول يتبعه التزام.
التزام بإعادة النظر في سياسات الشباب.
التزام بإعطاء المناطق الشمالية، وباقي المناطق الهشة، فرصًا حقيقية للتنمية.
التزام بخلق فضاءات للشباب للمشاركة في القرار المحلي.
التزام بإعادة الاعتبار للعمل السياسي والمدني.
والأهم من ذلك كله: إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
فحين يفقد المواطن ثقته في السياسة، يبحث عن بدائل؛ وحين يفقد الشاب ثقته في المستقبل، يبحث عن وطن آخر.
في النهاية… من يعتذر لمن؟
السؤال الحقيقي ليس: هل يجب على الدولة أن تعتذر عن الهجرة؟
بل:
هل تستطيع النخبة السياسية أن تعترف بأنها لم تفعل ما يكفي لمنع اليأس من أن يتحول إلى مشروع حياة؟
وهنا يصبح الاعتذار قيمة سياسية وأخلاقية.
قد لا يعيد الاعتذار ابنًا إلى أمه، ولا أخًا إلى أخته، ولا أبًا إلى أسرته.
لكنه قد يكون بداية للاعتراف بأن وراء كل رقم في نشرات الأخبار إنسانًا، ووراء كل مهاجر قصة، ووراء كل محاولة عبور فاشلة حلمًا انكسر.
ولذلك، ربما كان من الأجدر أن نرى المسؤولين والمنتخبين والأحزاب السياسية في تطوان وبين أسر الضحايا، لا فقط في مكاتبهم وقاعات الاجتماعات.
أن يجلسوا بينهم، يستمعوا إليهم، ويقولوا:
“نحن نتحمل مسؤوليتنا السياسية والأخلاقية، وسنعمل حتى لا يصبح البحر بالنسبة لشبابنا أقرب إلى المستقبل من وطنهم.”
فـثقافة الاعتذار ليست ثقافة ضعف، وإنما ثقافة مسؤولية.
والسياسي الذي يستطيع أن يقول “أخطأنا” قد يكون أكثر قوة من السياسي الذي يقضي حياته في البحث عن مبررات لعدم الخطأ.
وفي قضية شباب تطوان، ربما يكون أكبر اعتذار ممكن هو أن ننجح في بناء مغرب لا يضطر فيه الشاب إلى المخاطرة بحياته بحثًا عن حياة أخرى.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.