فِطنة ممسكة وسياسة مهلكة

فِطنة ممسكة وسياسة مهلكة
الأحد 21 يوليوز 2019 - 19:56

لا وجه للفطنة في حالة التعلل بالسياسة، ففيها انزلاق أخلاقي داعر يأكل الأشياء من وجوه غامضة.

ومن يستأثر بالفطانة ولا يدرك معرفتها فهو كالشاة المذكاة لا تنفع من حيث هي مدركة لما ينتظرها من السلخ والشي والقضم.

كما أنه من غرابة فهم العرب للفِطْنَةَ أن تطلق على ابتداء المعرفة من وجه غامض؛ إذ يعتبر العرب كلُّ فِطْنَةٍ علما، وليس كلّ علم فِطْنَةً.

ويستطيع صاحب الفطنة بالسياسة أن يستنتج حصول المعرفة بارتياب الغموض عن تدبر الأشياء، فلا يحتمل قدر ما يعتدي، ولا ينظر أكبر مما يرى. فعين القلب أبصر من عين الحداة.

وقريبا من هذا المعنى، يقوم الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة، ضربا من التحول إلى بنية عقل مخمور بالسياسة. وهو عكس تبرير أهل المعرفة عندما قرؤوا قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ) إذ رأوا أن البيِّنة إشارة إلى صفاء جوهر الروح. والشاهد في ذلك الاستدلال بالأشكال على الأحوال.

أما فطنة السؤال فتتوسم المعرفة من حيث هي وعي وفهم للحقائق واكتشاف المجهول وتحميس الذات.

وكم من سؤال سياسي يحيل إلى فطنة عاكسة للبلادة وطمر المعرفة. فالذي افتعله نواب أمتنا، خصوصا فيما يتعلق بتمرير أعضاء لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، يوم الثلاثاء 16 يوليوز 2019، مشروع القانون الإطار رقم 51.17 المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، لاسيما المادتين 2 و31 المعلومتين بفرنسة التعليم، واللتين أثارتا جدلا واسعا لدى جميع أطياف الشعب المغربي وفعاليات المجتمع المدني؛ وذلك بسبب انتهاكهما الصريح والبين للمادة الخامسة من دستور المملكة المغربية، وتهديدهما لثوابت الأمة المغربية وهويتها ووجودها عبر التاريخ، هو ضرب من الغفلة لا الفطنة، وانحراف القطع بالحق.

فكم من قبيح أضحى جميلا وكم من جميل صار قبيحا، ولكن أغلب الاعتقاد أن من لبس عباءة السياسة وارتوى من حياض قبحها ازدحم وتغرب عن قيم الصفاء وناجدة العطاء.

أعجبتني استعارة الأديب جبران خليل جبران في قصة حكيمة تقول: “تلاقى الجمال والقبح ذات يوم على شاطئ البحر، فقال كل منهما للآخر: هل لك أن تسبح؟ ثم خلعا ملابسهما وخاضا العُباب، وبعد برهةٍ عاد القبح إلى الشاطئ وارتدى ثياب الجمال ومضى في سبيله، وجاء الجمال أيضاً من البحر ولم يجد لباسه وخجل كل الخجل أن يكون عارياً، ولذلك لبس رداء القبح ومضى في سبيله، ومنذ ذلك اليوم والرجال والنساء يخطئون كلما تلاقوا في معرفة بعضهم البعض، غير أن هنالك نفراً ممن يتفرسون في وجه الجمال ويعرفونه رغم ثيابه، وثمة نفر يعرفون وجه القبح، والثوب الذي يلبسه لا يخفيه عن أعينهم”.

ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Saccco
    الأحد 21 يوليوز 2019 - 23:45

    كتاباتك ومفرداتك بتعقيداتها يا أستاذنا المحترم لا تدفع في اتجاه خدمة قضية اللغة العربية بل تعطي الانطباع ان لغة الضاد بها من الصعوبة والتعقيد ما يجعل الشباب يحس بالعجز ويتطلب منهم ان يكابدوا اعتى المشاق لفهم الفاظها وتعلم قواعدها
    المجتمعات الحديثة المتطورة في صراع مع الزمن لتتكيف مع المتغيرات السريعة الايقاع في جميع مجالات المعرفة ،هذه المجتمعات ليست على إستعداد لاضاعة وقتها الثمين في الكلمات الرنانة والمزخرفة ،فحتى الادب العالمي اصبح يعتمد على المعنى والمضمون وليس على زخرفة اللغة والتلاعب بالالفاظ ،لم يعد هناك وقت فراغ يجعل الناس تستلذ تعقيد الكلمات وصعوبة القواعد
    فلا توجد اية علاقة بين البلاغة وتعقيد اللغة وإستعمال المترادفات المعقدة
    فهيمنة اللغة الانجلوامريكية ليس لكونها لغة الدولة المهيمنة بل لانها لغة قواعدها سهلة وطيعة يتطلب تعلمها جهدا اقل من اي لغة اخرى فيتعلمها الاطفال في وقت وجيز عكس العربية ومن يتقنها يصل بأقصر وقت الى المعرفة ويسعون لكتابتها كما ينطق بها
    ومع هذا التبسيط والتسهيل استطاع الادب الانجلوامريكي للوصول الى مراتب عالية كهمنكّوي وارثر مولر…

  • Hassan
    الإثنين 22 يوليوز 2019 - 01:04

    *"فطنة ممسكة و سياسة مهلكة *" الفطنة و السياسة الأولى متبوعة بالإمساك والثانية بالإهلاك . الفطنة مثل الفطرة أما السياسة مثل القيادة . يمكن أن تصبح سياسيا إذا تمكنت من القيادة . الغريب أن الفطنة تذهبها البطنة ، أما السياسة تنتعش بالفتنة . القانون الإطار أشرفت على وضعه مؤسسة دستورية تتكون من أحزاب ونقابات و مجتمع مدني . السلطتان التشريعية والتنفيذية الأولى تصادق والثانية تنفذ و هما معا ساهما في إعداد القانون الإطار ، لهم ثمتيلية . لغة التدريس تهم الآباء هم الأدرى بمصلحة أبنائهم و من حقهم مساءلة منتخبيهم

  • Топ Знанйя
    الإثنين 22 يوليوز 2019 - 09:56

    صاحب المقال كعادته يعمل جاهدا في إعاد إحياء الكلمات والأشياء والنبرات للغة العربية الكلاسيكية التي دوّن بها القدامى آراءهم وأفكارهم واحتياجاتهم في ذاك الزمان ويتجلى ذلك في اختياره للكلمات والمفردات الرنانة المستعصية على غير المتمرس في هذه الحقول القديمة.
    فالسياسي البرلماني إذا قرأ المقال لن "يَقْشَعَ" شيئا أبدا في فهمه للمقال بحيث أن هناك كلمات في تُدر عليه تعبا واستعصاء في الفهم مثل/انزلاق أخلاقي داعر يأكل الأشياء من وجوه غامضة.الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة، ضربا من التحول إلى بنية عقل مخمور بالسياسة/. والشاهد في ذلك الاستدلال بالأشكال على الأحوال.لبس عباءة السياسة وارتوى من حياض قبحها ازدحم وتغرب عن قيم الصفاء وناجدة العطاء ..ألخ
    فكلما نادى صاحب المقال بالعربية التي يفهمها فقط نادى آخرون باللغات الأخرى التي يفهمون بها هم كذلك من أجل ترجيح كفة العقل والفهم والفطنة عبر الوسيلة اللغوية

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 5

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"