كلفة الفساد أغلى

كلفة الفساد أغلى
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 08:43

في حياتنا العامة مفارقة تستحق التأمل. نكاد نجمع على أن الفساد يعطّل التنمية، وأن الريع يفسد المنافسة، وأن غياب تكافؤ الفرص يُفرغ الثقة في المؤسسات من معناها. لكن ما إن ننتقل من وصف الداء إلى تحديد ما ينبغي تغييره حتى يتفرق الجمع. فمحاربة الفساد شعار يرفعه الجميع بلا تردد، غير أن الإجماع يضعف حين تصبح المحاربة مراجعةً لقواعد توزيع الامتيازات، أو تبسيطا لمساطر معقدة، أو إخضاعا للقرار العمومي لمزيد من الشفافية والمساءلة.

ولهذا تظل محاربة الفساد والريع من أكثر الأولويات حساسية أمام أي حكومة. فالأمر لا يقف عند مخالفات قانونية تتكفل بها أجهزة الرقابة والقضاء، بل يمتد إلى طريقة اشتغال بعض المساطر، ومدى وضوح قواعد المنافسة، وقدرة المؤسسات على ضمان أن تُمنح الفرص وفق معايير معلنة، لا وفق العلاقات الشخصية أو القرب من مراكز القرار.

وأخطر ما في الفساد أنه لا يكتفي بتبديد الموارد وتعطيل المشاريع، بل ينال من قناعة المواطن بجدوى القواعد نفسها. شاب يجتهد ويتكوّن ثم يشعر أن ذلك لا يكفي لفتح الأبواب أمامه. ومقاولة صغيرة تشك في أن المنافسة تجري بالشروط نفسها للجميع. ومواطن يقف أمام شباك إداري لا يفهم منطق المسطرة ولا يعرف متى ستنتهي. هؤلاء لا يعيشون وقائع معزولة فحسب، بل يواجهون أزمة أعمق تتعلق بالثقة في عدالة النظام الذي ينظم علاقتهم بالمؤسسات.

وعلينا هنا أن نفرق بين أمرين كثيرا ما يختلطان. الفساد فعل مخالف للقانون يستوجب البحث والمحاسبة وفق الضمانات القانونية، أما الريع فقد يتخذ صورة امتيازات لا تفسرها الكفاءة أو الإنتاجية أو المنافسة النزيهة. وعلاجه لا يكفيه الزجر، بل يحتاج أيضا إلى مراجعة القواعد التي تصنع الامتياز وتحمي استمراره. وقد لا يكون الخلل في شخص خرق القانون، بل في مسطرة غامضة، أو لائحة استثناءات واسعة، أو قاعدة لا تسمح للمعنيين بمعرفة كيف اتُّخذ القرار وعلى أي أساس.

فالمشكلة لا تبدأ دائما حين تُخرق القواعد، بل قد تبدأ حين تُصاغ قواعد تسمح لبعض الامتيازات بأن تستمر دون تفسير كافٍ أو رقابة فعالة. وهنا تحديدا ينبغي أن تتجاوز محاربة الفساد البحث عن المخالفات بعد وقوعها إلى فحص البيئة الإدارية والقانونية التي قد تسمح بتكرارها. فالقانون ضروري، لكن فعاليته تتوقف أيضا على وضوح المساطر، وعدالة تطبيقها، وإمكانية مراقبة القرارات الصادرة بموجبها.

لذلك لا يصح اختزال المعركة في اعتقال متهم أو الإعلان عن فتح بحث، على أهمية تطبيق القانون حين تستدعي الوقائع ذلك. المقاربة الأنجع هي التي تمنع الخلل من التكرار، وتسُد الثغرات، وتخفف تعقيد المساطر، وتجعلها قابلة للتتبع، وتضمن أن تكون القرارات العمومية قابلة للتفسير والمراجعة. فالمحاسبة لازمة، لكن الوقاية المؤسسية لا تقل عنها أهمية.

وإذا كانت الحكومة قد وضعت محاربة الفساد والريع ضمن أولوياتها، فإن الامتحان الحقيقي يبدأ من تفاصيل تبدو إدارية جافة، لكنها ترسم علاقة المواطن بالدولة. كيف تُمنح الصفقات العمومية؟ هل تتاح المعلومات المتعلقة بها في الوقت المناسب؟ هل تُعلن معايير الانتقاء بوضوح؟ وهل يستطيع المتنافس الذي أُقصي أن يفهم أسباب القرار ويطعن فيه بالطرق القانونية؟ هل تُحترم آجال دراسة الملفات؟ وهل تخضع الاستثناءات لما تخضع له القواعد من تعليل ورقابة؟

هذه الأسئلة لا تتضمن اتهاما لأحد، ولا تفترض أن كل تعثر إداري يخفي فسادا. إنها أسئلة مشروعة عن جودة المؤسسات. فالغموض لا يثبت وجود مخالفة، لكنه يضعف الثقة ويفتح الباب للتأويل والشك. وكلما صارت الإجراءات واضحة، والمعلومات متاحة، والقرارات معللة، تقلصت المساحة التي يمكن أن تنمو فيها الممارسات غير السليمة، وأصبح التمييز أسهل بين الخطأ الإداري العادي والمخالفة التي تستدعي المساءلة.

ومن أكبر التحديات التي تواجه أي سياسة لمحاربة الفساد الانتقال من إعلان النوايا إلى قياس النتائج. فلا يكفي أن تقول الحكومة إنها ستشدد الرقابة وتحسن الحكامة؛ المطلوب أن توضح كيف ستقيس ذلك، وبأي مؤشرات، وكيف ستنشر حصيلتها. وهناك معطيات قابلة للتتبع، من قبيل آجال معالجة الملفات الإدارية، ونسبة الصفقات التي تُنشر وثائقها الأساسية، ومدى احترام آجال الأداء تجاه المقاولات، ومآل توصيات أجهزة الرقابة، وعدد المساطر التي بُسّطت أو أُلغيت بعد ثبوت عدم ضرورتها.

ونشر هذه المعطيات بانتظام لا يعني تحويل محاربة الفساد إلى سباق أرقام، ولا الحكم على الأشخاص بمؤشرات إدارية مجردة. المقصود هو إرساء حد أدنى من الشفافية يتيح للمجتمع تقييم السياسات العمومية استنادا إلى الوقائع. فحين تكون الأهداف معلنة، يصبح بالإمكان مساءلة المؤسسات عن النتائج، ومناقشة أسباب التعثر، واقتراح البدائل، بدل الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو الدفاع عن حسن النية.

غير أن ثمة شرطا آخر لا يقل أهمية: لا تقوم سياسة ناجعة في ظل الخلط بين المساءلة والتشهير، أو بين النقد السياسي والإدانة القضائية. فاحترام قرينة البراءة واستقلال القضاء لا يعيقان المحاسبة، بل هما من شروط مشروعيتها. والنقد المسؤول لا يحتاج إلى اتهام أشخاص دون أدلة؛ يكفيه أن يسأل عن القواعد، ويطلب المعطيات، ويفحص القرارات وآثارها. والمؤسسات القوية لا ترتبك أمام الأسئلة المشروعة، بل تجعل الإجابة عنها جزءا من عملها اليومي.

وتزداد أهمية هذه المقاربة حين نربط محاربة الفساد بالعدالة الاجتماعية. فالدولة الاجتماعية لا تُبنى بالدعم والتحويلات المالية وحدها، مهما كانت أهميتها للفئات المستحقة. إنها تحتاج كذلك إلى إدارة لا تهدر وقت الناس، ومنافسة لا تعاقب المقاولة الجادة، وخدمات عمومية لا يصبح فيها مكان السكن أو مستوى الدخل عاملا حاسما في الحصول على الخدمة أو الحرمان منها. وكل مورد يُدبّر بكفاءة، وكل مسطرة تُبسّط دون مساس بالحقوق، وكل امتياز يخضع لمعايير واضحة، يمكن أن يساهم في توجيه الجهد والمال نحو حاجات المجتمع الفعلية.

ومن الخطأ، في المقابل، الاعتقاد أن هذه المعركة مسؤولية الحكومة وحدها، أو أن الحل يكمن في سن مزيد من القوانين دون الالتفات إلى كيفية تنفيذها. فالأمر يستدعي مؤسسات رقابية فاعلة، وإدارة مهنية، وقضاء مستقلا، وإعلاما قادرا على البحث والتحقق، ومجتمعا مدنيا يتابع السياسات العمومية، ومواطنين يرفضون تطبيع الممارسات المخالفة للقانون حتى حين تبدو لهم نافعة على المدى القريب. لكن توزيع المسؤولية يجب ألا يصبح وسيلة لتخفيفها عمن كُلّفوا بالتدبير والرقابة؛ فلكل جهة اختصاصاتها، وعلى كل جهة أن تتحمل مسؤولية موقعها.

ثم إن محاربة الريع لا تعني محاربة النجاح أو الاستثمار أو الاستفادة المشروعة من الحوافز التي تقررها الدولة. فهذه الحوافز قد تكون ضرورية لتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل، لكنها تحتاج إلى أهداف واضحة، وشروط معلنة، وتقييم دوري للنتائج. والسؤال ليس هل يجوز للدولة أن تدعم بعض الأنشطة، بل كيف تختار المستفيدين، وما المقابل الاقتصادي والاجتماعي المنتظر، وهل يستمر الامتياز إذا لم تتحقق أهدافه؟ هنا يظهر الفرق بين سياسة تحفز الإنتاج، ووضع تتحول فيه الاستفادة من الامتياز إلى غاية في حد ذاتها.

وفي هذا السياق، سيكون من المفيد أن تقدم الحكومة كل سنة حصيلة مفصلة لما أُنجز في هذه الأولوية، فلا تكتفي بسرد الإجراءات، بل تربط كل إجراء بالمشكلة التي يعالجها والنتيجة التي حققها. فإطلاق منصة رقمية لا يكفي دليلا على نجاح الإصلاح إذا بقيت المساطر معقدة وآجال الانتظار طويلة. وصدور نص قانوني لا يكفي وحده إذا تعثر تطبيقه. كما أن الإعلان عن تشديد الرقابة لا يغني عن نشر ما يسمح القانون بنشره من نتائجها، مع حماية المعطيات الشخصية واحترام سرية الأبحاث حيث يفرض القانون ذلك.

إن محاربة الفساد لا ينبغي أن تكون حملة موسمية ترتفع حدتها مع الخطاب السياسي ثم تخبو مع مرور الوقت. إنها امتحان يومي لقدرة المؤسسات على تطبيق قواعدها، وتصحيح أخطائها، وتفسير قراراتها، وصون تكافؤ الفرص. وهي امتحان للحكومة أيضا: هل تقبل أن يُقاس نجاحها في هذا الملف بما يستطيع المواطن والمقاولة والمراقب المستقل التحقق منه، لا بما تقوله هي عن نفسها؟

قد لا تستطيع أي حكومة القضاء على جميع أشكال الفساد في ولاية واحدة، ولا يصح أن نطالبها بنتيجة مطلقة تتجاهل تعقيد الظاهرة وتشابك أسبابها. لكن من حق المواطنين أن يطالبوا بأهداف واقعية، وآجال معلنة، وتقليص مجالات الغموض، وتوسيع الشفافية، وتحسين فعالية الرقابة، ونشر نتائج قابلة للفحص. فالتقدم المؤسسي لا يحتاج إلى إعلان نصر نهائي، بل إلى خطوات واضحة يمكن التحقق منها وتتراكم آثارها مع الزمن.

ولعل السؤال الأهم ليس لماذا يوجد الفساد، فأسبابه وأشكاله معروفة بدرجات متفاوتة، وإنما لماذا يصعب أحيانا تغيير الظروف التي تتيح له الاستمرار. والجواب لا يوجد في نيات الأشخاص وحدها، بل في القواعد التي تحكم القرار، والحوافز التي توجه السلوك، والضمانات التي تمنع استغلال السلطة، والآليات التي تجعل المحاسبة ممكنة وفعالة.

حين تصبح الشفافية قاعدة لا استثناء، والمنافسة حقا لا امتيازا، والمساءلة ممارسة مؤسساتية لا شعارا سياسيا، يمكن لمحاربة الفساد أن تنتقل من دائرة الوعود إلى دائرة الإصلاح الملموس. أما إذا ظلت الأولوية حبيسة الخطاب، فستبقى المسافة قائمة بين ما تعلنه الحكومة وما ينتظره المواطن.

ذلك هو الامتحان الحقيقي: ألا تكتفي الحكومة بالقول إنها تحارب الفساد، بل أن تجعل قواعد تدبير الشأن العام أوضح، والفرص أكثر عدالة، والقرارات أكثر خضوعا للمساءلة. فالدولة التي تنجح في ذلك لا تحمي مواردها فحسب، بل تحمي أيضا ثقة مواطنيها في أن العمل والكفاءة واحترام القانون ما تزال لها قيمة في بناء المستقبل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
المعارضة تنتقد البرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:45

المعارضة تنتقد البرنامج الحكومي

صوت وصورة
دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 17:44 2

دفاع آيت الجيد يعلن الطعن بالنقض

صوت وصورة
حامي الدين والبراءة في الاستئناف
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 16:56 4

حامي الدين والبراءة في الاستئناف

صوت وصورة
ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 15:21 1

ندوة دولية تقارب التماسك الاجتماعي

صوت وصورة
الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:37 1

الراشدي يشيد بالبرنامج الحكومي

صوت وصورة
فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"
الخميس 22 أكتوبر 2026 - 13:00 2

فريق "البام": لن نكون مجرد "كومبارس"