أي مصداقية للتزكيات الحزبية؟!

أي مصداقية للتزكيات الحزبية؟!
الأربعاء 11 فبراير 2026 - 18:57

خلال السنوات الأخيرة وتحديدا منذ أن جاءت حكومة عزيز أخنوش رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، والحديث بين الناس يكاد لا يتوقف عما تشهده بلادنا من غلاء الأسعار وتزايد نسب الفقر والبطالة والهدر المدرسي واتساع الفوارق الاجتماعية والمجالية. والأكثر من ذلك تفاقم معضلة الفساد في أوساط المنتخبين من جل الأحزاب السياسية في الأغلبية والمعارضة على حد سواء، سواء تعلق الأمر برؤساء مجالس أو جماعات ترابية، أو برلمانيين ومستشارين، حيث هناك من تم عزلهم وهناك من تمت محاكمتهم وهناك من مازالت ملفاتهم معروضة على أنظار المحاكم بمختلف المدن المغربية، بسبب شبهات فساد…

فمباشرة بعد الإعلان عن نتائج انتخابات شتنبر 2021 وتشكيل الحكومة وباقي المؤسسات، ورؤوس عدد من المنتخبين تتساقط تواليا كأوراق الخريف، بسبب صدور قرارات العزل من طرف القضاء الإداري، لضلوعهم في حدوث اختلالات إدارية ومالية، حيث أن جل التهم المنسوبة إليهم تتعلق بتجاوزات ذات طابع جنائي، تهم تبديد واختلاس أموال عمومية، بعد أن أظهرت تقارير التفتيش الصادرة عن المفتشية العامة للإدارة الترابية والمجلس الأعلى للحسابات أن معظم الجماعات تعرف اختلالات خطيرة في التسيير إن على المستوى الإداري أو المالي، أصبح السؤال الأكثر إلحاحا على قادة الأحزاب السياسية هو ما مدى مصداقية التزكيات الانتخابية التي تمنح للبعض دون غيرهم من أجل تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام؟

والتزكية للترشح في الاستحقاقات الانتخابية، هي في تقديرنا وحسب ما هو متداول بين الناس، بعيدا عن المعنى اللغوي والاصطلاحي، يفترض أن تكون بمثابة شهادة “حسن السيرة والسلوك”، تمنحها الأحزاب السياسية بشكل ديمقراطي عبر لجان خاصة تتشكل لهذا الغرض، من المناضلين ذوي الكفاءة الذين تراهم الأحق بتمثيل الحزب والقادرين على القيام بواجبهم الدستوري في الارتقاء بأوضاع البلاد والعباد عن جدارة واستحقاق، فضلا عن التحلي بروح المواطنة الصادقة، والقيم النبيلة مثل الصدق والأمانة والنزاهة…

فكلما اقترب حلول موسم الاستحقاقات الانتخابية إلا ويشتعل النقاش بقوة داخل الأحزاب السياسية عن تلك الشهادة المعنوية المسماة “تزكية”، حيث ترتفع حرارة الجدل أثناء الشروع في إعداد لوائح المرشحين وترتيبهم حسب درجات “الاستحقاق” لدى قادة الأحزاب، غير أنه كثيرا ما لا تحترم مبادئ الديمقراطية في تحديد معايير “التزكية”، التي غالبا ما لا تخضع للأسف الشديد سوى إلى لمعيارين اثنين: فئة المحظوظين من الموالين والمقربين والأعيان “أصحاب الشكارة” حتى وإن كانوا من غير المنتمين للحزب، في تغييب واضح للكفاءات الحزبية والمناضلين الحقيقيين، حيث أن ما يهم بالدرجة الأولى صاحب القرار في الحزب ليست مصالح المواطنين ومن هو الأنسب لخدمتهم، بل الحصول على أكبر عدد من المقاعد واحتلال الرتب المتقدمة بما يخدم المصالح الشخصية والحزبية الضيقة…

إذ أنه طالما تعالت أصوات قيادات حزبية تستنكر ما يجري داخل أحزابها من تلاعب واتجار في التزكيات دون أن يتبع ذلك أي تحقيق قضائي، حيث يتم استبعاد المناضلين الحقيقيين وترجيح كفة أفراد العائلة والأصدقاء والأعيان من الوجهاء، دون أن تتوفر فيهم الكفاءة والقدرة على التدبير الجيد، باعتبارهم القوة الانتخابية الأوفر حظا في الفوز من حيث القدرة على تمويل الحملة الانتخابية واستقطاب أكبر عدد من الأصوات الانتخابية يوم الاقتراع، رغم ما تحظى به الأحزاب السياسية من دعم عمومي، وما سبق لعاهل البلاد محمد السادس أن قدمه من توجيهات وجيهة في خطبه السامية، ومنها خطابه أمام البرلمان بغرفتيه يوم 14 أكتوبر 2016 بمناسبة افتتاح البرلمان: “إن التوجه الحقيقي يجب أن يكون نحو الكفاءات، وتحمل المسؤولية بصدق ونزاهة، بعيدا عن منطق الولاءات الضيقة، والبحث عن المصالح الشخصية”

فما لم يعد باستطاعة المواطنين استيعابه واستساغته في ظل الجهود المبذولة من طرف السلطات العمومية في اتجاه تصحيح الاختلالات الانتخابية، والرفع من معدل المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، هو أن تعود للترشح في الانتخابات المتوالية نفس الوجوه بنفس الممارسات المشينة، في غياب تام لروح المسؤولية والحس الوطني الصادق، مما ساهم ومازال يساهم في العزوف الانتخابي واستمرار شراء الأصوات والذمم. إذ كيف يعقل السكوت عن إقصاء المناضلين الحقيقيين الذين تربوا في أحزابهم وظلوا أوفياء للمبادئ، من خلال تشبعهم بالمرجعية الفكرية والأيديولوجية، ويملكون من المؤهلات ما يجعلهم قادرين على تنزيل البرامج والمشاريع باقتدار؟

إن ما يحز في النفس كثيرا، هو أن يتواصل إبعاد الأشخاص النزهاء والأكفاء من الترشح للانتخابات، دون أن تتمكن الإجراءات القانونية الزجرية من التصدي بقوة للسلوك الانتهازي وبعض الممارسات الدنيئة، ومنها الترحال السياسي الذي يلجأ إليه البعض ممن ترفض أحزابهم وضع ثقتها فيهم لخوض سباق الانتخابات تحت لوائها، إلى الحد الذي أصبحت فيه حرب التزكيات ترافق العمل الحزبي، معتمدة في ذلك على شبكة العلاقات والنفوذ المالي والترابي، فيما يهمش الشرفاء الذين يظلون خارج “اللعبة”، مما ينعكس بالسلب على طبيعة الأداء الرقابي والتشريعي تحت قبة البرلمان بمجلسيه.

وإذا كان من الضرورة بمكان ضمان الفوز بعدد من المقاعد في مجلس النواب، فلماذا لا يتم المزج بين الكفاءة العلمية وأصحاب المال والأعمال في منح التزكيات، عوض الاعتماد كليا وبصفة أكبر على السماسرة وتجار الانتخابات الذين يفتقرون إلى أبسط المؤهلات العلمية والرؤية السياسية الواضحة؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • Lamya
    الخميس 12 فبراير 2026 - 13:26

    تسيير الدولة يحتاج للكفاءات و ليس لأصحاب الشكارة الذين يدخلون غمار السياسة لحماية مصالحهم و الزيادة في ثرواتهم من خلال القرب من مراكز القرار
    الأحزاب تفكر فقط في ربح الانتخابات و تزكية أصحاب الأموال و النفوذ و تهمش الكفاءات, ما لا يتماشى مع مصلحة الدولة و يجعلها مهددة بقلة الكفاءات, و لذلك ربما يجب ضبط عملية التزكية قانونيا

  • amaghrabi
    الخميس 12 فبراير 2026 - 14:46

    الاحزاب السياسية المغربية وصدق من نعتها بالدكاكين السياسية التي تبيع الاوهام ,والغريب في الامر أنها وجوه لعملة واحدة بحيث كلهم يزكون الاعيان ويعتمدون على السماسرة الانتهازيين اما بالرشاوي او يعدونهم بمصالح خاصة .صراحة انتهت السياسة في المغرب لان الشرفاء والعقلاء والمثقفون الملتزمون من امتنا لا يقتربون من الاحزاب لا يشاركون لا في المنافسة ولا يشاركون حتى باصواتهم لان الصوت اليوم اصبح يعبر عن شهادة الزور بحيث تعلم علم اليقين من يترشح الى الرلمان او المجالس الوطنية وتعلم انه مراوغ انتهازي لا تهمه الا مصلحته وتعطيه صوتك ,والله انها شهادة زور يحاسب عليها المواطن الحقيق والمثالي امام ربه .صراحة يجب على دولتنا ان تراقب هؤلاء والا فتلغي هذه الاحزاب الموجودة اليوم في الساحة المغربية لانها تضر ولا تنفع ولا تقدم اية خدمة بسيطة للمواطنين الا ربما بالمقابل.يجب محاسبة هؤلاء ومراقبتهم من طرف الدولة والشعب او المواطنين اما غض الطرف عن سلوكهم الخبيث فهذا لا يؤدي الا الى فساد عام يهدد استقرار دولتنا التي يرعاها جلالة الملك بكل اخلاص

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء

صوت وصورة
ملتقى أولماس
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 19:04

ملتقى أولماس