انحرافات سياسية

انحرافات سياسية
الأربعاء 27 يونيو 2018 - 06:59

((السياسي الشريف مثل اللص الشريف لا وجود له)) هنري لويس مينكن

بعد أزيد من 60 سنة عن الاستقلال، وبعد كل هذه العقود من ممارسة السياسة في إطار مهام الدولة، يبدو أننا ارتقينا إلى الهاوية سياسيا، و لأننا في المغرب علينا أن لا نستغرب، حين أصبحت ممارستنا السياسية في السنوات الأخيرة مليئة بالخلافات ومشوبة بالكثير من الانحراف في الممارسة.

وإذا كان من واجبنا أن تكون إدارة خلافاتنا السياسية تنطلق من مفهوم الدولة وقاعدة استمراريتها، غير أن الواقع كشف أن الكثير من الأمور بلغت حدا كبيرا من الارتباك، حكمه نوع من الأمية السياسية الممزوجة باللامبالاة والصمت الرهيب، فدعونا نعطي بعض النماذج:

أولا: في جلسة عمومية بالبرلمان، تتم قراءة مقترح قانون دون الإشارة إلى موقعيه، والحال أنه لا يجوز مناقشة أي مشروع أو اقتراح قانون إلا وفقا لمسطرة محددة قانونيا ودستوريا، أولها مراقبة صفة الجهة التي قدمت المقترح بتوقيعها، غير أنه من أجل إخفاء حسابات سياسية ضيقة تم خرق المساطر والدستور، فطعنا مسطرة التشريع في الصميم، وأتمنى أن لا يصرح في المحضر بأسماء جهات لم تتلى في الجلسة العامة.

ثانيا: في الأسابيع الأخيرة توصل البرلمان بتقرير من إحدى الإدارات القضائية التي هي جزء من السلطة القضائية، متجاوزة الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويتسلمه رئيس مجلس النواب من هذه الإدارة التي لا ترقى إلى مستوى السلطة التي يدير شؤونها، في خرق واضح لمبدأ توازي الأشكال بين السلط وتوازنها، فأصبحنا أمام مأزق يستند على خرق مسطري، وكأن البرلمان لا مستشارين قانونيين لديه، مؤسسة تصنع القانون وتجهل مساطره وموقعه المؤسساتي.

ثالثا: وزير يملك سلطة الحكومة، ويعتمد على ذوي المصلحة للدفاع عن وجهة نظره، لعجزه عن إيجاد الحلول، فيعلن استقالة خجولة، ولو تمت إقالته لسحب معه وزراء آخرين، ومنهم من شتم المغاربة جميعا، وكأن شيء لم يقع، حزبه لم يجتمع واستقالته لم تطرح، فعلى هذا الشعب إما أن يتظاهر بقيادة وزير في الحكومة، أو أن ينتشي بشتمها له، إنها ديمقراطيتنا التي تسير على رأسها.

رابعا: وزير مسؤول على تنظيم الإدارة ببلادنا، يصرح أمام البرلمان أنه مسؤول فقط عن إدارة هذه الحكومة، يبدو أنه لا يفهم معنى استمرارية الدولة ومؤسساتها، وأنها من مسؤولياته، فيلغي الزمن الحكومي السابق والإمتداد الزمني للقرارات، ربما نسي أن مفكرا قال يوما (من يهضم الماضي بطريقة خاطئة يتقيأه المستقبل).

خامسا: رئيس حكومة يملك كامل السلطة القانونية والتنظيمية وسطوة الإدارة، ويتهم المعارضة بالاختلاس، ولا يحرك المساطر و القوانين ولا يفعل المحاسبة، يمارس الخطاب الإتهامي دون استعمال الوسائل القانونية التي بين يديه، بل ينهي تدخله بأنه “لا حول ولا قوة له”، ونسي يوما حين كان راجعا من الكويت حاملا معه فعل ما.

سادسا: محكمة دستورية تقبل إغفالا تشريعيا في القانون المنظم للجهة، لتجد الإدارة نفسها أثناء توقيفها لمجلس جهة كلميم واد نون في مأزق قانوني، بسبب هذا الإغفال الذي وقع فيه البرلمان والحكومة بدورهما، فيبدو أن الدولة كلها كانت غافلة.

هذه الحالات وغيرها كثر، تؤكد بالملموس أننا نعيش في مأزق سياسي وقانوني وتشريعي، فكل الأشياء تسير خلاف المساطر والقوانين المطلوبة، تم نشتكي لماذا يهاجموننا المواطنين في وسائل التواصل الاجتماعي، لذلك، وبعد كل هذا، ألسنا نعيش أسمى معاني وتجليات الانحراف السياسي إن لم نقل البؤس السياسي؟.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • محمد بلحسن
    الأربعاء 27 يونيو 2018 - 10:22

    أ سي عبد اللطيف وهبي,
    صباح الخير,
    عندي فكرتين أود تقسمها معك و مع القراء:
    الأولى: رحم الله الحسن الثاني كان قد اجتمع مع زعماء الأحزاب السياسية و قال لهم ما معناه: "أنا سألتزم بإعداد ملك لهذا البلد العزيز و ما عليكم أنتم إلا تعدوا نخبة سياسية في مستوى طموحات الشعب المغربي و التطورات التي يعرفها العالم". ها قد مرت 25 سنة تقريبا على ذلك اللقاء و نرى اليوم أن مردودية الأحزاب السياسية ضعيفة جدا. الفريق الوطني المغربي لكرة القدم أحسن نموذج لما هو عليه المغرب اليوم: الأفراد بارعون (رئيس الجامعة و المدرب و اعضاء الطاقم الطبي و التقني و اللاعبون) و لكن النتائج (تسجيل الأهذاف) سلبية لا تساعد على اقناع FIFA بقدرة بلدنا على تنظيم العرس الرياضي العالمي لتحسين الإقتصاد الوطني و لتغيير العقليات و توفير مجالات الاستثمارات و لا تضح أموال بميزانية الدولة و بصندوق FRMF
    الفكرة الثانية: طيلة الـ 20 سنة الأخيرة تراجع التقنوقراط إلى الوراء بسبب مواقف عدد من زعماء الأحزاب السياسية و ها نحن نعرف عدد من الملفات التي تحتاج معالجة رزينة بتغلب عليها المهنية لإجاد حلول منصفة و إكتشاف أخطاء لتدبير الحاضر و المستقبل.

  • الطالب الباحث
    الأربعاء 27 يونيو 2018 - 14:15

    .. الذين اذا اصابتهم مصيبة قالوا ..
    انا لله وانا اليه راجعون ..

  • MOHAMMED MEKNOUNI
    الأربعاء 27 يونيو 2018 - 14:35

    ((السياسي الشريف مثل اللص الشريف لا وجود له))
    مادام أنه لا وجود لسياسي شريف فالبرلمان عبارة عن سياسيين غير شرفاء ولننتظر الشرفاء.

  • ع الجوهري
    الأربعاء 27 يونيو 2018 - 16:15

    لنفرض جدلا عندنا أحزاب في مستوى الدول النامية وقضاء في نفس المستوى و النزاهة لكن السؤال المحوري أننا لما نتكلم على الأحزاب والديمقراطية ننسى أننا تحت حكم ملكي له طقوسه الخاصة و مشاركه الخاصة و رأيته الخاصة وباختصار مصالحه الخاصة به فهل التحول الديمقراطي للأحزاب وانشاء دستور متطور واحترامه هل سيتلائم مع طقوس الملكية و أتسائل أليس الصراع هو في الجدوى بين الملكية و الأحزاب فيوم يتفقان هاذان الاعلان سننتقل
    إلى مرحلة مطالب الشعب و تحديث المشهد السياسي والديمقراطية فأولا يجب أن تحل الأحزاب مشاكلها مع القصر أولا وشكرا لهسبريس وللكاتب

  • brahim2
    الأربعاء 27 يونيو 2018 - 22:38

    هل عرفتم ماهي الاجندة الصهيونية في المنطقة العربية؟ هل يمكن تفسير ما يقع
    بسبب هذه الاجندة التي اشتغلت منذ عقود والان بدات في اسقاط الانظمة الملكية بدء من 2018 في الاردن السعودية البحرين وقد راينا القلاقل الاخيرة في هذه البلدان الشقيقة؟ بعد القضاء على الانظمة الجمهورية في ربيع العملاء العرب؟ ماريكم استاذ؟

صوت وصورة
الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 22:12 1

الاتحاد الاشتراكي يواصل حملته بالرباط

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33 2

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 4

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 4

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور