من يملك الصورة يملك السلطة

من يملك الصورة يملك السلطة
السبت 5 شتنبر 2026 - 21:21

حين تفقد الصورة براءتها

لم تعد الصورة مجرد وسيط ينقل ما يحدث، بل صارت قوة تشارك في تعريف ما يحدث، وترتب الأولويات، وتمنح بعض الوقائع حضورا كثيفا بينما تدفع وقائع أخرى إلى الهامش. تدخل السينما والتلفزة والإعلانات العملاقة في المدن ومنصات التواصل الاجتماعي اليوم في صلب صناعة الوعي العام، لأنها تجمع بين سرعة الانتشار وقوة التأثير العاطفي والقدرة على اختزال أحداث معقدة في مشهد أو شعار أو وجه. وقد أدرك مارشال ماكلوهان مبكرا أن التكنولوجيا لا تحمل مضمونها فحسب، بل تغير بنية الإدراك نفسها حين قال: «الوسيط هو الرسالة» (مارشال ماكلوهان، Understanding Media: The Extensions of Man، 1964). لذلك لا يقتصر السؤال على ما تعرضه الصورة، بل يمتد إلى من يملك منصتها، ومن يحدد منطق انتشارها، ومن يصوغ قواعد رؤيتها وتداولها.

بين الدفاع عن الحق وصناعة القبول

تخدم الصورة قضايا نبيلة حين توثق الظلم، وتكشف الانتهاكات، وتمنح المهمشين مساحة للظهور، وتفتح للرأي العام نافذة على أوضاع كان يمكن أن تبقى محجوبة. وقد غيرت صور الحروب والمجاعات والاحتجاجات والهجرة والنزوح مواقف جماهير وحكومات، ودفعت أحيانا إلى تعبئة إنسانية وسياسية واسعة. غير أن القوة نفسها يمكن أن تخدم الاتجاه المعاكس، فتبرر سياسات القوة، وتعيد ترتيب الوقائع بما يناسب المنتصر، وتختزل شعبا أو ثقافة في صور نمطية، أو تحول الصراع السياسي إلى حكاية أحادية لا مكان فيها للتعقيد أو التاريخ أو التعدد. وتكتسب الصورة هنا وظيفة لا تقل أهمية عن السلاح الاقتصادي أو العسكري، لأنها تهيئ القبول وتضع المفردات التي يفكر بها الجمهور في الحرب والسلام والشرعية والخطر والعدو.

الحرب على الأرض والحرب على الإدراك

تؤكد الحروب الحديثة أن المعركة لم تعد تدور فقط على الأرض، بل تدور أيضا داخل فضاء الإدراك. فقد رافقت الحرب في أوكرانيا حملات مكثفة من التضليل والدعاية والمحتوى الموجه، واستُخدمت المنصات لنشر الروايات الرسمية والمضادة والتأثير في الرأي العام المحلي والدولي. وفي حرب غزة برزت المنصات في وقت واحد كقناة لنقل صور الضحايا والدمار وكفضاء واسع للمعلومات المضللة وخطاب الكراهية والتلاعب بالمحتوى. كما توسعت الحروب السيبرانية، فلم يعد استهداف البنية المعلوماتية منفصلا عن استهداف الوعي؛ إذ يمكن لاختراق أو تسريب أو فيديو مفبرك أو حملة حسابات منسقة أن يعيد تشكيل المزاج العام قبل أن تتضح الوقائع نفسها.

تتحكم في هذا الفضاء شركات المنصات وخوارزميات التوصية وسياسات الإشهار ومصالح الدول وجيوش الاتصال وشبكات المؤثرين وشركات العلاقات العامة ومراكز صناعة المحتوى. وأصبح بالإمكان دفع رواية سياسية إلى ملايين المستخدمين في ساعات، وقياس ردود أفعالهم، ثم تعديل الرسائل والصور والعبارات بناء على بيانات دقيقة. وهكذا لم تعد الدعاية تكتفي بتكرار شعار واحد، بل تتعلم من الجمهور وتكيف خطابها معه.

امتلاك الأداة لا يعني امتلاكها فعلا

يحذر هذا الواقع من الخلط بين حرية الاستعمال والسيادة على الأداة. يعتقد كثيرون أن امتلاك هاتف ذكي أو حساب على منصة أو اشتراك في أداة للذكاء الاصطناعي يعني امتلاك قوة تكنولوجية مستقلة، بينما يبقى المستخدم داخل بيئة صممها آخرون وحددوا هندستها وقواعدها وحدودها. يستطيع أن يستفيد منها فعلا، لكنه لا يملك بالضرورة منطقها ولا بيانات تدريبها ولا شروط ترتيب النتائج ولا القيم المضمرة في أنظمتها. ولهذا يصبح قول ستيف بيكو بالغ الدلالة: «أقوى سلاح في يد المضطهَد هو عقل المضطهَد» (ستيف بيكو، خطاب في كيب تاون، 1971). فحين يتبنى المستخدم من غير نقد تصورات الأداة ومفرداتها وترتيبها للعالم، قد يساهم في إعادة إنتاج هيمنة لا يراها، وهو يعتقد أنه يتحرر منها.

الذكاء الاصطناعي: مضاعفة القوة ومضاعفة الخطر

يزيد الذكاء الاصطناعي هذه المسألة تعقيدا، لأنه لا ينتج صورة أو نصا من فراغ، بل يبني نتائجه على بيانات ضخمة، ونماذج تصنيف، وقواعد احتمالية، واختيارات بشرية سابقة. يستطيع أن يسرع الإنتاج، ويوسع إمكانات الترجمة والتحليل والتصميم والمونتاج والتوثيق، لكنه يستطيع أيضا أن يعيد تدوير التحيزات الثقافية والسياسية واللغوية الموجودة في بياناته. وتتشكل النماذج داخل بيئات اقتصادية وسياسية تحددها الشركات والمصالح التي تطورها، وتظل اللغات وأنظمة المعرفة الأقل حضورا معرضة للتهميش أو الاختزال.

لذلك لا يكفي أن يعرف المستخدم كيف يكتب أمرا تقنيا جيدا. يحتاج إلى أن يعرف ماذا يريد، ولماذا يريده، وكيف يراجع ما تنتجه الأداة، وأي افتراضات تتسلل إلى النتيجة، وما الذي حُذف أو ضُخّم أو أعيد تأويله. يحتاج كذلك إلى وعي بصري وثقافي وتاريخي وفلسفي، لأن الأداة قد تنفذ طلبا صحيحا تقنيا لكنها تبني صورة خاطئة معرفيا أو منحازة جماليا أو مختزلة سياسيا. وقد صاغ المهاتما غاندي معنى الحرية بمعيار لا يزال صالحا حين قال: «لا تستحق الحرية أن تُمتلك إذا لم تتضمن حرية الخطأ» (المهاتما غاندي، Young India، 12 مارس 1931).

العالم العربي: البنية التحتية ليست سيادة

يقف العالم العربي أمام هذا التحدي بوضوح خاص. يحتاج إلى مراكز البيانات والمهندسين والباحثين، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى فلاسفة ومؤرخين وتربويين وسينمائيين وفنانين وعلماء اجتماع ولغويين ومتخصصين في الأخلاق والقانون. لا تستطيع هندسة الخوادم وحدها أن تنتج صورة وطنية قادرة على التعبير عن المجتمع، ولا يستطيع شراء النماذج الذكية أن يصنع استقلالا معرفيا. قد تصبح البنية التحتية قوية بينما يظل المحتوى ضعيفا، وتبقى التصورات والمرجعيات واللغات المحلية في موقع التابع. وقد تتوسع القدرة التقنية بينما يستمر استهلاك صور وقيم ونماذج سردية تأتي من الخارج وتعيد ترتيب الأذواق والأولويات والمعايير.

تتطلب السيادة المستقبلية بناء استراتيجيات تربط التكنولوجيا بالثقافة، وتربط الصناعة البصرية بالتعليم، وتدعم أرشفة الذاكرة وإنتاج السينما والتلفزة والوثائقيات والمحتوى الرقمي، وتطوير العربية ولهجاتها ولغات المنطقة داخل النماذج، وتكوين أجيال تعرف كيف تفهم الصورة قبل أن تستهلكها وكيف تنتجها قبل أن تروجها. قال نيلسون مانديلا: «التعليم هو أقوى سلاح يمكن استعماله لتغيير العالم» (نيلسون مانديلا، خطاب Madison Park High School، بوسطن، 23 يونيو 1990). ويأخذ التعليم هنا معنى أوسع من التكوين التقني: يعني تدريب الذائقة، وتعليم تاريخ الصورة، وفهم الدعاية، وتحليل المونتاج، وقراءة الإعلان، وكشف التحيز الخوارزمي، والتمييز بين الخبر والرواية، وبين الوثيقة والتمثيل، وبين الانتشار والحقيقة.

من استهلاك الصورة إلى إنتاج المعنى

تستطيع الصورة أن تبني مقاومة ثقافية ذكية من غير أن تنغلق على الذات. لا تعني السيادة رفض التكنولوجيا العالمية، بل تعني استعمالها من موقع المعرفة والاختيار والتفاوض. ولا تعني حماية الثقافة منع التفاعل، بل تعني امتلاك القدرة على التفاعل من موقع الند لا التابع. وقد قالت توني موريسون: «وظيفة الحرية هي أن تحرر شخصا آخر» (توني موريسون، خطاب التخرج في Barnard College، 1979). ويمكن نقل هذا المعنى إلى المجال البصري والرقمي: تصبح التكنولوجيا ذات قيمة حين توسع قدرة الأفراد والمجتمعات على المعرفة والتعبير والاختيار، لا حين تجعلهم أكثر اعتمادا على منظومات لا يملكون شروطها.

تحتاج المجتمعات لذلك إلى أن تنتقل من سؤال: ما أحدث أداة يمكن أن نشتريها؟ إلى سؤال أعمق: أي مجتمع نريد أن نبنيه بهذه الأداة؟ وتحتاج إلى أن تنتقل من قياس النجاح بعدد المشاهدات إلى قياسه بقدرته على إنتاج معرفة مستقلة، وتحسين التعليم، وحماية التعدد، وتوسيع المشاركة، وبناء اقتصاد إبداعي، ودعم الحقوق. كما تحتاج إلى أن تنظر إلى الصورة باعتبارها جزءا من الأمن الثقافي والمعرفي، لا مجرد مجال للترفيه والإشهار.

تتحول الصورة اليوم بسرعة من مرآة للعالم إلى قوة تشارك في بنائه، وتتحول تقنيات الذكاء الاصطناعي من أدوات مساعدة إلى بنى تحتية تؤثر في ما نراه وما نصدقه وما نتذكره. لذلك لن تحسم معركة المستقبل بعدد الشاشات ولا بحجم مراكز البيانات فقط، بل بقدرة المجتمعات على امتلاك المعنى والمعيار واللغة والذاكرة والخيال. وكلما ازداد ذكاء الأداة، ازدادت الحاجة إلى إنسان أكثر معرفة ونقدا ووعيا. هناك فقط يمكن للصورة أن تنتقل من وسيلة للهيمنة إلى أداة للسيادة، ومن صناعة الانفعال إلى صناعة الفهم، ومن إعادة إنتاج العالم كما رتبه الأقوى إلى المشاركة في بناء عالم أكثر عدلا وحرية وتوازنا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • السملالي
    الإثنين 7 شتنبر 2026 - 09:11

    مقال من المستوى الرفيع.
    بوركتم

صوت وصورة
جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:32 1

جواب المنصوري والتصويت على البرنامج الحكومي

صوت وصورة
الرميلي تعلن شرطة النظافة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 18:10

الرميلي تعلن شرطة النظافة

صوت وصورة
البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45 4

البرنامج الحكومي بعيون الأغلبية والمعارضة

صوت وصورة
دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:44 5

دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 4

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي