عندما تتحول التصريحات السياسية إلى عبء على الحزب
يُضرب المثل العربي القديم «جنت على نفسها براقش» للدلالة على من يتسبب لنفسه في الضرر بسبب فعل أو موقف كان من الممكن تفاديه. ولعل هذا المثل، إذا ثبتت صحة التسجيل المتداول والمنسوب إلى السيد الطالبي العلمي، القيادي البارز في حزب التجمع الوطني للأحرار، يصلح مدخلاً لطرح عدد من الأسئلة السياسية والدستورية التي تتجاوز شخص المتحدث إلى صورة الممارسة الحزبية والثقافة السياسية داخل المؤسسات.
والمسألة هنا ليست في تسجيل متداول على مواقع التواصل الاجتماعي فحسب، بل في مضمون كلام منسوب إلى مسؤول حزبي يشغل موقعاً سياسياً متقدماً، وما يمكن أن يفهم منه من رسائل وتأويلات، خصوصاً إذا كان التسجيل كاملاً وغير مجتزأ.
أولاً: أين تنتهي صلاحيات الحزب وأين تبدأ الاختصاصات الدستورية؟
أخطر ما يمكن أن يُفهم من بعض التصريحات المتداولة هو الإيحاء بأن حزباً سياسياً يستطيع أن يفرض، بشكل مسبق، من سيكون رئيساً للحكومة أو أن يحدد بصورة نهائية هندسة السلطة التنفيذية.
والدستور المغربي واضح في هذا الباب: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. كما أن تعيين باقي أعضاء الحكومة يتم وفق المسطرة الدستورية، باقتراح من رئيس الحكومة وبموافقة الملك.
لذلك، فإن الحديث السياسي عن المستقبل الانتخابي شيء، والحديث وكأن نتائج الانتخابات ومسار تشكيل الحكومة قد حُسمت سلفاً شيء آخر تماماً.
ومن هنا يبرز السؤال: هل نحن أمام ثقة سياسية مبنية على قراءة للواقع الانتخابي، أم أمام تصور يتجاوز حدود ما تسمح به قواعد اللعبة الدستورية؟
ثانياً: هل يمكن أن تعود تجربة «البلوكاج» السياسي؟
النقطة الثانية التي تستحق التوقف عندها هي ما قد يُفهم من الحديث عن قدرة الحزب على التأثير في تشكيل الحكومة، أو عرقلة مسارها إذا لم تتحقق شروطه السياسية.
وهنا تعود إلى الذاكرة السياسية المغربية تجربة تشكيل الحكومة بعد انتخابات 2016، وما عرفته من أزمة سياسية طويلة انتهت بإعفاء عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة وتكليف سعد الدين العثماني.
بغض النظر عن تقييم تلك المرحلة أو تحديد المسؤوليات السياسية عنها، فإنها تركت درساً مهماً: التفاوض الحزبي مشروع، لكن تحويل المفاوضات إلى تعطيل لمؤسسات الدولة يطرح إشكالاً سياسياً ودستورياً كبيراً.
فالأحزاب تتفاوض، وتختلف، وتضع شروطها، لكن الدولة ومؤسساتها لا ينبغي أن تصبح رهينة لحسابات حزبية ضيقة.
وإذا كان أي حزب يعتقد أنه قادر على إعادة إنتاج سيناريوهات مماثلة، فإن السؤال الحقيقي ليس: من يستطيع أن يعرقل؟ بل: من يتحمل مسؤولية العرقلة أمام المواطنين؟
ثالثاً: الحديث عن رئاسة الحكومة قبل الانتخابات… ثقة أم استباق للنتائج؟
الأكثر إثارة للانتباه هو الحديث بثقة عن رئاسة الحكومة قبل أن يقول الناخب كلمته.
في الديمقراطيات، لا توجد حكومة قبل الانتخابات، ولا أغلبية قبل إعلان النتائج، ولا رئيس حكومة قبل استكمال المسار الدستوري.
أما أن يشعر حزب سياسي بأنه الأقرب إلى قيادة الحكومة، فهذا أمر طبيعي في المنافسة السياسية. لكن تحويل التوقع إلى يقين، قبل فتح صناديق الاقتراع، قد يعطي انطباعاً بأن النتائج محسومة سلفاً.
وهنا تحديداً تظهر حساسية الخطاب السياسي.
فالمواطن لا يريد فقط أحزاباً قوية وواثقة من نفسها، بل يريد أحزاباً تؤمن بأن صندوق الاقتراع هو صاحب الكلمة الأولى، وأن الإرادة الشعبية هي التي تمنح الشرعية السياسية.
من المسؤول عن الصورة التي تصل إلى المواطن؟
المشكلة الأكبر ربما لا تكمن في شخص الطالبي العلمي، ولا حتى في حزب التجمع الوطني للأحرار وحده، وإنما في الطريقة التي أصبحت بها بعض التصريحات السياسية تتحول بسرعة إلى مادة للتأويل والتجاذب.
في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، جملة واحدة قد تنتشر في دقائق، وقد تُقتطع من سياقها، وقد تتحول إلى عنوان سياسي كبير.
ولهذا، فإن المسؤول السياسي مطالب اليوم بأكثر من أي وقت مضى بالدقة في التعبير، خصوصاً عندما يتحدث عن الملكية، والدستور، والحكومة، والانتخابات، وصلاحيات المؤسسات.
فالكلمة السياسية ليست مجرد رأي شخصي؛ وعندما تصدر عن قيادي حزبي بارز، فإنها قد تُفهم باعتبارها تعبيراً عن جزء من تصور حزبه ومشروعه السياسي.
«جنت على نفسها براقش»… أم أن هناك رواية أخرى؟
إذا كان التسجيل المتداول صحيحاً وكاملاً، وإذا لم يكن قد جرى اجتزاء كلام السيد الطالبي العلمي أو إخراجه من سياقه، فإن من حق الرأي العام أن يطرح أسئلة جدية حول مضامينه.
أما إذا كان هناك سياق آخر أو تسجيل كامل يوضح الصورة، فمن الإنصاف أيضاً الاستماع إليه قبل إصدار الأحكام.
فالسياسة ليست محكمة مواقع التواصل الاجتماعي، والاتهام لا يمكن أن يقوم على مقطع مجهول المصدر وحده.
لكن في كل الأحوال، فإن انتشار التسجيل بهذا الحجم يفرض على المعني بالأمر وعلى الحزب الذي ينتمي إليه مسؤولية توضيح ما قيل، وما المقصود منه، وما إذا كان يعبر عن موقف شخصي أم عن توجه سياسي للحزب.
وفي النهاية، فإن الأحزاب لا تُقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها، ولا بقدرتها على الوصول إلى الحكومة، وإنما أيضاً بمدى احترامها لقواعد اللعبة الديمقراطية، وبقدرتها على الفصل بين الطموح السياسي والمشروعية الدستورية.
فمن حق أي حزب أن يطمح إلى رئاسة الحكومة، ومن حقه أن يفاوض وأن يدافع عن مصالحه السياسية، لكن ليس من حق أي حزب أن يتصرف وكأن نتائج الانتخابات قد صدرت قبل أن يصوت المواطنون.
وربما هنا بالضبط تكمن العبرة من قصة براقش:
أحياناً لا يحتاج الخصم إلى إسقاطك… يكفي أن تمنحه أنت ما يستخدمه ضدك.
وفي السياسة، قد تكون بعض الكلمات أثقل من صناديق الاقتراع نفسها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.