التعليم بين الوعد والبرنامج

التعليم بين الوعد والبرنامج
الجمعة 6 نونبر 2026 - 19:06

بعد خروج الأغلبية الحكومية إلى الوجود، يبقى السؤال مشروعًا عن مدى انسجام البرنامج الحكومي مع البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة لها في قطاع التربية والتكوين. واختبار قدرتها على صياغة توليفة تختزل ما وعد به كل حزب على حدة. وهي وعود تتقارب إلى حد بعيد فيما بينها على مستوى التوجهات الكبرى. أم ستطرح قضية الموارد المالية والكوارث الطبيعية، ومسألة التنسيق بين المتدخلين، والإجراءات المسطرية المتبعة وغير ذلك من الإكراهات. فالانتقال «من البرنامج الحزبي إلى البرنامج الحكومي» يكتسي أهمية خاصة بعد تشكيل الحكومة. إذ يصبح البرنامج الحكومي الإطار الذي تترجم داخله الالتزامات.

الوعود الإجرائية للنهوض بالمدرسة العمومية:

لقد حضر التعليم بكل ثقله في برامج جل الأحزاب السياسية، باعتباره الهم الذي يحضر في كل البيوت المغربية، ويسكن كل الأجيال، فهو العنوان الذي يرهن مستقبل البلاد والعباد. وبإطلالة على وعود الأحزاب التي ظفرت بحقائب الحكومة، نجدها جميعًا نصت بصريح العبارة على وجوب التصدي للهدر المدرسي، وقد تفرد حزب التقدم والاشتراكية بالتنصيص على مجموعة من الإجراءات الكفيلة بمحاربة الظاهرة الأكثر إقلاقًا لمنظومتنا التربوية. ففي نظر الحزب، أن تطوير البنيات التحتية، وتوفير الداخليات والإطعام المدرسي، مع توفير النقل وإمكانية الوصول إلى المدرسة، إضافة إلى دعم المتعثرين، كلها إجراءات ستحد ولا شك من جمهور المغادرين للمؤسسات التعليمية بمختلف الأسلاك، وخصوصًا بالسلك الإعدادي حيث ترتفع نسبة المغادرين.

وأمام تعدد الأعطاب التي تشكو منها المدرسة العمومية، ما زال الحديث عن الإصلاح وتسريع وتيرته حاضرًا صراحة لدى حزب الاستقلال. بالتمكين لتكافؤ الفرص بين المدينة والقرية أو ما سماه حزب الأصالة والمعاصرة بالإنصاف المجالي، باعتبار التعليم رافعة اجتماعية. ولن يكون كذلك، إلا بتحسين جودته، التي تبدأ من التعليم الأولي يقول حزبا الاستقلال والاتحاد الاشتراكي. كما لا يزال الحديث مستمرًا وذا راهنية عن ربط التعليم بسوق الشغل، في ظل وضع يتسم بارتفاع نسبة البطالة، وخصوصًا في وسط الشباب، فهل يفلح حزبا الاستقلال والأصالة والمعاصرة في القطع مع هذا النداء القديم الجديد؟

المضامين البيداغوجية والموارد البشرية الموعود بها:

أما على مستوى مضمون التعلمات، فقد حث حزب التقدم والاشتراكية على تعميم تدريس الأمازيغية، التي دخلت الفصول الدراسية ابتداءً من 2003 بالابتدائي، والتي بلغت نسبة تغطيتها 40%، مع وضع استراتيجية لتعميمها في أفق 2030. لكن السؤال الذي يُطرح: هل سيشمل هذا التعميم القطاع الخاص غير المنخرط حاليًا في تدريسها؟ في حين وعد برنامج حزب الأصالة والمعاصرة بتقوية تدريس اللغات بصيغة الجمع. في وقت ترتفع فيه الأصوات بالانتقال من التدريس بالفرنسية، ذات الحضور الضعيف في الوسط العلمي عالميًا، إلى الإنجليزية، لغة العلم حاليًا، أو العربية لغتنا الأم. كما نبه إلى تقوية الكفايات الرقمية منذ الابتدائي، في وقت تهيمن فيه التكنولوجيا الرقمية على جل مناحي الحياة المعرفية وغيرها.

لكن هذه الطموحات تحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة لتنزيلها إلى الفصول الدراسية بعد إقرارها حكوميًا. فالتقدم والاشتراكية ينوي توظيف 18 ألف أستاذ في السنة، وهو رقم قريب مما يتم توظيفه، وإن كانت الوزارة تشير إلى أن القطاع يحتاج 20 ألف أستاذ سنويًا. ومأسسة التكوين المستمر، بمعدل أسبوعين في السنة. مع الحفاظ على مكتسبات أسرة التعليم، وتحسين أوضاعها كما يقول الاتحاد الاشتراكي.

مدارس الريادة مدخل للجودة المنشودة حكوميًا:

بعد أن تولت الأحزاب التي استعرضنا أهم المحاور التي تطرقت لها برامجها الانتخابية في قطاع التعليم، بالمسؤولية الحكومية، يحق للمتتبع التساؤل: إلى أي مدى استطاعت هذه التوليفة الحكومية بلورة برنامج حكومي يعكس ما تم الإعلان عنه أثناء الحملة الانتخابية؟

بداية نشير إلى أن تعليمنا بعد أن حسم مع مسألة التعميم، فإن الجهود منصبة في البحث عن جودته. فالجميع أحزابًا وفاعلين تربويين لا يألون جهدًا لتحقيق نسب معتبرة في سلم تقييمها، نظريًا على الأقل. وتشكل مدارس الريادة نقطة ارتكاز في البحث عن الجودة المنشودة، والتي أعلنت الحكومة عزمها على تعميمها، من منطلق سعيها إلى تمكين المتعلمين من التعلمات الأساس، باستخدام الوسائل الرقمية من جهة. واعتماد التقييم المنتظم للمكتسبات، استعدادًا للتقييمات الدولية التي يقبع تعليمنا في ذيلها. لكن هذا الحماس الرسمي يفتر لدى الفاعلين التربويين وعموم المتتبعين، الذين تصدر عنهم تعبيرات هنا وهناك تنفر من هذا النمط من المدارس، التي تهمش الفئة المتميزة من التلاميذ، ولا تقدم جديدًا بالنسبة للمتعثرين إلا ما تعلق بفترة الدعم وفق المستوى المناسب. وضعف أثر الدعم الممتد وتعثر انطلاقه. ويشكل استثناء المدارس الخصوصية مصدر تشكيك في جدواها. فإذا كانت الحكومة تهتم بعدد المؤسسات المنخرطة، فإن اهتمام آخرين منصب على ما اكتسبه الأبناء من كفايات، والتي لا تنال رضا الكثيرين ممن يواكبون أبناءهم في مسارهم الدراسي.

مركزية الإنصاف المجالي في تعميم الجودة التربوية:

ولعل المكتسبات الأساسية التي يتم السعي لتعزيزها، ليست على صعيد واحد بالنسبة لتلاميذ المغرب، فلا زالت التفاوتات المجالية حاضرة بقوة، وتحديًا يعد البرنامج الحكومي بمواجهته، لتوحيد ظروف التعلم بين الوسطين الحضري والقروي. وذلك بمجموعة من الإجراءات، كتحسين البنية التحتية التعليمية، والنقل المدرسي، والإطعام والإيواء، … ومن نافلة القول تعداد ما تشكو منه مدارس القرى وشبه القرى من خصاص في الربط بالكهرباء والماء والصرف الصحي وشبكة الإنترنت، وكلها وسائل لا يُتصور تعليم ذو جودة في غيابها. فضلًا عن الطرق الموصلة للمؤسسة، ومسكن للمدرسين، حتى يُحفظ الزمن التعلمي للتلميذ، الذي ينازع المدرس المركزية في العملية التربوية. كل هذا سعيًا لتحقيق الإنصاف المجالي، وهدم الفجوة البيداغوجية بين البادية والمدينة، وهو هدف لا يمكن بلوغه دون العمل على تحقيق التقائية السياسات العمومية، وهي المطلب الذي كان ولا يزال الأكثر ملحاحية. هي تحديات لو تم رفعها، لحققنا نتائج إيجابية في محاربة الهدر المدرسي، الثقب الأسود في منظومتنا التربوية.

التعليم النافع في شرنقة التحديات المالية والرؤية المستقبلية:

لقد أشار صندوق النقد الدولي في تقريره سنة 2026، إلى «وجود اختلالات في التوافق بين التخصصات الجامعية، والمهارات المطلوبة في سوق الشغل». وهو ما تنبه البرنامج الحكومي له، حينما وعد بتطوير التكوينات العلمية والتكنولوجية، ومد الجسور بين الجامعة والمقاولة، مع التوجيه الجامعي والمهني. حيث يُلاحظ نصف الحاصلين على الباكالوريا في الشعب العلمية، يسجلون في كليات العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، في حين تبقى التخصصات التي يتم تأهيلهم لها طيلة التعليم الثانوي تشكو الفراغ وقلة الإقبال. ورغم التوسع الذي تشهده خريطة التكوينات المهنية، إلا أن النظرة الموروثة بصددها، لا تشجع الكثيرين على الانخراط في أسلاكها. الشيء الذي يفرض القيام بجهد في محاربتها، وتغيير الصورة النمطية للعمل اليدوي، تمهيدًا لإنعاش الإقبال عليها، وهي مسؤولية مصالح التوجيه والمجتمع المدني والثقافة الشعبية.

كل هذا وغيره قد يبقى أضغاث أحلام، حين اصطدامه بصخرة التمويل، التي يذهب النصيب الأكبر منها إلى كتلة الأجور. فزيادة 4.7 مليار درهم في ميزانية التعليم لسنة 2027، سيذهب 4.57 مليار منها إلى كلفة الأجور. وهو تحدٍّ سيحول ولا شك دون الاستثمار التربوي المنشود، وفي البنيات والتجهيزات المرتبطة به. وبالتالي سيستمر معنا الفقر التعليمي الذي بلغ 65.8% كمعدل وطني وفق معطيات البنك الدولي، ويؤكدها برنامج التقييم الدولي بيزا. وهي مؤشرات ليست مبهجة، ولا تواكب الرؤية الاستراتيجية للتعليم كما قال الخبير عبد الناصر الناجي.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تحذيرات مرعبة تجتاح العالم
الجمعة 6 نونبر 2026 - 22:00 1

تحذيرات مرعبة تجتاح العالم

صوت وصورة
لقاء خاص | عبد العزيز باريك
الجمعة 6 نونبر 2026 - 21:00 5

لقاء خاص | عبد العزيز باريك

صوت وصورة
جدل زيادات طاكسيات بالرباط
الجمعة 6 نونبر 2026 - 15:32 13

جدل زيادات طاكسيات بالرباط

صوت وصورة
استمرار مهام دي ميستورا
الجمعة 6 نونبر 2026 - 12:32 15

استمرار مهام دي ميستورا

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 7

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما