عزيزي القارئ،
إذا كنت من محترفي السوسيولوجيا أو من هواةها ـ بما يعنيه ذلك من تمكن من أدواتها وإلمام بتقنياتها ـ وكنت ترغب في تعميق معرفتك بخصوصيات مجتمعنا المعاصر، ورصد التحولات الكبرى التي عرفها في العقود الأخيرة، وفهم طبيعة المخاض الذي يعيشه، فإني أدعوك إلى التأمل في الحالات الآتية بهدف تحليلها وتشريحها، بالتوسع في أسبابها وأبعادها وتداعياتها لكل غاية مفيدة… والله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
فقبل حوالي ثلاث سنوات أتيحت لي فرصة متابعة حفل فني بأحد المهرجانات نشّطته أساسًا مجموعة من مطربي ومطربات فن العيطة. وخلال هذه الفعالية الغنائية وقفت إحدى الشيخات الرئيسيات بكل ثقة أمام الجمهور، وشرعت في أداء أغان محترمة بلباس محترم… وعلى رأسها حجاب شرعي، ثم انسحبت معززة مكرمة لتترك مكانها لفنانين آخرين. وعندما اقترب الحفل من نهايته، وبطلب من منظمي المهرجان في الغالب، عادت الشيخة إياها لتمسك بالميكروفون من جديد، ولتردد هذه المرة وعلى امتداد دقائق عديدة: “فينا هو ولد عمي؟ جيبو ليا ولد عمي”… دون أن تفرط طبعًا في حجابها الشرعي.
(ربما هذا ما يصطلح عليه بـ”الإسلام الوسطي”… وأهل السوسيولوجيا أدرى وأعلم.)
وقبل مدة، اعتقد المسؤولون بالجارة الشمالية بأن بلدنا قد أفرغ تمامًا من رجاله، أو بأن نسبة البطالة في صفوف هؤلاء قد قاربت الصفر، ولهذا فكروا في استقدام عدد محدد من نسائنا المتزوجات للعمل بمزارعهم، شريطة أن يعبرن مضيق جبل طارق بمفردهن، وكان لهم ما أرادوا، حيث تمكنوا بتنسيق مع مصالح وزارة التشغيل المغربية من تسجيل المئات من ربات البيوت وإرسالهن لفترة محدودة إلى الضفة الشمالية، مع تمتيعهن بالحق في تحويل جزء من أجورهن إلى أطفالهن وأزواجهن “المجبرين” على قبول مبدأ انقلاب الأدوار في زمن مغربي جدير بالتأمل. وللإشارة، فإن هذا النوع من التعاقد ما زال العمل جاريًا به.
في السياق ذاته، جاء في تقرير حديث نسبيًا أن عدد المغربيات العازبات المستقرات بدول الخليج يفوق عدد المغاربة الذكور هناك، وبأن معظمهن بلا مؤهلات علمية أو مهنية.
(ربما هذا هو فهم البعض لما يصطلح عليه بـ”العيش الكريم”… وأهل السوسيولوجيا أدرى وأعلم.)
ومن الأمور التي احتفظت بها ذاكرتي تحقيق مبسط نشرت نتائجه مجلة مغربية ضمن محتوى عدد أكتوبر 2008 في موضوع التجميل عند الرجال. ومن بين المقاطع الجديرة بالاهتمام في المقال المخصص لهذا المبحث، تصريح لواحد من رجال اليوم من هواة الوقوف المتكرر أمام المرآة، قال فيه: “الله جميل ويحب الجمال، ومن هذا المنطلق فأنا لا أجد أي حرج في اقتناء مجموعة من الكريمات وغيرها من المنتجات الخاصة بالعناية بالبشرة والشعر، وأحرص على وضعها على رفوف الحمام بالضبط كما تفعل زوجتي. وأحيانًا أجد نفسي أكثر دقة في استعمالها. لقد كانت المسكينة إلى عهد قريب تعاني الأمرين، لأنني كنت أكتفي باستعمال منتجاتها ومستحضراتها.”
وفي مقطع آخر، ورد تصريح معبّر لعاملة تشتغل بأحد صالونات التجميل الخاصة بالرجال، هذا نصه: “في هذه الصالونات يتعرف الزبائن على جديد المستحضرات الخاصة بالجمال والأناقة، وعلى آخر صيحات الموضة العالمية، لدرجة أن هناك من يقوم بإزالة الشعر الزائد في الحاجبين، ويخصص ميزانية مهمة لاقتناء الكريم الخاص بمحاربة التجاعيد والهالات الداكنة… إضافة إلى قلم العيون وماسكرا الحواجب والرموش والشوارب. كما بدأ بعضهم يستعمل نوعًا من السيروم بغية تكبير الشفتين.”
قرأت هذين التصريحين على حماتي، فلم تملك غير التأسف على زوال زمن كان فيه التجنيد العسكري الإجباري رافعة أساسية من رافعات التنمية الآدمية.
(ربما هذا ما يصطلح عليه اليوم بـ”القوة الناعمة”!!! … وأهل السوسيولوجيا أدرى وأعلم.)
وفي يوم من الأيام جمعني سفر ليلي على متن حافلة برية بمسؤول بنكي. وجدنا صعوبة في الخلود للنوم، فقررنا تجاوز الملل بالدخول في دردشة تبادلنا خلالها آراءنا بخصوص مجموعة من المواضيع. وفي شوط من أشواط النقاش، أسر لي رفيق السفر بأن كمًّا هائلًا من ملفات طلب القروض التي تحال عليه هي لشباب في العشرينات لم تمض على توظيفهم ستة أشهر كاملة، وهي قروض ينوي طالبوها استعمالها في اقتناء سيارات تناسب مناصبهم الوظيفية ومؤهلاتهم الأكاديمية، وتصل قيمة بعضها إلى أربعمائة ألف درهم!!
(ربما هذا ما يصطلح عليه بـ”حرق المراحل” الناتج عن سوء ترتيب الأولويات في الحياة … وأهل السوسيولوجيا أدرى وأعلم.)
وعلى بعد بضعة أسابيع من انطلاق “مونديال 2018″، ولأسباب خاصة، اضطررت إلى الانتقال للاستقرار بمفردي بإحدى العمارات الحديثة بشكل مؤقت. وخلال إقامتي هناك، والتي دامت سنة كاملة، لم تتح لي أبدًا فرصة التعرف لا على وجه جاري المباشر ولا على وجه زوجته. كنت أسمع يوميًا باب شقتهما يفتح ويغلق برفق، وكنت أستمتع برائحة الكسكس المنبعثة من مطبخهما كل يوم جمعة، إلا أن الحياة أبت أن تجمعنا ولو مرة واحدة، لا حول مائدتي ولا حول مائدتهما، ولا حتى على عتبة باب العمارة أو على سطحها أو أي من سلالمها… وغادرت البناية دون أن يشرفاني بإسميهما، ودون أن أطلعهما على صفتي وجذوري… ودون أن أعرف كذلك ما إذا كانا يتعمدان تجنب ملاقاتي خلال تلك المدة، أم أن الظروف كانت أقوى مني ومنهما، وكل ما وصلني من معلومات بشأنهما أنهما “ناس ترانكيل” بشواهد علمية محترمة.
ودائمًا في سياق علاقات الجوار بمعناه الجديد، بلغ إلى علمي في الآونة الأخيرة أن الجار المقيم بالشقة المقابلة لشقة إحدى أخواتي فُجع في والدته، فنُصب له أحد الممونين خيمة بباحة المركب السكني الداخلية لاستقبال المعزين. إلى هنا كل شيء عاد، لكن ما ليس عاديًا هو أن الخيمة عجّت بأفراد عائلته وأصهاره فقط، في حين لم يظهر بها أثر لأي من الجيران، وذلك استنادًا إلى معلومات “استخباراتية” دقيقة وفرتها “رادارات” المكان. حتى أختي رفضت تقديم واجب العزاء، بذريعة أن من يمتنع عن الانضمام إلى مجموعة “واتساب” الخاصة بسكان الإقامة هو بالضرورة إنسان غير اجتماعي، وبالتالي لا داعي للتقرب منه!!
(ربما هذا ما يصطلح عليه بـ”التيقار” المفضي إلى التجاهل … وأهل السوسيولوجيا أدرى وأعلم.)
وبعد قضائها لفترة لا يستهان بها بمصلحة إدارية عمومية، تمكنت موظفة من معارفي من ملء كناش متوسط الحجم بعشرات الأسماء والأرقام الهاتفية. القاسم المشترك لهذه المعلومات أنها تعود إلى رجال ونساء سبق لهم أن ترددوا على المصلحة للاستفادة من خدماتها، وينتمون إلى قطاعات يعتبر التعرف على المنتسبين إليها امتيازًا اجتماعيًا مؤكدًا. فهذا طبيب بمستعجلات المستشفى الإقليمي، وهذه مستشارة بالجماعة الحضرية، وهذا زوج مضيفة طيران، وهذه على رأس قسم بالعمالة، وهذا حارس بالسجن المحلي، وهذه موظفة بإدارة الضرائب، وهذا صاحب وكالة لتشغيل خادمات البيوت، وهذه صاحبة وكالة للأسفار، وهلم جرا. أما أسماء وأرقام المعلمين والأساتذة وعمال الإنعاش الوطني وموظفي نظارة الأوقاف وأطر المديرية الجهوية للثقافة وغيرهم من الفئات المهنية التي لا تؤهلها طبيعة مسؤولياتها لتقديم أي صنف من تلك الخدمات التي لا يمكن توفيرها إلا بتفعيل مسطرة “باك صاحبي” أو “خوك follower ديالي”، فلا وجود لها إطلاقًا على صفحات كناشها.
(ربما هذا ما يمكن أن يصطلح عليه بـ”البرغماتية الاجتماعية” … وأهل السوسيولوجيا أدرى وأعلم.)
أخيرًا، وفي صيف 2026، اهتزت البلاد على وقع حدث غير مسبوق أضر كثيرًا بصورة المملكة، وأسال الكثير من المداد داخليًا وخارجيًا. فقد عمد الآلاف من القاصرين والشباب وحتى الكهول من الجنسين إلى اقتحام مدينة سبتة المحتلة، ليس بهدف تحريرها من الاستعمار الإسباني الذي طال أمده، بل فقط بهدف اتخاذها جسرًا للمرور إلى البر الرئيسي الأوروبي والاستقرار به بحثًا عن حياة أفضل، علمًا بأن المغرب، وإن كان يواجه مجموعة من الإكراهات المتنوعة، فإنه يظل من أفضل بلدان المنطقة بنسبة نمو مهمة، وبأجواء لا حروب فيها ولا فوضى ولا مجاعة. فبماذا إذن يمكن تفسير ما حصل؟ ما الذي جعل قرابة 60 ألف مغربي “يهربون” من وطنهم دفعة واحدة وبالطريقة التي عايناها، وهو الفعل الذي لم يقدم عليه حتى الفلسطينيون رغم حرب الإبادة التي تطالهم؟
(لا أعرف مصطلحًا جاهزًا لوصف هذا الحدث الخطير. ربما حتى أهل السوسيولوجيا لا هم أدرى ولا هم أعلم.)
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.