المرأة المغربية واللباس..

المرأة المغربية واللباس..
الأربعاء 4 مارس 2020 - 21:49

من مستوى التمايز الجندري إلى مستوى الموضة وانزياحاها

نود أن نشير، منذ البداية، إلى أن محاولة تحليلنا للثام أو للحجاب ستكون على مستويين اثنين:

الأول سنكشف فيه كيفية تعامل السلطة الذكورية مع جسد المرأة، والثاني سنرصد فيه، عبر انزياحات موضة اللباس عن مركزية السلطة الذكورية في عصرنا المعولم، كيفية مراوغة المرأة المسلمة لتلك السلطة.

يعتبر من المباحث المهمة في الدراسات السوسيولوجية المعاصرة؛ إذ يعتبر في أدبياتها، صورة معبرة عن مختلف أشكال التمايزات الإثنية والطائفية، والجندرية. وما دام يمثل حصيلة تراكمات تاريخيّة لمجموعة محدّدات، فلا يمكن، في نظر الباحثين الذي اهتموا بدراسته، أن يستمد مكانته ومعناه من عامل واحد، فهناك عوامل كثيرة تؤثر فيه: مناخية، اجتماعية، دينية، إثنية وجندرية؛ إذ يمثل ترسانة قواعد اجتماعيّة ودينية وأخلاقيّة ضابطة لنظام الأدوار داخل المجتمع.

وبعيدا عن كل تصور ديني أو أخلاقي أو هَوَوِيّ يقارب مفهوم اللباس مقاربة تمييزية تجعل من المسلم شخصا متميزا ومختلفا بلباسه عن بقية خلق الله، حاول الباحث يوسف بنموسى في دراسته الموسومة بـ:” لثام التوارق: دراسة أنثروبولوجيّة وسوسيولوجيّة” الوقوف عند بعض الدلالات الاجتماعية والثقافية والانثروبولوجية لظاهرة شاذة لدى المجتمع التوارقي: فإذا كان اللثام أو الحجاب في المجتمعات الإسلامية يشكل آلية فرز جندري بامتياز، فإن الرجال في المجتمع التوارقي هم من يتم إخضاعهم لهذه الآلية وليس النساء؛ فمنذ العصور الوسطى إلى الآن، ظل هذا المجتمع يعاكس، على مستوى اللباس، بقية المجتمعات الإسلامية الأخرى، وذلك بإباحته سفور المرأة وإجبار الرجال على التحجب.

وعلى العموم، يبقى لكل مجتمع حقه في أن يحتفظ ببعض الخصوصيات المميزة له، مع العلم أن هذا الفرز الجندري المقلوب، الذي رأيناه مع المجتمع التوارقي، يبقى محتكما إلى البنية الذكورية، ومندرجا ضمنها وغير خارج عن نمطها السلطوي.

فإذا كان هذا المجتمع يبيح سفور المرأة ويجبر الرجل على وضع اللثام، كما رأينا في هذه الدراسة، فإن المجتمع المغربي التقليدي، وعبره باقي المجتمعات العربية والإسلامية، يفعل العكس، فهو يعتبر جسد المرأة عورة، ويرى في لباسها سترا لمفاتن جسد أَمّارٍ بالفتن والغواية، حفاظا على قيم ومثل المجتمع الذكوري.

صحيح أن الفضاء العام لم يعد اليوم، كما كان في الماضي، حكرا على الرجل يمارس فيه لوحده دون المرأة طقوس التجوال والاستعراض كيفما ابتغى وأحب، ووفق معايير وتقاليد الخروج التي وضعها الأجداد لنسائهم وبناتهم. فالمنافسة مع الرجل في ارتياد الأماكن العمومية أصبحت منذ عقود مشهودة للمرأة، لكنَّ هذه المشاركة لا ترقى إلى مستوى النِدِّيَّةِ الحقيقية مع الرجل؛ ذلك المستوى الذي يظهرها كشريك حقيقي للرجل يقتسم معه هذا المجال أو ذاك الفضاء.

لقد عاشت المرأة المغربية منذ فجر الاستقلال في مجتمعها فترة انتقاله من التقليد إلى الحداثة. فصور جلالة المغفور له محمد الخامس مع بناته وهن سافرات كانت أبلغ وأصدق تعبير عن هذه المرحلة التاريخية التي يمر منها المغرب المستقل. لقد كانت الأسر المغربية تعلق تلك الصور، بكل فخر واعتزاز، على جدران البيوت كرمز وكتعبير عن مغرب جديد بدأ في التشكل. وقد كان لباس الفتاة المغربية المتعلمة متماهيا مع هذه الفترة الانتقالية التي يجتازها المغرب؛ بحيث اعتبر من أبرز تجلياتها العميقة، ناهيك عن تأثيرات الأفلام السينمائية الهوليودية والمصرية في النفوس، التي كانت تعرض في قاعات العرض. وقبل هذا وذاك، فإننا نجد أن الفتيات المغربيات قد تأثرن بالنساء الأوروبيات، زمن الاستعمار، اللواتي كن يقتحمن المجال العام بلباس يبرز معالم الجسد وبعض مفاتنه.

لقد ترعرعت الفتاة المغربية، في هذا الجو الذي كان يشوبه الاختلاط العفيف غير المخدش للحياء، وغير الباعث على الخوف، أو على الشرف، أو ما شابه ذلك من قيم المروءة والرجولة. ناهيك عن الاختلاط في الشواطئ وفي الحافلات العمومية وفي مكاتب الإدارات.

لكن، في أواسط الثمانينات من القرن المنصرم، شهد المغرب، وغيره من الدول العربية والإسلامية، بداية موجة ارتدادية تشعر المرأة بضرورة ارتداء الحجاب درءا للفتنة، واعتبر الحجاب لحظتها وسيلة هامة لتحقيق غاية العفة والاحتشام، في زمن بات فيه من المستحيل إقامة الفصل بين الجنسين.

ولأجل هذا الغرض، تم توظيف وتجنيد العديد من القنوات الفضائية منذ بداية التسعينات؛ حيث استغل فيها وضع بعض الممثلات المصريات، اللواتي دخلن عمر الكهولة أو الشيخوخة، وجعلهن أمام جمهور تلك الفضائيات يعلن “توبتهن” وهن مرتديات الحجاب. فبعد أن كُنَّ في شبابهن، فترات الخمسينات والستينات والسبعينات من القرن المنصرم، رمزا للانطلاق والحرية والتحرر من ربقة التقليد، أصبحن الآن قدوة للفتيات بشكل معكوس.

هذا، وتعتبر مسألة العودة إلى الأصول ظاهرة عالمية ارتبطت، في نظر الباحث الأردني إبراهيم غرايبة، بموجة خوف عارمة أصابت العالم جراء الانتقال الكوني من منظومة اقتصادية عالمية قديمة إلى أخرى جديدة. فقد كان من الطبيعي أن يعود الإنسان إلى الدين وإلى بعض الأشكال التعبدية اتقاء لشرور وتداعيات تلك المرحلة الانتقالية. لكن ما حدث في العالمين العربي والإسلامي اختلف عما عايشه سكان العالم؛ إذ اعتبر ذلك الخوف فرصة للعودة إلى “الأصول” ومدعاة للناس للتفكير في أمور آخرتهم وما سينالونه من عقاب من الله جراء تماديهم في حياة اللهو واللعب والزينة والتفاخر بالأنساب والأولاد. الأمر الذي استدعى معه القيام بتعبئة شاملة للمجتمع من طرف “الفقهاء الجدد”، فقهاء الفضائيات، من أجل العودة بالناس إلى “دينهم الحقيقي” و”أصولهم الحقيقية”.

لقد بدأت هذه الموجات الأصولية تجتاح العالم العربي الإسلامي بعدما احتدت معارك الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وبدأت جراء ذلك الدول الوطنية العربية تتراجع عن بعض المكتسبات التي تحققت على المستوى الاجتماعي والثقافي والفكري؛ ذلك أن القواعد الشعبية أصبحت مسيسة بالشكل الذي تجاوز القياس، وينبغي التفكير على وجه السرعة في خلق آليات تلعب دور الكوابح لفرملة هذا التطور الصاعد الذي بدأ يمس البنيات الاجتماعية والثقافية والفكرية. ولتفعيل هذا الإجراء، أخرج الحاكم العربي المارد الإسلامي من قمقمه وأُعْلِنَتْ بداية مرحلة جديدة، بدأ يسود فيها ما سمي بـ “الإسلام السياسي”. هذا الأخير استطاع، في زمن قياسي قصير، فرض قواعده وضوابطه التنظيمية على المجتمعات العربية الإسلامية.

ففي إطار هذا السياق العام ينبغي فهم عودة المجتمعات العربية والإسلامية (وضمنها المجتمع المغربي) إلى “الأصول”، التي كان ارتداء المرأة للحجاب أحد أبرز سماتها.

وعلى كل، فإذا كان الحجاب يرمز لدى البعض إلى عفة المرأة ويستجيب لتلك المنظومة التقليدية التي أتينا على تحليلها قبل قليل، فإنه في عصرنا الحالي، عصر الثورة التكنولوجية الرقمية، يستجيب لضوابط وقواعد المجتمع المعولم، حيث شكلت السوق والتجارة والربح السريع دعائم ذلك العصر المركزية الجديدة. ذلك أن صناعة اللباس تعمل على إعادة إنتاج الحجاب وفق قوانين العرض والطلب الجديدة، التي فرضها اقتصاد السوق. وعليه، فقد بات من المؤكد تسويق أجيال جديدة من الحجاب، تستجيب لحيثيات أخرى غير ستر الجسد وإخفاء مظاهر الجمال والزينة فيه، حيثيات مرتبطة بالأذواق.

فتبعا لهذا السياق الجديد، أصبح الحجاب يستجيب لحاجيات النساء المسلمات، وفق موضة تفرض على متلقيها ومستعملاتها معايير جديدة للجمال: فتصميماته المتعددة تعكس مدى تتبع النساء لمختلف التوقعات التي بدأت تفرضها خريطة الجسد وشبقيته وإرتيريته.

فلا مجال للحديث هنا، إذن، عن دلالة للحجاب أحادية القطب؛ إذ أصبح عند البعض من النساء فرصة لإثبات ذات لا تفيض أنثوية إلا بارتدائه. كما أصبح لدى البعض منهن وسيلة لجلب الزوج، في مجتمع ذكوري، يعزف أفراده عن الزواج، وبدأ يفقد ثقته في وجود العفة و”بنات الأصل”، كما أصبح لدى أخريات وسيلة لفرض الاحترام والإحساس بالأمان.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • lahcen
    الخميس 5 مارس 2020 - 08:15

    اللباس له علاقة بلباس الإنسان كما يعبر عن العقلية الفكرية للشخص كفرد ومن جهة أخرى كإنتماء الى البلد او المنطقة . العالم يتغيربتغيرعلمه وذكائه في لباسه ومسكنه وتكنولوجياته ووسائل تنقله وقد كان للثورة الفرنسية دورفي إبرازوإعطاء القيمة للحرياة الفردية وهدا أثربشكل واضح في المجتمع المغربي فأصبحت المرآة أكثر جرآة تلبس التنورة يعني الصايا يني لباس قصيرحتى الركبة كما تلبس المايو في الشاطئ كما توجد دور للدعارة في كل مدينة وقريط كما توجد عشرات الحانات ..كما كان المغربي يتصرف بصدق وكان إحتام المرأة وكان الإختلاط في الأعاس في الأزقة في المقهى أحزاب قوية موسيقى متطورة رياضة..ومع الإستقلال شيئ بدأ كل شيئ في الإختفاء مع ظهور الحجاب ..كنا نتساوى مع إسبانيا والبرتغال وكورية ج للاسف تخلفوا عنا بسبب تعري نساؤهم وإنشار الخمر في بلادهم أمانحن جاأنا الحل..

  • habits afghans,niet
    الخميس 5 مارس 2020 - 08:19

    on n"est pas contre le hijab porté par la fille ou la femme marocaine,on est contre le fait que l"habit afghan chez la femme et chez l"homme ,les marocains homme et femme ont perdu leurs habits pour porter des habits des afghans comme quoi on a perdu notre personnalité,les femmes ma ne portaient jamais mais alors jamais le haik noir,uniquement du blanc,voir une femme toute entiere habillée en noir ,c"est repoussant et le marocain transformé en afghan par son habit c"est encore pire

  • czek
    الخميس 5 مارس 2020 - 08:37

    ليس في الشرع شيء اسمه باب اللباس أو ماذا ألبس.
    هناك باب في الشرع اسمه باب ستر العورة.
    الملكة بلقيس التي كان الناس في دولتها يعبدون غير الله، بل كانوا في قمة انواع الديمقراطية الغير موجودة حاليا حتى من الدول التي تنعق بها و تُصدِّع رؤوسنا بها ليل نهار، في قوله تعالى // قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ //….الملك يستشير الملأ و الملأ لا يجدها فرصة للريادة و سحب بساط الحكم من تحت أرجلها يرد لها الكرة….
    و كانت نساءهم لا يعرفون شيئا لا عن الحجاب و لا النقاب و لا حلال و لا حرام، و رغم هذا، في قوله تعالى //فكشفت عن ساقيها// هذا يدل على أن ساقها كانت غير مكشوفة. فالأصل في البشرية الستر و ليس الفوضى

  • Lila
    الخميس 5 مارس 2020 - 11:35

    Dernièrement j ai assisté à un mariage au Maroc dans un milieu plutôt conservateur. Beaucoup de femmes avaient le foulard sur la tête, mais elles n ont pas
    quitté la piste de danse
    Elles n ont pas arrêté de se trémousser .
    Je ne comprends pas le principe du hijab

  • khalil
    الخميس 5 مارس 2020 - 12:21

    Juste une petite remarque pour la réponse N°2.
    Vous vous attaquez aux femmes portant l'habit afghans alors qu'il est un choix personnel et un gout que
    . personne n'a le droit d'y interférer tant qu'il est pudique
    S'y attaquer constitue une atteinte grave aux vrais libertés individuelles.
    Une question qui s'impose : Pourquoi vous ne vous attaquer pas aux habits occidentals? Pourquoi 2 poids 2 mesures??

    Alors que vous avez tout à fait le droit de le faire puisque la majorité écrasante des ces habits portent atteinte à la pudeur. Et une bonne partie de ces habits sont catégorisés "Sexy" (selon la classification européénne)

  • texb
    الخميس 5 مارس 2020 - 13:36

    Pour le commentaire 2 2 – habits afghans,niet .
    Vous dites que les marocains on perdu la personalités en s'habiaant à la manière afgane.
    Je répond en disant de même en utilisant ton analyse que les marocains on perdu leur persoanlités en s'habillant à la manière occidentale.

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 1

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 5

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء