صرت له عبدا...

صرت له عبدا...
الخميس 22 أكتوبر 2015 - 14:15

أستحضر سراب الأسئلة التي تحلق كطيور الصباح في فضاء رأسي عند كل يوم عالمي؛ لماذا اليوم العالمي للمرأة والبيئة والمعاق والطفل والشعر…. وليست أيام عالمية للرجل أو الأب أو النقد أو الرواية ….، كنت أشم في كواليس هذه الأيام العالمية رائحة الضعف التي يتم تكريسها بلاوعي مسبق، وخاصة أنها أيام لإثارة الانتباه لفئات عانت ولا تزال تعاني من التهميش وللاهتمام التاريخيين، ولذوي الاحتياجات الخاصة، ولبيئة تختنق ولشرائح مجتمعية يطالها الفقر…

هذه المرة، كان الاحتفال ب”اليوم العالمي للمدرس” منصفا، ولم يختر كائنا مستضعفا ليلفه بورق الهدايا، بل كان “المدرس” هو المحتفى به، كائن لم يهمش تاريخيا ولم يصبه أي ظلم في زمن مضى، بل هو عادة من كان يصوب نحونا سياط غضبه ونقمته، ومع ذلك يحتاج لوقفة تبجيل، يحتاج ليوم التفاتة لا نحاذيه فيه ونتجاوزه، وكأنه محض عدم.

يوم مختلس من زمان عابر؛ أجج حنيني لمقاعد الدرس، حيث وجوه أساتذتي تبدو ضبابية مراوغة عصية على الإمساك ، ولكن وجهين استطاعا أن يحميا ملامحهما من غارات النسيان، وجه كان كريما في حبه، هو وجه أستاذة اللغة العربية، ووجه آخر كان كريما في كرهه، هو وجه أستاذ مادة الرياضيات.

أتذكر أستاذة اللغة العربية؛ بملامحها الجدية أحيانا والبشوشة أحيانا أخر، ابتسامة لا تكاد تغادر شفتيها بوقفة رزينة وطريقة كلام مهذبة، كان حضوري في حصتها ينعش روحي ويذرف على صدغي رذاذ الندى، فظللت في حضرة اللغة العربية ذاهلة منتشية إلى الآن. أما أستاذ مادة الحساب؛ فلن أنسه بسيجارته التي ينفثها من أنفه وفمه، وأصابعه المتشنجة التي تعبث بحبات الطباشير، جريمتي أنني لم أبصر يوما الأرقام جيدا، فكان أن قدم إلي زاعقا بوجه محتقن قابل للانفجار، وبعيون تجمهر بها الشرر، ليكلمني قبل السؤال بلطمة لم تخطئ الخد، صفعة لم أعتد عليها من والدي ، ليعلو ويهبط بكائي الطفولي تقطعه آهات ألم غير متواصلة.

صرت أحضر حصة الرياضيات، بنظرات ملولة انطفأ فيها كل توق إلى التعلم، بل في وقت الامتحان تنتصب الورقة كوحش مخيف ينزعني من تركيزي ويلقي بي في موج التوتر والقلق .

سابقا؛ كانت قاعات الدرس أشبه بحضانة تشوبها علاقات تسلطية قمعية؛ لا تكف عن ترداد الأوامر والنواهي، هي علاقة عمودية بين معلم لا يقبل النقاش أو الخطأ في قاعات درس أشبه بمعتقل، يغدو فيها الزمن بطيئا ومزعجا، ويغدو المعلم أشبه بالسجان يحلم باقتناص فرصة ضبط الخارجين عن النص لينزل بصفر السوط، بحيث لا تنفرج أساريره إلا عند ورقة تمتلك قدرة الحفظ، وغالبا ما تكون النتيجة طفلا في مقتبل العمر مطيعا لا يفكر في الشغب غير مزعج وغير قادر على النقد، غير مزعج تماما كما تخيلته «السلطة»، بعقلية شبه مشلولة غير قادرة على النقد، قوامها الامتثال والخنوع، حيث تنعدم لديه روح المبادرة، فيستكين للتبعية السلبية، ويبدو غير قادر على المواجهة أو إبداء الرأي، ولاحتى على اختيار مرشح دائرته أو عمدة مدينته بكل وعي ومسؤولية، وبالتالي غير قادر على التمييز بين الإسلام الحقيقي وبين التطرف، وينجرف بسهولة في دوران الآلة الاستهلاكية، وينساق انسياق الأعمى وراء الأفكار المستوردة.

هي علاقة عبودية بين المعلم وتلميذه؛ في فضاء مسقوف بالأوامر، مثقل بالضجر، يتدحرج وئيدا، تؤثث جدرانه بفخاخ مقولات تستدرجنا بمكر وشكيمة، لإملاء فروض الطاعة والامتثال والإذعان: “من علمني حرفا صرت له عبدا”، آن الأوان أن نطبق أجفاننا بشدة على هاته العبارة ونفتحها على عبارات من قبيل: من علمني حرفا صرت له مناقشا، مجادلا، لم لا ندّا في الحوار، فعلاقة المعلم بالتلميذ يجب أن تكون علاقة صداقة وحوار و إبداع وتبادل، فكل خطأ أو تهور أو عنف من طرف الأستاذ سيحفر مجراه عميقا في نفسية الطفل، وأكيد لن تنبجس في المستقبل سوى نفوس مدججة بالكراهية والحقد، مدحورة تمضي، تسدل أسمال الفشل على أفق معتم .

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • SEXAGENAIRE
    الخميس 22 أكتوبر 2015 - 17:56

    شكرا اختي اكرام.مقال سليم من عقل سليم وفكر نظيف من وعي نظيف.انت من يفتخر بك كفتاة او امراة تطالب بمناصفة الرجل لانك ابنت عن ذلك في كتاباتك التي تفاجئيننا بها من حين لاخر.واصلي ان النضال الثقافي لا يقهر مهما وجدت مقاومة شرسة له وهو يفوق نضال الزعيق في الشوارع وفي الاحتجاجات الواهية سواءا كانت لاحزاب او جمعيات او غيرها.بالتوفيق والى مقال اخر.تحياتي.

  • دليل العنفوان
    الخميس 22 أكتوبر 2015 - 21:46

    كتبت إكرام عبدي

    " آن الأوان أن نطبق أجفاننا بشدة على هاته العبارة ونفتحها على عبارات من قبيل: من علمني حرفا صرت له مناقشا، مجادلا، لم لا ندّا في الحوار، فعلاقة المعلم بالتلميذ يجب أن تكون علاقة صداقة وحوار و إبداع وتبادل"

    هتف الطالب :
    هل تقصدني ؟؟
    أم تقصد عنترة العبسي ؟؟
    أستوعب ماذا ؟؟ ولماذا ؟؟
    دع غيري يستوعب هذا
    واتركني أستوعب نفسي !!
    هل درسك أغلى من رأسي ؟؟

    ابيات من درس في الإملاء للشاعر احمد مطر

    وتحياتي

  • hanan
    الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 11:22

    كتاباتك دائما رائعة جدا، كتبت وأبدعت، أبحر بين سطورك فأجد الجمال بين عذب كلماتك التي تحمل في طياتها الكثير من الحقائق والإحساس الراقي.
    دمت مبدعة أختي وبتوفيق الله.

  • الرياحي
    الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 12:00

    بادرت فرنسا هذه السنة بثورة هادءة وحدفت التنقيط في كل من السلك الاول ، الثاني وأخيرا الثالث انتظار للتعميم في كل الأسلاك.يعتبر المربون ان تنقيط التلميذ فيه كثير من الظلم وانه يخدم أقلية فقط ويضحي بالغالبية ويختزل التلميذ في رقم لا يعني شيئا .احتراما للتلميذ ، فعلى الا ستاذ ان يملءى جدول حيث يجب عن عدة أسئلة دقيقة تخصه وتخصص حصلت حيث ياخد التلميذ الكلمة لوصف عجزه واسبابه .وكلف تلميذ الباكالوريا الدولة حوالي عشرة ملايين سنتم ونصف مليون .كل بيض فرنسا وضعته في سلة التعليم .
    أقول العكس كل من استمع لدرسي وكل من شوقته وعلمته شيئا يعتبر صرت له عبدا !

  • أب و سي محممد
    الجمعة 23 أكتوبر 2015 - 22:20

    المرجو من الساهرين على هذا الشأن التربوي الأخذ بهذا التعليق أو المناقشة بعين الاعتبار لأن مرحلة جدول الضرب و قواعد اللغة بدفتي الدفتر المدرسي و ليس الكتاب انتهى و إن كان لهم فضلا على الجيل السابق

  • موحا من مونتريال
    السبت 24 أكتوبر 2015 - 06:07

    القمع في الفصل يولد نفسية انهزامية لدي الطفل يؤدي به الى الخضوع
    و الخنوع لافكار الغير دون تفكير. هذا ما فهمت من مقالك .
    فاذن كل الجيل الذي تعلم في مطالعة بوكماخ مشلول فكريا محبط العزيمة في نظرك
    لاننا كلنا لم نسلم من قمع الاستاذ و تعنيفه .
    عندما كان القمع كان مستوى عالي جدا
    اما جيل اليوم مستوى باكالوريا و لا يقدر ان يقول جملة باللغة بالفرنسية .

  • sifao
    السبت 24 أكتوبر 2015 - 14:05

    لم يستطع "الانا" تحقيق التوازن الا في ما نُدر من الحالات ، في خدمته للهو والانا الاعلى ، وكيف له ذلك في خدمة كل من علمه حرفا ، المعنى المقصود من هذه العبارة لا يجب ان يُؤخذ كما يفيد ظاهر اللفظ ، العلم والاستعباد على طرفي نقيض وليس كما في السياسة ، بمعنى ان لفظ"العبودية" لا ينتمي الى الحقل الدلالي لمفهوم العلم ، المقصود من الكلام لا يخرج عن نطاق الاخلاق ، الاحترام والتقدير ، كثير من التلاميذ اصبحوا اساتذة لاساتذتهم….
    مسلسل العنف والاخضاع بالقوة لا يبدأ من الصف الدراسي وانما هذا الاخير مجرد حلقة في سلسلة تبدأ من الاسرة وتمر بالشارع قبل ان تستقر في المدرسة بشكل رسمي ، العنف يبدأ من لحظة الولادة عند رفع الآذان في أذن الرضيع ولم يستكمل بعد الاستعداد البدني لسماع صوت على درجة كبيرة من الصخب ، ثم يأتي دور التربية على السلوك الحسن وهو لم يبلغ بعد من النضج ما يسمح له بفهم قواعده ، ثم عليه ان يواجه هندسة منزل سكنه الذي لم تُؤخذ فيه بعين الاعتبار قدراته الجسدية ، عليه ان يقبل الارض اكثر من مرة قبل ان يستقيم بشكل تعامدي ، وعندما يحين وقت الخروج الى الفضاء الارحب عليه ان يستعد لاسوء

  • أبو سي محمد و
    السبت 24 أكتوبر 2015 - 21:54

    قد لا نختلف بل بالتأكيد لن نختلف حول استقرائك لصيرورة الكائن الوجودي منذ الوجود أو الخروج إلى هذا العالم بعدما كان نطفة ، و كذ مسؤولية الأسرة و الشارع و المدرسة و أيضا الدولة . نعم ، من علمك حرفا فهو سيدك .، لكن مع الأسف غالبية الأسياد و ليس الكل تنتظر أجر آخر الشهر إلا القليل لعدة إكراهات حقيقية و التي يجب أن يضحي من أجلها ذو ضمير الغالي و النفيس من أجل هذا الموجود الطفلة و الطفل منتوج المستقبل و لو على حساب النفس الآمرة بالسوء و ليس بلا علم للقائل و يوثيرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصا و هذا ما ذهب إليه أعلى سلطة في البلاد من محاولة بل التأكيد على الضمير المهني في أي مجال و لو بإجراءات زجرية و ليس قطع الرؤوس في هذا البلد العظيم و لكم واسع التفكير و التذكير و كذا النظر السليم لهذا الشعب الذي لا حول له و لا قوة و السلام ./.

  • Flash
    الأحد 25 أكتوبر 2015 - 01:34

    فيم سأكون ندا لأستاذي الجليل؟ في رأسه الذي اشتعل شيبا أم في سنوات عمره التي قضاها في ترميم ما يمكن ترميمه من وجدان الأجيال التي فعل فيها الإعلام والأسرة والشارع ما فعل أم في الدروس التي علمته تجارب الحياة والتي تحكي قصصا أحيانا أغرب من الخيال؟ أم في لحظة معاناته وهو يمسك يدي ليعلمني أولى الخطوط؟
    إن ما تدعو إليه الكاتبة صحيح ولكن ليس إلى درجة أن تنعكس الآية ويصير الأستاذ عبدا والتلميذ سيدا وإلا لا حاجة لنا البتة إلى التربية والمدرسة كما لا حاجة لنا للقانون والظوابط في المجتمع لأنها تشمل على منظومة من الأوامر والنواهي الزاجرة والقامعة لأي سلوك غير مقبول أنا لا أتصور تربية في فصل يعج بالفوضى والشغب بغض النظر عن ظروف العمل التي لم تعد خافية على أحد.
    والعنف ينبغي أن يقتلع من جذوره داخل الأسرة والمجتمع ثم المدرسة و أدعو إلى الحفاظ على القولة المأثورة "من علمني حرفا كنت له عبدا وكان لي سيدا" لأنها صحيحة فكثير من التلاميذ يودون خدمة أساتذتهم ترى ما الذي يدفعهم لذلك؟ بل أضيف قائلا "اللهم ارحم من علمنا"دعاء يتردد كثيرا كالصدقة الجارية.

  • عبد المجيد بلعربي
    الأحد 25 أكتوبر 2015 - 12:00

    الفكر الذي تحملينه أختي النبيلة والذي تتحملين مغامرة نشره ليصبح بعد ذلك ملكا للقارئين يؤولونه كما يشاؤون،هو الذي يمكن أن يساهم في التطوير والرقي.إن كثيرا من العقول تخشى من التغيير والنقد السليم فتضل حبيسة جدران مغلقة لايدخلها هواء الفكر الإجتهادي الذي يرتقي بالإنسان.واصلي موفقة متألقة في ميدان القلم.

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 1

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 6

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 7

المنصوري: سألجأ إلى القضاء