مزاج الإنسان العربي بعد ثورات الربيع

مزاج الإنسان العربي بعد ثورات الربيع
الأحد 18 أكتوبر 2015 - 00:26

بعد ثورات الربيع العربي الذي اندلعت شرارتها الأولى بتونس الخضراء ، وانتشرت لتعم أرجاء عالمنا العربي من محيطه إلى خليجه، طرأت على مزاج الإنسان العربي وسلوكه، تغيرات عميقة، بحيث لم يعد المواطنون والمواطنات، على تباين أجناسهم، وأعمارهم، وانتماءاتهم ، قادرين على مواصلة الصبر والانتظار؛ من أجل تحصيل الحقوق المشروعة؛ مهما كانت درجتها، أو قيمتها، ومهما كانت الجهة الساهرة على تمتيعهم بتلك الحقوق، سواء كانت سامية في سلم الدولة والإدارة، أم بسيطة …مركزية كانت أو جهوية أو محلية …

لقد ترسخت لدى الجميع، لاسيما بعدما أحرق البوعزيزي جسده في سيدي بوزيد، احتجاجا على الظلم والاستبداد والعنف، أن لاشيء يمكن أن يمنع الإنسان من الإصرار على المطالبة بحقوقه التي يعتبرها أساسية ومشروعة، حقوق أصبح الفرد على أتم الاستعداد لتقديم أغلى ما يملك؛ أي روحه، فداء وقربانا من أجلها؛ لئلا يستمر الظلم والقهر والجبروت …من لدن الطغاة المستبدين المتحكمين في رقاب الناس دون حق …

هذه الحالة السيكولوجية الجديدة التي أصبحت تسم شخصية الإنسان العربي، وتتحكم في ردود أفعاله، وتواصله مع القائمين على تدبير شؤونه اليومية، أضحت تحتم على المتابعين والباحثين والملاحظين، إعادة طرح السؤال حول احتياجات عالمنا العربي في السياق الراهن، هل نحن الآن في أمس الحاجة لإرساء الديموقراطية؛ باعتبارها آلية للتداول السلمي على السلطة في عالمنا العربي، كما يحدث في الدول والأقطار المتقدمة في هذا المجال، أو يجب علينا الانتقال للبحث، وتقصي ثمار الديموقراطية في مجتمعاتنا وأقطارنا التي عانت غيابها ؟

إن الديموقراطية ليست وصفة سحرية يمكنها أن تخرج أحوالنا من التردي والتخلف بسرعة البرق ، كما أنها ليست حلا للمعضلات والأزمات الاقتصادية الخانقة التي استبدت بعالمنا العربي سنوات مديدة …

وهذا اعتقاد كثير من الناس والجماهير في عالمنا العربي، وقد لاحظنا ردود الفعل القوية، والصعوبات الجمة، التي واجهت من تولوا سدة الحكم، وتدبير الشأن العام، بعد الإطاحة برموز الديكتاتورية في تونس ومصر وليبيا واليمن على سبيل المثال …

لقد كان القبول بتعويض الحكام الذين ثار عليهم الشعب في تونس ومصر وليبيا واليمن ، من أصعب المهام التي يمكن أن تسند للسياسيين والمدبرين في بؤر التوتر هاته، لقد كانت مسؤوليات جسيمة لا يحسد عليها أحد في الحقيقة، لماذا ؟

لأن الذين تسلموا زمام الأمور، سواء بصفة مؤقتة انتقالية، أم رسيمة، كان عليهم بمقتضى تمثلات الشعوب العربية وانتظاراتها الكبيرة، أن يمحوا فترات مديدة من الفساد والطغيان، والتردي الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، في بضع سنين قلية، وكانت هذه المطالب مستعصية متمنعة صعبة على أي مدبر مهما بلغ من المهارة ، وامتلك من الكفاءة في مجال تدبير الشأن العام،إن لم نقل مستحيلة التحقق على أرض الواقع في أمد قصير …

هنا وقع الوهم للناس، واختلط عليهم الحابل بالنابل، بل إن منهم من جاهر بكفره بالربيع العربي جملة وتفصيلا ، لماذا ؟

لأن المواطنين والمواطنات في عالمنا العربي؛ الذي لازال يرزح تحت نبير الأمية القاتلة، لم يميزوا بين الأحياز الزمنية الكبيرة التي استغرقها الفساد والتعفن، اللذين نخرا جسد التسير والحكم في كثير من البؤر التي انطلقت منها شرارات الثورة خلال موسم الربيع العربي، وبين ما تتطلبه عمليات إعادة البناء والتأهيل والتجهيز والعلاج والإصلاح من وقت وجهود..

إن جهل أو تجاهل الرأي العام في وطننا العربي، مستلزمات الإصلاح ومقتضياته، وإرساء الديموقراطية، لاسيما من حيث الأغلفة الزمنية، جعل هؤلاء يستعجلون ثمار الديموقراطية، ويلهثون وراء منجزاتها التي أرادوها عاجلة سريعة، وهذا ما أثر سلبيا في عملية إنبات بذور الديموقراطية نفسها في تربة وطننا العربي؛ القاحلة والجافة بسبب تعاقب السنوات العجاف !!

لقد خيل لبعضهم على الأقل – لئلا نسقط في خطل التعميم – ، أن إجراءات تغيير رئيس البلاد بالثورة، واختيار خليفته البديل عنه، عن طريق الصناديق الشفافة، لاسيما إذا كان ديكتاتورا رسخته سنوات الاستبداد، والانفراد في الحكم، كفيلة وكافية للانتقال بالمجتمع وأفراده نحو الرفاهية والرخاء، وهذا لعمري من أفدح الأخطاء التصورية ، وأشنع التمثلات التي يمكن أن تستقر بالأذهان والعقول !!!

أغلب البلدان التي ثار ت فيها الشعوب والجماهير، وأسقطت أنظمتها المستبدة والشمولية، خلفت وراءها اقتصادات هشة وضعيفة، إن لم نقل على حافة الانهيار ، ألم تكن تلك أسباب الانقلاب عليها، والمطالبة بتغييرها في الأصل ؟

هل، إذا وفرت تلك الأنظمة ؛ التي ظلت جاثمة على آمال الشعوب وطموحاتها، الرخاء والاستقرار ، كانت ستترك للشعوب فرصة للتفكر في التمرد والخروج للشوارع، والتجمهر في الميادين ؟

لكن، لماذا صبرت الجماهير والشعوب سنين طوال على القهر والتجهيل، والتفقير والفساد، وأصبحت اليوم عاجزة عن انتظار نضج ثمار التجربة الديموقراطية ؟؟

إن من يعتقد بازدهار المجتمعات الغربية بتبنيها خيار الديموقراطية مباشرة، واهم لامحالة، ويغيب عن ذهنه وتقديره ، قانون تطور المجتمعات وارتقائها في سلم التنمية، والاقتصاد، والاجتماع والسياسة …

لكن سؤال الأسئلة، لماذا لم تقم النخب المثقفة على اختلاف مشاربها وهواجسها بمهمتها الأساس في نظير هذه السياقات المفصلية في تاريخ الأمم والشعوب ؟

لكن هل نخبنا المثقفة، وأحزابنا السياسية، ومنظماتنا المدنية، هم من قاد عملية الانتقال نحو الديموقراطية في مجتمعاتنا العربية ؟

مع الأسف الشديد لا !!! وبناء عليه، فإن الجماهير العربية في بلدان الربيع العربي، قادت ثورتها بسواعد شبابها، ورجالها، ونسائها، وثوارها؛ الذين قدموا الغالي والنفيس؛ من أجل تحقيق أحلام الأجداد في الانتقال نحو الديموقراطية والحرية والرخاء، ولكن تلك الثورات ظلت بدون قيادة مؤهلة،وقادرة على توجيه الجماهير وتوعيتها، والاستجابة لمطالبها، والأهم هو تهيئتها للاستعداد للتريث بانتظار ثمار الانتقال الديموقراطي بعد الثورة المظفرة …

الآن، على مثقفينا، ومفكرينا، وسياسيينا، والفاعلين في منظمات المجتمع المدني بعالمنا العربي، الانخراط في ورش استنبات الديموقراطية وسلوكاتها السوية، بعقول أفراد المجتمع الذي تستبد بهم الأمية والفقر ، وتدريبهم على الصبر، وضبط النفس ، وإمهال المدبرين الجدد – الذين أتوا حقا، بتضحيات الثوار والشعوب، التي قدمت شهداء من أجل انتزاع الحرية والديموقراطية من أغلال الحكام المستبدين – أمادا معقولة للاستجابة للمطالب الملحة والضرورية للعيش الكريم والكرامة الإنسانية…

وليعلم الجميع، بأن إزاحة رموز الاستبداد؛ الذين عمروا سنين طوال، وإحلال وجوه جديدة مكانهم؛ عن طريق الأساليب الديموقراطية الحضارية ، لا يعني بأن أحوال البلاد والعباد ستتغير قبل أن يرتد إلى الناس بصرهم، إن من يقول هذا الكلام، ليس واهما فقط ، أو يروج الأكاذيب، بل إنه مع الأسف الشديد يوجه طعنات قاتلة للديموقراطية الفتية بمجتمعاتنا العربية …

إن من يستعجل ثمار الديموقراطية، متواطئ ولو دون قصد منه، مع أؤلئك الذين أداروا لها ظهورهم ونبذوها بقلوبهم …إن استعجال الحصائل والمحاصيل وجني حصاد الثورة، ليس ممكنا بين عشية وضحاها، وكل مصر على ما يخالف هذا الأمر، سيؤول به الأمر للكفر بالديموقراطية، والتشكيك في حقيقة الربيع العربي، ولما لا ؛ المساهمة مع فريق الثورة المضادة؛ التي ما فتئت تزين للناس أحوالهم التي انسحقت آمالهم وطموحاتهم ومستقبل أبنائهم تحت أقدامها سنين عددا ..

*أستاذ التعليم العالي، المغرب .

https://www.facebook.com/medbenlahcen

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • رامي حسام الدين
    الأحد 18 أكتوبر 2015 - 12:50

    من التلقي عند القرطاجني إلى الثورات العربية. "حركة انتقالية" صعبة، وغير مفهومة. الكتابة عن موضوع المزاج في الثورات العربية يقتضي أدوات تحليل من علم النفس الاجتماعي، وسيكولوجية الجماهير، والفكر السياسي؛ تجنبا للوقوع في إنشائية مفرطة، ليست ضرورية لفهم متخصص للموضوع، لكن قد تكون مفيدة لاجتياز مباراة الدخول لمعهد بيداغوجي تكويني. مع التحية والشكر للمؤلف وللمنبر المستضيف.

  • حسن تزكا
    الأحد 18 أكتوبر 2015 - 14:34

    تحية عالية لصاحب النص : الأستاذ الكريم (محمد بنلحسن). وصفتَ الداء والدواء، حين قلتَ :
    "الآن، على مثقفينا، ومفكرينا، وسياسيينا، والفاعلين في منظمات المجتمع المدني بعالمنا العربي، الانخراط في ورش استنبات الديموقراطية".
    إن صيغة (استفعال) في اللغة تفيد إعادة الكرّة مرّتين أو أكثر، بعد عدم نجاعة المرات السابقة. وإني أتفق معك في هذا الطرح. لأن البذور الأولى للديموقراطية كانت ميتة فلم تزهر، وجاءت فترة أخرى في سنوات الجمر والرصاص تمّ فيها تهجين هذه البذور، ففقدت خصوبتها، ولهذا لم تؤتِ أكلها.
    الحل الآن في البحث عن بذور سليمة، خِلوة من الأدواء، موائمة لطبيعة تكوين العقل العربي المتحجر. / مودتي

  • boujeme3a
    الأحد 18 أكتوبر 2015 - 15:33

    هل المغرب بحاجة إلى -ملكية برلمانية- ?!

    عموما ، فبعد خروج المغرب من دوامة " الربيع العربي " منتصرا ، بحفاضه على مكسب حالة الاستقرار – وقيمة الاستقرار لا تدركه إلا الشعوب التي دمرت ( بضم الدال ) أوطانها – ، زادت فرصته أكثر في "دمقرطة " حياته السياسية – إن تم إستغلالها – عبر إمكانية تأسيس نظام " الملكية البرلمانية " أكثر من أي وقت مضى ، خاصة أن وضعه هذا سيساعد على صنع الأرضية المناسبة لذلك ، عبر جلب رؤوس أموال أجنبية ، وبتالي تصبح إمكانية" لبرلة " الحياة الإقتصادية و السياسية حاضرة أكثر … ، ورغم إمكانية توفر كل هذه الشروط ،و محاولة تجاوز الموانع السالفة الذكر ..هل المؤسسة الملكية ستسمح بالتنازل على صلاحياتها لا سواء من داخل النص الدستوري أو من خارجه ؟ ومتى يحين الوقت لذلك ؟ هذه الأسئلة و غيرها ، المستقبل القربب – و ربما البعيد – هو من سيجيب عليها .

    فضيل التهامي :باحث في العلوم السياسية

  • رشيد ادريسي
    الأحد 18 أكتوبر 2015 - 16:17

    تحية وتقدير للمال وكاتبه ، مسألة المزاج والمزاجية من الأمور المصيرية اليوم في عالمنا العربي وعلى جميع المسؤولين الانتباه إلى أن المواطنين غير قادرين على مزيد من الانتظار من أجل الاستجابة لمطابهم الملحة والمستعجلة …أما مسألة الأحزاب فلا نظن البتة أنها تسير جنبا الى جنب مع الجماهير لأن المكون الحزبي همه الكبير استدراج المصوتين للانتخابات فقط ، لقد تزعمت الشعوب الثورة التي انتهزها المتقاعسون وعلى المجتمعات العربية ان تظل حذرة من الثورة المضادة المتحالفة مع رموز الفساد كما يقع في مصر وتونس على سبيل المثال ….ما أحوجنا لمثل هذه المواضيع الحساسة والآنية

  • لا أثر لتغير المزاج
    الأحد 18 أكتوبر 2015 - 19:51

    يوجد أثر آخر للربيع العربي الذي قلما ننتبه له، وهو أن الأنظمة تعلمت من تجربة مصر وسوريا على الخصوص أنه مهما كانت قوة الثورة فالثورة المضادة أو القمع الصارم قادر على قتلها. وبهذا تكون هذه النظمة قد تم تلقيحها ضد الثورات واكتسبت مناعة كبيرة ضد التغيير. وهذا ما سيؤدي إلى دخول الشعوب العربية في عهد جديد من القمع وغياب الديموقراطية والتخلف قد يدوم قرونا. يجب أن ننتبه أيضا إلى أن الغرب وأمريكا قد جربوا التغيير في البلدان العربية واكتشفوا أن الشعوب العربية تميل إلى الفوى الإسلامية بدل الليبراليين، وهنا قرروا أي يعودوا إلى سياستهم الكلاسيكية والنتنثلة في دعم الديدكتاتوريات (والحفاظ على الأسد خير شاهد على هذا). وبهذا أظن أن تغير مزاج الشعوب بعد الربيع العربي وعدم قبولها للاستبداد …كما ذكر المقال، لا أثر لها في أرض الواقع

  • عبدالغني بن الطالب
    الإثنين 19 أكتوبر 2015 - 23:56

    تحية للأخ الفاضل محمد بنلحسن
    لقد نجحت الثورات المضادة في استقطاب الشارع العربي خاصة في مصر، أو فرض نفسها ديمقراطيا في تونس من خلال استغلال أخطاء القيادات الجديدة التي وجدت نفسها محاطة بألغام اللوبيات و التدخلات الخارجية.. فتم استنبات النظام القهري الذي طرح نفسه بديلا للفوضى واستكان لذلك بعض من أشربوا الخنوع، وانقسم الناس بين الترحيب و المعارضة .. وهذه مرحلة ضرورية من الناحية السياسية والاجتماعية لتشكيل وعي جديد ولتتعلم النخب الجديدة من خلال هذا الصراع فن السياسة و القيادة. لا أخفيك أخي الكريم أن ماهو آت أشد وأصعب خاصة وأن الساحة العربية مهيأة بقوة للانقسام الطائفي والمذهبي والصراعات المفتعلة..وكل هذا سيصب في النهاية في الوحدة وسقوط الأنظمة القهرية. إني أشتم نسائم الربيع القادم من خلال الحرائق والخراب، نحن أمة تبعث من رمادها.

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 5

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 5

المنصوري: سألجأ إلى القضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34 1

الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29 1

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"