دور أخياط ابراهيم في الولادة الجديدة لشــعــب

دور أخياط ابراهيم في الولادة الجديدة لشــعــب
الإثنين 9 أبريل 2018 - 14:06

إن مصطلح “la renaisance” الدال حرفيا على معنى الولادة الجديدة، الذي يؤرخ لنهضة الشعوب الأوروبية، ينطبق تمام الانطباق على شعبنا في العصر الحاضر، لثبوت وقوع خلق جديد له، انتقل به من برودة الموت، التي عاش فيها مئات السنين، إلى أنوار الحياة ودفئها.

وهذه الولادة الجديدة تتجلى بوضوح في دستور سنة 2011 لما أعلن فيه المغاربة للعالم عن إحياء لغتهم الأمازيغية التي كانت في عداد الأموات، كما أعلنوا فيه اعتزازهم بهويتهم الأمازيغية، التي كانوا لقرون عديدة يخجلون منها ويخفونها عن الأنظار، مقررين فيه تحرير أرض وطنهم من التبعية للوطن العربي في الشرق، بتأكيدهم انتمائها إلى موطنها الأصلي “المغرب الكبير”.

فكل هذه التجليات تعبر بحق عن حدوث هذا الخلق الجديد لشعبنا، ما يجعل المصطلح سالف الذكر الذي يعني الولادة الجديدة، ينطبق عليه بالضبط تمام الانطباق.

ومن عجيب صدف الأقدار أن هذه النهضة الأمازيغية لشعبنا لا تتطابق مع النهضة الأوروبية في الاسم فقط، بل تتطابق معها أيضا حتى في أسسها ومرتكزاتها، المتمثلة كما هو معلوم فيما يلــــي:

1) انفتاح الشعوب الأوروبية على التاريخ القديم اليوناني والروماني.

2) اعتماد هذه الشعوب على لغاتها الوطنية المحلية، بدلا من اللغة اللاتينية.

3) اعتمادها أيضا على استخدام العقل بغير توجيه من أي كان، وإيمانها بقدرة هذا العقل على السير بها في طريق نهضتها.

من المحقق أن الحركة الأمازيغية قامت بدورها بتأسيس مشروعها المجتمعي النهضوي على هذه المرتكزات نفسها لثبوت انفتاحها على تاريخ شعبنا القديم، بعد أن كان هذا التاريخ يعتبر في عرف الثقافة التقليدية من مخلفات الجاهلية المنبوذة، وثبوت أيضا دعوة هذه الحركة إلى اعتماد اللغة الأمازيغية الوطنية، وإلى الاعتزاز بهويتنا الأصلية العريقة، ثم كذلك ثبوت استخدامها للعقل وما أفرزه هذا العقل من علوم حديثة، في اقناع شعبنا بتصالحه مع ذاته، ومع وطنه، ومع دينه، ومع سلطته السياسية.

إذن، إن صحت هذه الرؤية الجديدة للحركة الأمازيغية، فينبغي أن ننظر إليها كحركة تنوير وطني، حاملة لمشروع نهضوي حداثي كبير، يهدف إلى إحداث تحول جذري في عقلية شعبنا وفي واقعه الاجتماعي؛ وذلك خلافا للنظرة الثقافية المستصغرة التي ينظر بها إليها.

وما قصدي التذكير بإنجاز النهضة الأمازيغية الكبير، الذي قام به شعبنا في سنة 2011، إلا لتقدير وتعظيم رجالات هذه الحركة الذين صنعوه بنضالهم المستميث، والذين كان الأخ ابراهيم أخياط من بين آبائها المؤسسين الكبار.

لذلك، ستكون مداخلتي هذه منصبة على ذاكرة هذا الرجل الشهم الذي غادرنا مؤخرا إلى دار البقاء، بعدما سجل اسمه في التاريخ باعتباره أحد الأبطال البارزين في دراما الولادة الجديدة لشعبنا، التي كرس لها حياته كلها، إلى أن سقط سقطته الأخيرة وهو في عز معمعانها؛ الشيء الذي يمكن معه أن يلقب بشهيد النهضة الأمازيغية.

وإن جاز تشبيه ذلك الانجاز العظيم بتحفة درامية فخمة، فلكي نستعير منها فقط مصطلحاتها الفنية لتقريب إلى الأذهان فكرة تعدد المواهب والأدوار التي لعبها الفقيد داخل هذه الدراما؛ ذلك أنه كما هو ثابت لم يكن فحسب من بين واضعي السيناريو الأول لإبداعها، بمساهمته سنة 1967 في تأسيس بذرة الجمعية المغربية للبحث والتبادل الثقافي التي انبثقت منها الحركة الثقافية الأمازيغية، كما أنه لم يكن كذلك يلعب فقط دور البطل النجم في هذه الدراما، بمشاركته الفعلية في كل مشاهد وفصول معاركها الملحمية، بل كان فوق كل ذلك يعتبر هو مخرجها البارز بإدارته أحداثها المختلفة كلها، بدءا من تأسيس جمعية “أمريك” سالفة الذكر، إلى تأسيس جمعية الجامعة الصيفية، إلى تأسيس المجلس الوطني للتنسيق بين الجمعيات الأمازيغية، ثم إلى تأسيس الكونجريس العالمي الأمازيغي.

وعندما انتهى هذا المسلسل الدرامي الطويل بالنهاية السعيدة المعروفة المتمثلة في إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فإننا مرة أخرى نجد اخياط من بين المساهمين النشطين في جل المنجزات الكبرى لهذه المؤسسة، انطلاقا من إقرار وحدة الحرف الأمازيغي ” تيفيناغ “، إلى إقرار وحدة اللغة الأمازيغية المعيارية، إلى إدماج الأمازيغية في التعليم وفي الإعلام، وفي غير ذلك من المجالات. وأشير إلى أن مواهب هذا الرجل لا تنحصر فقط فيما ذكرت؛ إذ كثيرا ما سمعت هنا وهناك اتصافه بصفات أخرى، فقيل لي مثلا:

إنه كان دينامو الحركة الأمازيغية، وقيل أيضا إنه كان المايسترو داخل هذه الحركة، أو كان قطب رحاها، أو كان قائدها ومنسقها، أو كان موحدها.

ولو قدر لباحث أن يجمع من أفواه عارفيه كل ما كان يتصف به هذا العبقري من مواهب، وما قام به من أدوار، لتم له جمع رصيد آخر غير ما أشرت اليه.

لكن مع تقدير المواهب والأدوار المختلفة التي قامت بها هذه القامة الفذة في خدمة الأمازيغية، ثم أيضا مع تقدير نضال الحركة الأمازيغية من أجل هذا الهدف نفسه، فإنه من الإنصاف ومن الموضوعية العلمية الاعتراف بأن تلك الخاتمة السعيدة التي انتهت بها دراما النهضة الأمازيغية، ما كانت لتكون بذلك الشكل الجميل، لولا فضل عاهلنا المستنير جلالة الملك محمد السادس، الذي اقتنع بعدالة القضية الأمازيغية، محدثا من أجل ضمان حقها في البقاء وفي النماء، مؤسسة المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وأنه ما من شك في أن هذا الانفتاح لجلالته على الأمازيغية هو ما مهد لتلك الولادة الجديدة، أن تجري عمليتها في يسر وسلاسة في دستور سنة 2011.

ومن الإنصاف كذلك القول إن نجاح الحركة الأمازيغية في كفاحها ذاك من أجل تحقيق هذه الولادة الجديدة، يجعلها بحق تصنف ضمن حركات الإحياء الحقيقية، استنادا إلى تعريف الفيلسوف أرسطو للحركة التي قسمها إلى ثلاثة انواع هي:

1) حركة تبتغي من عملها نقل الشيء من العدم إلى الوجود، أي من الموت إلى الحياة، وهذه الحركة يطلق عليها حركة إحياء، لاستهدافها مد الشيء بالحياة.

2) وحركة ثانية تستهدف من فعلها نقل الشيء من الوجود إلى العدم، أي من الحياة إلى الموت، وهذه الحركة يسميها حركة إبادية استئصالية، لتوخيها انتزاع الحياة من الشيء.

3) ثم حركة ثالثة تقصد من نشاطها نقل الشيء من وجود إلى وجود آخر، وهذه تدخل ضمن حركات التغيير، لأنها تبقي على وجود الشيء، وترمي فقط إلى تغيير ظروفه المكانية أو الزمانية.

إذن، بتطبيق هذا التعريف على حركات المجتمع المدني السائدة في بلادنا في تعاملها مع اللغة الأمازيغية، ندرك أن الحركة الأمازيغية تصنف ضمن النوع الأول، أي حركات الإحياء لاستهدافها ضخ الحياة في هذه اللغة، بينما حركة القومية العربية والحركة الإسلامية تصنفان ضمن النوع الثاني لتوخيهما زرع الموت فيها.

وبعـد:

أكيد أن الدولة المغربية بإقرارها الأمازيغية قد كسبت بذلك فخرا وطنيا ودوليا، لكنها مع الأسف الشديد قابلت رموز الحركة الأمازيغية، الذين قام على أكتافهم هذا المكسب، بالجحود وبنكران الجميل، بدليل أن الأخ ابراهيم أخياط الذي يعتبر رمز رموز هذه الحركة، مات في عزلة تامة، وفي صمت خبيث، أو مات بالبرد والإهمال كما عبر عن ذلك الأستاذ أحمد الدغرني في مقالة له تقطر حزنا وعتابا مبطنا؛ ذلك أنه إذا استثنينا الجائزة التقديرية اليتيمة التي نالها من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، فإنه بالفعل مات مهمشا ومهملا لعدم حصوله من الدولة على ما هو جدير به من تقدير وتكريم، لما قدمه من تضحيات كبرى في سبيل تحقيق ذلك المكسب الجليل الباعث على الفخر.

والغريب في الأمر أنه قوبل بكل هذا الجحود ونكران الجميل رغم استحقاقه هذ التكريم عن جدارة واستحقاق، باعتباره من الشخصيات المعروفة بكفاءتها الفكرية وبوعيها بالطابع التعددي لثقافتنا الوطنية، استنادا إلى الشهادة الملكية السامية الواردة في ظهير إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، التي قالها جلالته في حق أعضاء المجلس الإداري للمعهد، الذي كان الأستاذ ابراهيم اخياط من ضمنهم.

وإن مما يزيد القلب كمدا وحزنا أن واقع هذا التهميش والإهمال يبدو كسياسة ممنهجة تمارس في حق رموز الحركة الأمازيغية، لثبوت ممارستها سابقا على الإخوان: عبد المالك أوسادن، وعبد الله حمزة، ومحمد منيب، وعلي صدقي ازايكو، والعموري امبارك، وغيرهم؛ ما يجعل الرموز الباقين يظنون أنهم سيلقون المصير نفسه.

والحق أنه إذا كان رجالات الحركة الوطنية قد نالوا من الدولة الجزاء الأوفر المادي والمعنوي، لقيامهم بتحرير وطننا من الاستعمار، فإن رجالات الحركة الأمازيغية يستحقون بدورهم هذا الجزاء، لقيامهم بتحرير ذات شعبنا من عقدها النفسية المزمنة، التي كبلتها مئات السنين، ودفعتها خلال كل هذه المدة إلى احتقار نفسها، وإلى تدمير ذاتها بنفسها. وبعبارة أوضح، إذا كانت الحركة الوطنية قد حققت لدولتنا مكسب الاعتزاز بالوطن الحر، فإن الحركة الأمازيغية قد حققت لها مكسب الاعتزاز بالكيان الحر وبالعقل الحر. ومن ثمة، يستحق رموزها كل التكريم والتقدير.

وختاما، فإن المصير البارد غير الكريم الذي لاقاه في حياته وفي مماته صديقي الحميم ورفيقي في درب النضال الأمازيغي الأستاذ ابراهيم اخياط، أحدث في نفسي حزنا وقلقا عميقين، لم يخفف من وطأتهما إلا ما قرأته من الفيلسوف شوبنهاور حينما ذكر أن العباقرة يكونون دوما محل إهمال معاصريهم، الذين لا يدركون نبوغهم إلا بعد إحساسهم بالفراغ المهول الذي يخلفه غيابهم وموتهم، مستشهدا على ذلك بقولة مأثورة مفادها أن “قسمة عظماء الأرض أن لا يعرف قدرهم إلا بعد مماتهم”.

حينذاك أدركت أن صديقي من عظماء هذه الأرض، وأن محكمة التاريخ وحدها هي التي ستنصفه، وتعيد إليه الاعتبار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • m.atlas
    الإثنين 9 أبريل 2018 - 14:21

    Allah irham si Brahim akhyat.
    C'était quelqu'un de très instruit ….très calme et ne réagit qu'avec une logique loin de tout chauvinisme …son unique préoccupation est de sauvegarder et améliorer tamazight..

  • مومو
    الإثنين 9 أبريل 2018 - 15:05

    ختم السي الصافي مقاله بالقول: (( إن المصير البارد غير الكريم الذي لاقاه في حياته وفي مماته صديقي الحميم ورفيقي في درب النضال الأمازيغي الأستاذ ابراهيم اخياط، أحدث في نفسي حزنا وقلقا عميقين، لم يخفف من وطأتهما إلا ما قرأته من الفيلسوف شوبنهاور حينما ذكر أن العباقرة يكونون دوما محل إهمال معاصريهم، الذين لا يدركون نبوغهم إلا بعد إحساسهم بالفراغ المهول الذي يخلفه غيابهم وموتهم)).

    الله يرحم السي أخياط، لكنه لم يصل إلى درجة العبقري، والاستشهاد على عبقريته بشوبنهار، فهذه مبالغة وغلو في المدح والإطراء.

    انقص افيخرات آلسي الصافي، وباركا من النفيخ والعمل بمقولة: عظَّمْ خوك ألبخاري..

  • العربي العوني
    الإثنين 9 أبريل 2018 - 16:44

    المغاربة من طنجة الى الكويرة دون استتناء
    أبطال
    محررون
    شهداء
    متفقون

    المغرب حي قوي يرزق
    ما مات يوما ولا وانهزم
    ومن قال المغرب كان مينا
    فهو حقا الجاهل الميت

    التبعية للعالم العربي عزة و شرف
    النزعة العنصرية الهمجية القبلية خرف

    كفى من النفخ الهواء وطواحين الرياح

  • عبد الرحيم فتح الخير
    الإثنين 9 أبريل 2018 - 18:21

    ومن عجيب صدف الأقدار أن هذه النهضة الأمازيغية لشعبنا لا تتطابق مع النهضة الأوروبية في الاسم فقط، بل تتطابق معها أيضا حتى في أسسها ومرتكزاتها، المتمثلة كما هو معلوم فيما يلــــي …. انطلاقا من هذه المقدمة المظللة ، استرسل الأستاذ في إبراز أوجه التشابه بين نهضة الأمازيغ ، والأوروبيين . ليستعرض نقاطا يرى أنها تشكل القاسم المشترك . وهو تعسف في الإسقاط ، لن يسايره فيه إلا من يمتلك في قلبه نزعة استءصالية ، عنصرية تنسب الطهارة للعهر . وتقصي باقي مكونات النسيج المغربي الجميل ، خدمة لذوي الدم الأزرق من سكان هذا البلد الأمين . أتمنى النشر إحقاقا لمبدأ حق الرد …

  • واخمو
    الإثنين 9 أبريل 2018 - 22:37

    ومع ذلك ، ستظل الامازيغية ، رغم كم الحملات التبخيسية ، قوة الدفع الذاتية لاستنهاض الهمم الوطنية التواقة للانعتاق من ربقة إدمان الولاء المطلق للنزعات الدخيلة والاستئصالية الحقيقية المفلسة في موطنها الاصلي .

  • Anir-suisse
    الإثنين 9 أبريل 2018 - 22:50

    AZUL
    premierement que Dieu ai son ame. c etait et restera un des pilliers fondateur du mouvement amazigh, qui a donne beaucoup pour cette langue et civilisation amazigh, il restera ancre dans nos coeurs a jamais, et l histoire contemporaine du peuple amazigh parlera toujours de ce grand ferveur et defenseur des droits linguistiques et culturels de notre peuple

  • حفيظة من إيطاليا
    الثلاثاء 10 أبريل 2018 - 09:40

    إلى واخمو

    تقول في تعليقك ما يلي: (( ومع ذلك ، ستظل الامازيغية ، رغم كم الحملات التبخيسية ، قوة الدفع الذاتية لاستنهاض الهمم الوطنية التواقة للانعتاق من ربقة إدمان الولاء المطلق للنزعات الدخيلة والاستئصالية الحقيقية المفلسة في موطنها الاصلي)).

    أنتم جعلتم من البربرية وسيلة للتحريض ضد العربية والإسلام في المغرب، ولذلك فشل مشروعكم وتم وأده في المهد. ما فيهش إيركامية. اللهجاث الثلاث هي التي سيتم العمل بها طبقا لما أعلنت عنه قناتكم الثامنة.

صوت وصورة
قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:50

قاطنو المحج يطالبون بالإنصاف

صوت وصورة
مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:33

مسيرة الاتحاد الاشتراكي في البيضاء

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 21:02 3

الطريق إلى الانتخابات 2026 | محمد شوكي

صوت وصورة
شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:30

شراكة أوروبية مغربية بالذكاء الاصطناعي

صوت وصورة
الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 20:00 3

الاستفادة من الزيادة في الحد الأدنى للأجور

صوت وصورة
لقاء خاص | هشام رحيل
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 19:30 4

لقاء خاص | هشام رحيل